اخبار جهوية

موسم الهجرة من القرية للمدينة إقليم الشاون نموذجا

يعيش المغرب منذ بضع سنوات تبعات التغير المناخي الذي أدى إلى توالي سنوات الجفاف وتراجع الموارد المائية فباتت عدة مناطق مغربية تعاني من نقص حاد في الموارد المائية وبالتالي من تراجع الأنشطة الفلاحية التي تشغل غالبية سكان القرى وهو ما اضطر العديد من المزارعين إلى التخلي عن الزراعة والهجرة إلى المدن، وقد دفعت أزمة العطش التي تعانيها القرى بل حتى بعض المدن المغربية الأهالي إلى الخروج للاحتجاج مطالبين بحقهم في الماء بينما حذّر ناشطون بيئيون تداعيات استمرار سوء تدبير الموارد المائيةواستنزافها في زراعات دخيلة في بلد يعاني الشح المائي.
إن الأزمة ناجمة ليس فقط عن ارتفاع درجة الحرارة والجفاف بل ترجع كذلك إلى سوء التدبير اليومي للمياه أيضاً فالفلاحين يدبرون الماء بعشوائيةكما نلاحظ غياب استراتيجية لتعبئة الموارد المائية والاستثمار في المياه ،ويشار إلى أن ملك المغرب”محمد السادس” حذر مسؤولي الشأن المائي حدوث أزمة مياه وأعطى توجيهاته وتعليماته لتشكيل خلية لمعالجة الوضع وتوفير الماء الصالح للشرب للجميع و عليه أعلنت الحكومة المغربية في هذا الصدد تنفيذ مشروعات مائية بقيمة 40 مليار دولار لمواجهة شح المياه ويعد المغرب من البلدان التي تعتمد على القطاع الفلاحي في نموها الاقتصادي.
إقليم الشاون، تجسيد عميق لمعاناة الماء:
إن الشح المائي بالدرجة الأولى الذي عرفه الإقليم مؤخرا خلق توترات اجتماعيةلسكان القرىبحيث ما لبثوا يطالبون بحقهم في الماء وكذلك أسهم في خلق صراعات فيمابينهم تتطور أحيانا إلى مواجهات باستعمال الأسلحة النارية يتم هذا تحت أعين السلطات المحلية وأعوانها و فيغياب كذلك لرؤية استراتيجية مائية من قبل الدولة لوضع مخطط مستقبلي لمواجهة التحديات المائية وتحقيق الأمن المائي، فبالنسبة إلى استعمال المياه السطحية والجوفية بالإقليم فتقريباً 85 في المئة منها تذهب إلى القطاع الفلاحي و التي تعد من بين أسباب أزمة العطش بالمنطقةولما نقول القطاع الفلاحي نعني به أساسا زراعة القنب الهندي (الكيف) خاصة مع اكتساح أنواع أخرى من العشبة الدخيلة و التي تستهلك كميات كبيرة من المياه بينما 12 في المئة تخصص في الاستعمال اليومي أي الماء الصالح للشربو 03 في المئة يستفيد منها القطاع السياحي، فأزمة الماء تعود إلى الاستغلال المفرط للموارد المائية الباطنية في زراعة القنب الهنديلتهريبها و تصديرهاللخارجو الذي يعد بمثابة تهريب و تصديرللموارد المائية الخاصة بالأجيال القادمة التيستحرم من حقها في المياه مستقبلا والذين صاروا يفكرون في هجرة قراهم قبل أن تقع الفأس في الرأس بل أغلبهم اتخذ قرار الهجرة و نفذه.

إن هجرة سكان العالم القروي إلى مدينة شفشاون أو المدن المجاورة لها تشكل عاملا سلبيا بالنسبة للتراث المادي وغير المادي الذي تعد الجبال والقرى الوعاء الحاضن له بامتياز إذ تفقد الهجرة هذا التراث من يعتني به ومن ثم يتعرض للاندثار علاوة على اختلال التوازن الطبيعي نتيجة توقف الأنشطة المحافظة عليه كالزراعة والرعي… فالهجرة القروية تؤدي إلى تدهور الجبل وضياع الثروات،ولم تؤد الهجرة المكثفة نحو المدن إلى فراغ قرى الإقليم من أهلها فحسب بل إن كثيرا من العادات المجتمعية المتوارثة بدأت تتلاشىفقبل خمسة عشر عاما فقط كانت الأسوق الأسبوعية تشهد نشاطا تجاريا مهما إذ يتوافد عليه سكان القرى المجاورة منذ الصباح الباكر ويستمر انعقاده إلى ما بعد صلاة العصر أما الآن فيقضون أغراضهم وينصرفون بسرعة، و من التداعيات السلبية للهجرة من المناطق القروية إلى المدن كذلك فراغ هذه المناطق من السكان ما يؤدي إلى خلل في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافيحيث لا يتبقى فيها غير الشيوخ أو الأشخاص الذين لا تسعفهم إمكانياتهم للهجرة.

إن الهجرة شبه الجماعية لسكان القرى من مختلف مناطق إقليم الشاون ونزوحهم نحو مدينة شفشاون أو المدن المجاورة لها تعزو إلى السياسة المتبعة من طرف الدولة التي تقوم على عدم المساواة بين المجال الحضري ونظيره القرويفمحور التنمية التقليدي هي المدن الساحلية التي تشكل مركز استقطاب للساكنة علاوة على أنها تشكل وعاء تتمركز فيه مشاريع التنمية وفرص الشغل خاصة في المدن الكبرى المتموقعة في محور الدار البيضاء/طنجة، ففي ظروف متنوعة ولأسباب واضحة ولا تحتاج لكثير من الإسهاب نادت منذ القدم ساكنة العالم القروي رغبة الرحيل إلا أن الكبرياء منعهم من حمل أسمالهم القليلة والاتجاه إلى مدن تبتلعهم في صمت رغمتعدد مظاهر إغراء الهجرة حتى ولو كان توفير الحق في كأس منالماء واجبمن واجبات الدولة ولا يستحق كل هذا العناءمن منطلقأن هناك دولامثل الجارة إسبانيا تشجع المواطنين الذين يريدون الاستقرار في البوادي عن طريق تحفيزات ضريبية ومالية.
إن المدخل الأساسي لأي تنمية حقيقية هو إحياء ثقافي حقيقي لمكونات الكينونة القروية بالمغرب ولكن هذا الإحياء يجب ألا يكون فولكلورياًكما يقع في كل مناسبة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، النموذج التنموي الجديد ، تقنين مادة القنب الهندي) بل يجب أن يكون عميقاً مرتكزاً على بحث سوسيولوجي وثقافي عميق يعيد إحياء علاقة الإنسان القروي بالطبيعة والذاكرة والتاريخوإعادة إحياء قدراته على الإبداع في أوجه الحياة اليومية لا مجرد إضفاء طابع فولكلوري إثنوغرافي على الحياة البدوية، بل في إطار تصور أنثروبولوجي جديد يحدد فيه الإنسان القروي شيوخا،شبابا، نساء ورجالا كيف يتصورون صيرورة حياتهم في علاقتها مع واقعهم وطموحاتهم وقدراتهم وأشكالهم التعبيرية الناشئة والمستمرة على حد سواء، هذه العلاقة الجدلية للذات مع الفضاء والذاكرة والزمن هي أصل تحقيق نظرة نقدية للانتماء يتم بموجبها التصالح مع الآخر سواء كان الرأسمال الرمزي للمدينة أو العولمة أو الثقافة الغربية أو غيرها،فلا يمكن أن نتحدث عن التغيرات المناخية من دون ذكر النشاط البشري لأن الإنسان يضطر إلى الهجرة بسبب التحديات البيئية و الاختيارات العشوائية .
عبد الإله شفيشو / فاس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى