مجتمع

من الممر الهندي إلى سابع أكتوبر أو حين تتقاطع السرديات الجيوسياسية مع انتفاضة جيل زد – مصطفى المنوزي

الحلقة الثالثة
لقد ترسخ لدينا، في زمننا النضالي الفتي، وكفئة شبابية عمريا ولكن بمرجعية تقدمية حالمة؛ بفعل الممارسة أن الصدفة ظرف زمكاني، أي أنها لحظة أو حالة تقع في نقطة محددة من الزمان والمكان، لا تُنتج بالضرورة قانونًا أو معنى سببيًا. إنها ما يظهر فجأة ضمن مجرى الأحداث، دون أن يكون ناتجًا مباشرًا عن الضرورة. بهذا المعنى، فهي تنتمي إلى حقل الاحتمال واللايقين، أو إلى ما يسميه بعض الفلاسفة «الانقطاع في السرد التاريخي».
أما المصادفة، فهي مفهوم جدلي، لا يُفهم إلا داخل منطق المادية الجدلية. فـ«المصادفة» عند إنجلز ولينين ليست نقيضًا للضرورة، بل هي شكل ظهورها. أي أن ما يبدو مصادفةً هو في العمق تجلٍّ لقانونٍ موضوعي لم يكن ظاهراً بعد. وهنا تتأسس المادية التاريخية التي ترى في المصادفة لحظةً من لحظات تحقق الضرورة في التاريخ، لا نفيًا لها.
وبصيغة أخرى: فالصدفة: حدث عرضي لا يُستنبط منه قانون، وبالتالي فالمصادفة: مظهر جدلي للضرورة التاريخية، أي وسيلة الطبيعة والمجتمع لتحقيق ما كان سيحدث بشكل أو بآخر؛ من هنا يمكن القول إذن إن الصدفة ظاهرة سردية، بينما المصادفة بنية تفسيرية، لأن الصدفة تهمّ المؤرخ أو الراوي، أما المصادفة فيهتمّ بها الفيلسوف المادي والمحلل السياسي الجدلي لأنها تُظهر آلية تحول الكيف إلى كم والعكس
: بين التزامن والضرورة: قراءة في تداخل الجغرافيا بالرمز.ي
ولذلك فإنّ تزامن اتفاقية الممر الهندي–الأوروبي (IMEC) مع حدث طوفان الأقصى لم يكن مجرد مصادفة زمنية، بل لحظة كاشفة عن تحوّل عميق في منطق الصراع الجيوسياسي. فبينما كانت القوى الاقتصادية الكبرى تحتفل بإعادة هندسة طريق الحرير وفق مقاييس السوق واللوجستيك، كان يفترض أن الشرق الرمزي يعلن عن عودة الذاكرة كفاعل استراتيجي يربك الجغرافيا ويقلب سرديات الاستقرار؛ وفق ما تقضيه المصالح التكتيكية.
فالمفيد في تحليل هذا التزامن لا يكمن في البحث عن علاقة سببية مباشرة، بل في تفكيك المفارقة الزمنية التي جعلت من حدثين متباينين في طبيعتهما وجهين لعملة واحدة: أحدهما يسعى لتكريس عولمة اقتصادية جديدة تحت رعاية التحالفات الانتقائية، والآخر يعلن انفجار الرمزية المقاومة كردّ فعل على اختزال القضايا التاريخية في مسارات نقل البضائع والطاقة.
في هذا السياق، يتبدّى جيل زد 212 كصدى حيوي لهذا التداخل بين الرمزي والمادي؛ إذ التقط بسرعة التحوّل الدلالي في الأحداث، ورأى في التزامن بين المشروعين — الاقتصادي والأمني — علامة على مفارقة العدالة في النظام الدولي. لذلك كانت استجابته وجدانية، رقمية، وتعبيرية، لا دفاعية ولا أيديولوجية، بل مشحونة بنزعة توقّعية تحاول استعادة زمام الفعل من وسط فوضى السرديات.
وهكذا يصبح التزامن بين الحدثين، في المنظور التوقّعي، مرآة لتسارع التاريخ نفسه: فالعولمة التي أرادت تأمين الممرّات المادية اصطدمت بانتفاضة ذاكرة ترفض أن تُختزل في خرائط التجارة. وبذلك، يتحوّل التحليل من سؤال “هل كانت صدفة؟” إلى سؤال أعمق: كيف أصبحت المصادفة شكلًا جديدا من أشكال الضرورة التاريخية؟
يتبع في الحلقة اللاحقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى