التناص في النقد الأدبي -د المصطفى عبدون

مقدمة
التَّنَاصُّ، أو التعالق النصي ’intertextualitél في الأدب العربي هو مصطلح نقدي يقصد به وجود تشابه بين نص وآخر أو بين عدة نصوص. وهو مصطلح صاغته “جوليا كريستيفا” للإشارة إلى العلاقات المتبادلة بين نص معين ونصوص أخرى، وهي لا تعني تأثير نص في آخر أو تتبع المصادر التي استقى منها نص تضميناته من نصوص سابقة، بل تعني تفاعل أنظمة أسلوبية. وتشمل العلاقات التناصية إعادة الترتيب، والإيماء أو التلميح المتعلق بالموضوع أو البنية والتحويل والمحاكاة. وهو من أهم الأساليب النقدية الشعرية المعاصرة وقد تزايدت أهمية المصطلح في النظريات البنيوية. وهو من المصطلحات والمفاهيم السيميائية الحديثة وهو مفهوم إجرائي يساهم في تفكيك سنن النصوص(الخطابات) ومرجعيتها وتعالقها بنصوص أخرى وهو بذلك مصطلح أريد به تقاطع النصوص وتداخلها ثم الحوار والتفاعل فيما بينها .أصبح مفهوم (التناص) واضحا فهو حسب البلغارية كريستيفا (تداخل النصوص في النص الجديد أو التعالق النصي)- وهو يختلف عن السرقات الأدبية أو (التلاص) حسب مصطلح الشاعر والناقد الفلسطيني عزالدين المناصرة.
فإن “تزفيتان تودوروف” أشار إلى المصطلح بصفة عرضية قائلاً “أنه من الوهم أن نعتقد بأن العمل الأدبي لـه وجود مستقل، أنه يظهر مندمجاً داخل مجال أدبي ممتلئ بالأعمال السابقة وعليه يتحول كلّ عمل فني يدخل في علاقة معقدة مع أعمال الماضي وفي بعض المعاجم العربية المختصة وغير المختصة، ذهب بعض الدارسين إلى اعتبار مصطلح السرقات (Plagiavius) الأقرب إلى لفظ التناص، وهو عند البلاغيين كأخذ قائل من قائل آخر معنى من المعاني وبعض لفظه أو أكثر من لفظه صورة أخرى للمصطلح في واقعه العربي، نلمحها لدى عبد الله الغذامي القائل بمصطلح “التداخل النصي” بحيث يعتقد أن “تداخل النصوص يتمّ عبر نصِّ واحدٍ من جهة ويقابله في الجهة الأخرى نصوص لا تحصى. وقد أنكر مجمع اللغة العربيّة هذا التعبير لأنّ التناص على وزن تفاعُل، والفعل على وزن: فاعَلَ = ناصّ أو ناصص، وقالوا: لا وجود لهذا الفعل في اللغة العربيّة القول بأن لا وجود لهذا الفعل غير مفهوم، فالتناص مصدر وليس فعلا، ومعناه التنادي، كما في كتاب العين. (https://ar.wikipedia.org)
-
مفهوم التناص
التناص في النقد الحديث ينطلق من أن النص يتفاعل مع” الماضي والحاضر والمستقبل وتفاعله مع القراء والنصوص الأخرى.”[1] ويتطلب وجود قارئ كما أشاد “مايكل ريفاتير” “باللقارئ الخارق وسماه نقاد آخرون القارئ المطلع أو القارئ الكفء.”[2] ويتساءل عبد الملك مرتاض “ألم يئن أن يعتقد كل من يعنيه أمر الأدب بمفهومه المعاصر أن النص الأدبي ذو وجود شرعي مستقل عن مؤلفه إلى حد بعيد على الرغم من أنه ينتمي إليه؟ فالنص الأدبي، بالقياس إلى مبدعه يشبه النطفة التي تقذف في الرحم فينشأ عنها وجود بيولوجي، لكن الوليد على شرعيته البيولوجية والوراثية لا يحمل بالضرورة كل خصائص أبيه النفسية والجسدية والفكرية، إنه يستقل بشخصيته عن الأب، مهما حاول الأب أن ينشئه على بعض ما يجب ويشق في الغالب لنفسه طريقا خاصا به.”[3] يتسائل عبد الملك مرتاض: هل الكتابة انبثاق عن صميم الذات؟ أم هي إبداع متولد عن أشتات الغير؟ أم هي مزيج من هذا وذاك، ويتساءل عن صفاء النص وعدم حضور الآخرين بين ثنايا السطور، مادام ذلك الحضور يشكل ما يدعوه النقد المعاصر بالتناص بدل التناصية “لأنها العملية التي تقع أثناء الفعل الكتابي دون أن يعبأ بها المبدع أو يعبأ بسبل تسربها من اللاوعي إلى الحضور الإبداعي.”[4] “فالناتج النصي يكون حصيلة لسلسلة من التحولات النصية السابقة التي تنصهر وتتمازج فيما بينها التي يظن المبدع أنه صاحبها لكنها تتسلل إليه بطرق لا شعورية فهي عملية كيميائية تتم في ذهن المؤلف.”[5]
يعرف “رولان بارت” النص بأنه “نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله.”[6] ومفهوم النص عند “كرستيفا” فهو “مبني على طبقات وتتكون طبيعته التركبية من النصوص المتزامنة له والسابقة عليه”[7]، هذا هو “قانون النصوص جميعا”[8] وأن “كل نص هو تناص.”[9] يرى “تودوروف” أن من بين اللوائح التي يمكن وضعها لدى دراستنا نصا من النصوص هو حضور أو غياب الإحالة على نص سابق، فهذا النوع من لوائح الكلام يساعدنا على ضبط القراءة ويجنبنا مغبة إهمال العمليات المعقدة التي تكمن وراء نسيج النص.”[10] فالإحالة هي عبارة عن تقنية متجسدة في بنية النص الجديد يتفاوت حضورها أو غيابها حسب الآلية الإجرائية التي يستخدمها الكاتب.
ويؤكد “بول ريكور” أن النص ليس بلا إحالة، وستكون مهمة القراءة بصفتها تفسيرا متمثلة بإحداث الإحالة بالضبط”[11]، وقد اندفع بلوم إلى “إعادة كتابة التاريخ الأدبي من خلال عقدة أوديب”. حيث يعتقد أن الشعراء يعيشون تحت هاجس القلق المستمر إزاء شاعر عظيم سبقهم سجلت قصائده حضورا تأثيريا لديهم، فيرى أن القصائد التي يكتبونها ليست سوى محاولة للخلاص من هذا التأثير وإزاحة ظل الشاعر العظيم والتنافس أو التماهي معه مثلما يفعل الأبناء الذين تطغى في لا وعيهم عقدة أوديب إزاء آبائهم، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة القصائد كلها باعتبارها إعادة كتابة لقصائد أخرى.”[12]
لقد ظهر مصطلح التناص حديثا في تاريخ النقد الأدبي تحديدا في منتصف الستينات من هذا القرن في أبحاث متفرقة نشرتها الناقدة “جوليا كرستيفا” في مجلتي “تيل-كيل” و”كرتيك” في فرنسا[13]، ثم استثمرته من بعدها جماعة “تيل كيل” التي طرحت من خلاله صيغة النص المتعدد الذي “يتوالد في الآن عينه من نصوص عديدة سابقة عليه”[14]، بينما كانت “كريستيفا” تدمجه مع كلمة أخرى هي Idéologème التي تعني لديها “عينة تركيبية تدخل في تنظيم نصي معطى بالتعبير المتضمن فيه أو الذي يحيل إليه” فيصبح التناص من وجهة نظرها هو “التقاطع داخل نص لتعبير مأخوذ من نصوص أخرى.”[15] وقد شاع تعريفها المحدد للتناص باعتباره التقاطع والتعديل المتبادل بين وحدات عائدة إلى نصوص مختلفة.”[16] بينما يرى د.شجاع العاني أن “شكلوفسكي” يرى “إن العمل الفني يدرك في علاقته بالأعمال الفنية الأخرى وبالاستناد إلى الترابطات التي نقيمها فيما بينها.”[17]
ويعد زميله “تشيتشرن” دراسته عن الأساليب الأدبية بقوله: “مفهوم الأسلوب يفترض تاريخيا وجود التتابع والصراع والروابط المتبادلة بين الأساليب.”[18] وقبل “كرستيفا” كان “باختين” في كتاباته المتأخرة قد تناول هذا المفهوم بطريقة أخرى وهو يعالج الشكل الحواري حيث كان يرى أنه مهما كان موضوع الكلام، فإن هذا الموضوع قد قيل من قبل بصورة أو بأخرى”. فهو يؤكد حتمية السقوط في دائرة التناص. تبقى فكرة الحوارية التي تجسدت عند “باختين”، مساهمة في إحلال مصطلح التناص1967 على يد “جوليا كريستيفا”، “التي اعتمدت في دراستها لهذا المصطلح على مجمل دراسات “باختين” في الرواية، حيث أقامته على بناء الباختيني حول مفهوم الحوارية، وخصصت جهدها لتعميقه وفحصه، فانبثق منه كثير من المصطلحات الإجرائية الفرعية المتنوعة، وقد عدت “كريستيفا” رواية “جيهان دوسانتري”، الرواية الوحيدة من كتابات “دي لاسال” التي تكون نسخا وتجميعا أو مراسلات سفر أو رسائل مواساة، وهي حكايات تبنى كخطاب تاريخي أو فسيفساء لا متجانسة من النصوص.”[19]
ويرى “تودوروف” أن “باختين” يعتبر التناص “بعدا ضروريا وجوهريا في جميع أنواع الخطاب: المحادثة اليومية، القانون، الدين، العلوم الإنسانية” بينما يتضاءل دوره في العلوم الطبيعية، غير أن “باختين” يستخدم لهذا المفهوم مصطلح الحوارية بدلا من التناص “للدلالة على العلاقة بين أي تعبير والتعبيرات الأخرى.”[20] على العكس من “نورثورب فراي” الذي سعى إلى نبذ أي تاريخ باستثناء تاريخ الأدب، فالأعمال الأدبية عنده “مصنوعة من أعمال أدبية أخرى وليست من أية مادة خارجة عن النظام الأدبي نفسه.”[21] تشير التناصية إلى “ذلك الحوار الواقع بين الكتابات المختلفة التي تقع للكاتب قبل أو أثناء كتابته، لأن الكاتب لا يكتب انطلاقا من عدم، واستعماله للغة مشتركة تتقاطع فيها نصوص لا تعد ولا تحصى تشكل محفوظة الذي يؤسس ثقافته، ويهذب ذوقه، ويخلق دراية لسانه، ففي ذلك الزخم الطامي من النصوص تتشكل ملكته، مستفيدة من اجتهادات سابقيه، والكاتب-حينها- لا يكتب جديدا، وإن ظن أنه يبدع ويجدد لأنه يغترف من المشترك العام للغة والأفكار والأذواق.[22]
ويشير محمد داود إلى مساهمة “جوليا كريستسفا” بقوله: “وإذا كانت قد أغفلت في بحثها كتاب “باختين” التأسيسي في اللسانيات، وإلى كيفية تأصيل مفهوم الحوار، فإن ذلك لم يمنعها من الإحاطة بكيفية ومغزى توظيف الكلمة كمفهوم في بنية الحوار، وتاليا أسست مفهوما إجرائيا جديدا انطلاقا من كتابات هذا المنظّر، هو التناص، الذي يتبناه، فيما بعد “تودروف” وغيره من المنظرين.”[23]
يعرفه عبد الملك مرتاض بأنه “تبادل التأثر والعلاقات بين نص أدبي ما ونصوص أدبية أخرى”، ويؤكد بأن هذه الفكرة كان النقد العربي قد عرفها بصورة تفصيلية تحت باب السرقات الشعرية. فالتناص عنده عبارة عن “حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لإنتاج نص لاحق.”[24] ويرى خليل الموسى أنه: “الاستدعاء القصدي أو اللاقصدي التغايري أو التوافقي، والامتصاص الإسفنجي الموظف، والتداخل، والتحويل.”[25] ويشاركه ناقد آخر الرؤيا التي تضيف إلى مهام النقد مهمة جديدة هي البحث في مصادر النص، وفي وسائل التوظيف والاستشهاد أو ما يسمى بالتضمين أو استخدام التنصيص الذي هو طريقة من طرائق ربط نص بنص آخر وإدماجه في سياقه.”[26]
-
التناص في النقد الأدبي
تثمر الدراسات الجادة في كتاب العمدة لابن رشيق على اكتشاف مدى اشتمال الموروث القديم على بوادر مفهوم التناص، فالنظر إلى السرقات التي أشار إليها ابن رشيق شكلت هاجس البحث ومدى التقارب المحقق بين كلا المفهومين، بحيث أن باب السرقات “باب متسع جدا، لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه، وفيه أشياء غامضة، إلا عن البصير الحاذق بالصناعة، وآخر فاضحة لا تخفى عن الجاهل المغفل، وقد أتى الحاتمي في “حيلة المحاضرة” بألقاب محدثة تدبرتها ليس لها محصول إذا حققت: كالاصطراف، والاجتلاب، والانتحال، والاهتدام، والإعارة، والمرافدة، والإستلحاق وكلها قريب من قريب.”[27]
فقد كان نقاد العرب القدامى قد فتحوا مجالات واسعة في الكثير من مؤلفاتهم لما أسموه بباب السرقات الأدبية أحصاها د.محمد شعيب منها: 1) أن السرقة لا تكون في المعاني العامة بل في الخاصة، يقول الجرجاني: “المعنى إما مشترك لا ينفرد أحد منه بسهم، فإن حسن الشمس والقمر ونحو ذلك مقرر في البداية وهو مركب في النفس، وصنف سبق المتقدم إليه ففاز به ثم تدوول بعده فكثر واستعمل فصار كالأول في الجلاء والاستشهاد، فحمى نفسه عن السرقة وأزال عن صاحبه مذمة الأخذ كما في تمثيل الطلل بالكتاب والبرد والفتاة بالغزال في جيدها وعينيها”[28]، 2) أخذ معنى وعكسه إلى ضده لا يعتبر سرقة، 3) أخذ معنى والزيادة عليه بتوليد شيء جديد لا يعد سرقة.
يقول ضياء الدين بن الأثير في كتابه المثل السائر: “واعلم أن علماء البيان قد تكلموا في السرقات الشعرية فأكثروا، وكنت ألفت فيه كتابا وقسمته ثلاثة أقسام: نسخا وسلخا ومسخا، أما النسخ فهو أخذ اللفظ والمعنى برمته من غير زيادة عليه، وأما السلخ فهو أخذ بعض المعنى، وأما المسخ فهو إحالة المعنى إلى ما دونه”[29]: فشرعت عندهم السرقة أذرعها لاحتضان آليات التفاعل مع النصوص السابقة ضمن بعدها القصدي الواعي باستثناء آليات التوليد والإبداع.
فها هو الحاتمي في حلية المحاضرة يحاول لم شمل أطراف عديدة (آليات) بمسمياتها ينسبها تحت باب السرقة وهي: “أ) الإصطراف: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه، ب) الاجتلاب: أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى نفسه على جهة المثل ويسمى ذلك أيضا الاستلحاق، ج) الانتحال: أن يدعي الشاعر شعر غيره وينسبه إلى نفسه على غير سبيل المثل، د) الاهتدام: هو السرقة فيما دون البيت، هـ) الإغارة: أن يصنع الشاعر بيتا ويخترع معنى مليحا فيتناوله من هو أعظم منه ذكرا وأبعد صوتا فيأتي به دون قائله، والمرافدة أو الاسترفاد: أن يستوعب الشاعر غيره بعض ما يعجبه من شعره”[30]، إلى الدرجة التي أصبحت فيه كالهواء الذي يتسرب ويتغلغل في أغلب منافذ الكتابة كما هو حال التناص وطبيعته الحتمية في عملية الكتابة. فابن رشيق يقول: “هذا باب متسع جدا لا يقدر أحد من الشعراء أن يدعي السلامة منه”[31].
ويرى د.خليل الموسى في سعيه للمقارنة بين مفهومي التناص والسرقة وإقامة الفواصل الحدودية بينهما أن هناك ثلاثة فروق أساسية بينهما، أولا على مستوى المنهج: فالسرقة “تعتمد المنهج التاريخي التأثري والسبق الزمني، فاللاحق هو السارق، والأصل الأول هو المبدع والنموذج الأجود” بينما يعتمد التناص على “المنهج الوظيفي ولا يهتم كثيرا بالنص الغائب”، ثانيا على مستوى القيمة: فناقد السرقة الأدبية إنما يسعى لاستنكار عمل السارق وإدانته، في حين أن ناقد التناص يقصد إظهار البعد الإبداعي في الإنتاج، وثالثا على مستوى القصدية: ففي السرقة تكون العملية قصدية واعية بينما في التناص تكون لا واعية”[32]. حيث يرى أن مفهوم التأثر والتأثير الذي بنيت وفق مبدئه مدرسة الأدب المقارن الفرنسية هو الأقرب إلى مقولة السرقات الأدبية في نقدنا العربي القديم اعتمادا على المبدأ التاريخي الذي يعطي أولوية الفضل للسابق قبل اللاحق.”[33]
لقد سعى الكثير من النقاد المعاصرين إلى وضع التناص في تقسيمات ثنائية وثلاثية لتحديد أبعاده والإلمام بطرائقه، ومن التقسيمات الثلاثية للتناص ما قام به كل من “كريستفا” و”جان لوي هودبين” بملاحظتهما أن للتناص أو لإعادة كتابة النص الغائب ثلاثة قوانين هي: 1) الاجترار: عملية إعادة كتابة النص الغائب بوعي سكوني وتمجيد بعض المظاهر الشكلية الخارجية، 2) الامتصاص: عملية إعادة كتابة النص الغائب وفق حاضر النص الجديد ليصبح استمرارا له متعاملا معه بمستوى حركي وتحولي، 3) الحوار: عملية تغيير النص الغائب ونفي قدسيته في العمليات السابقة.[34]
بينما حصر “جيرار جينيت” التناص في ثلاثة أصناف وهي: “1) التحقيق: إنجاز معنى أو مضمون كان في تراث النصوص السابقة يشكل وعدا، 2) التحويل: أخذ معنى والذهاب به إلى أبعد مما هو عليه، 3) الخرق: التجاوز على معنى ما والتضاد والتناقض معه.[35] واشتهر تقسيم ثنائي للتناص هو: 1) الظاهر أو الصريح، 2) المستتر. لكن د.شجاع العاني آثر أن يرفده بضلع ثالث هو: 3) نصف المستتر ويعني به “النوع الذي يلمح له المؤلف تلميحا لا تصريحا، وغالبا ما يتم هذا التلميح في عنوانات النصوص وبطريقة مموهة.”[36] وهناك تقسيم مشترك بين “فورلشينوف” و”باختين” للتناص إلى: خطي، وهو الذي يقترب من التضمين والاقتباس بوجود الإحالة أو غيابها، وتصويري وهو مستتر يخفي النص الغائب في نسيجه[37]، وهو أيضا لا يختلف عن التقسيم السابق في طبيعة الإشارة، والفارق هو اختلاف المسميات. إن التقسيم الأساسي الأولي للتناص هو الذي يمنحه بعدين تفريقيين من حيث الطبيعة الإجرائية هو معيار القصدية إلى تناص واعي وتناص لا واعي، فلا زال الكثير من النقاد المعاصرين يعتقدون أن التناص ذو طبيعة لا واعية فقط لأنه نتاج القراءة الأثرية المطموسة في أعماق الكاتب.
خاتمة
يعتبر عبد الملك مرتاض: “التناص هو الوقوع في حال تجعل المبدع يقتبس أو يضمن ألفاظا وأفكارا كان التهمها في وقت سابق ما دون وعي صريح بهذا الأخذ المتسلط عليه من مجاهل ذاكرته ومتاهات وعيه” [38]، ويشاركه الرأي د.خليل الموسى في تعريفه للنص الغائب: “يمتص ويتحول ويذوب ولا يعود له إلا وجود إيحائي، فإذا زاد وجوده على ذلك خرج عن حدود التناص والإبداع إلى حدود التأثر والتأثير والمحاكاة والتقليد لأن حضور الأصل يظل مطموسا وطاغيا” [39]. فهل سيكون الأدب كله أو كل نص إبداعيا؟ إن الإبداع أو الأصالة “لا تنحصر في ابتكار أفكار جديدة بقدر ما تنحصر في التأليف بين أفكار قديمة أو إدخال بعض التعديلات على ما انحدر إليه من طرز فنية قديمة.”[40]
انظر المراجع عن عبد الستار جبر الأسدي، ماهية التناص: قراءة في إشكاليته النقدية. مكتبة لسان العرب. https://mawdoo3.com
الإحالات:
[1]. محمد عزام، النقد والدلالة نحو تحليل سمياني للأدب، منشورات وزارة الثقافة، طـ. 1996، ص 148.
[2] . لمياء باعشن، نظريات قراءة النص، مجلة علامات في النقد، النادي الثقافي بجدة، الجزء التاسع والثلاثون، طـ.2001، ص 119.
[3] . عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟، محاضرات ألقيت لطلبة الماجستير السنة الجامعية 1980–1981، ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر. 1983، ص 42.
[4] . حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول مقار بة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، منشورات دار الغرب، طـ. 2001/2002 ص 193.
[5] . أحمد يوسف، القراءة النسقيية ومقولاتها النقدية، دار الغرب للنشر والتوزيع، الجزء الثاني، طـ. 2001/2002 م، ص 125.
[6] ـ بارت، (من الأثر الأدبي إلى النص)، ت.عبد السلام بنعبد العالي، مقال من مجلة الفكر العربي المعاصر، ع28، آذار 1989، بيروت، ص115
[7] ـ حسين خمري، (إنتاج معرفة بالنص)، مقال في مجلة دراسات عربية، ع11-12، السنة 23 أيلول-تشرين أول 1987، بيروت، ص115.
[8] ـ د.شجاع العاني، (الليث والخراف المهضومة دراسة في بلاغة التناص الأدبي)، مقال في مجلة الموقف الثقافي، ع17، السنة الثالثة 1998، دار الشؤون الثقافية، بغداد، صص84-105.
[9] ـ بارت، (نظرية النص)، ت. محمد خير البقاعي، مقال في مجلة العرب والفكر العالمي، ع3، صيف 1988، بيروت.
[10] ـ محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ط2، 1985، دار التنوير بيروت، ص252.
[11] ـ ديفيد هوي، (النص والسياق)، ت. خالدة حامد، مقال في مجلة الثقافة الأجنبية، ع1، 1998، السنة 19، دار الشؤون الثقافية، بغداد، صص43-46.
[12] ـ تيري إيجلتن، مقدمة في النظرية الأدبية، ت. إبراهيم العلي، دار الشؤون الثقافية، 1992، ص197.
[13] ـ (إنتاج معرفة بالنص)، ص102.
[14] ـ مارك أنجينو، في أصول الخطاب النقدي الجديد، الفصل الخامس بمفهوم التناص في الخطاب النقدي الجديد، ت. أحمد المديني، ط1، 1987، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ص99.
[15] ـ إنتاج معرفة بالنص، ص102.
[16] ـ الليث والخراف المهضومة، ص84.
[17] ـ الليث والخراف المهضومة، ص82.
[18] ـ خيرة حمر العين، جدل الحداثة في نقد الشعر العربي، منشورات اتحاد كتاب العرب، 1996، دمشق، ص116.
[19] ـ رولان بارث، ترجمة فؤاد صفا والحسين سبحاز لذة النص، دار توبقال، للنشر، طـ.1، 1988، ص 14.
[20] ـ تودوروف، المبدأ الحواري، ت. فخري صالح، ط1، 1992، بغداد، صص82-85.
[21] ـ مقدمة في النظرية الأدبية، ص102.
[22] حبيب مونسي، فعل القراءة النشأة والتحول، مقاربة تطبيقية في قراءة القراءة عبر أعمال عبد الملك مرتاض، ص194. [23] محمد داود، مفهوم الحوارية عند ميخائيل باختين، مجلة تجليات الحداثة، يصدرها معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة وهران، السانية، عدد خاص بأعمال الندوة الوطنية حول المفاهيم النقدية الحداثية، ديسمبر 1992، ص 81.[24] ـ إنتاج معرفة بالنص، ص84.
[25] ـ د.خليل الموسى، (التناص والأجناسية في النص الشعري)، مقال في مجلة الموقف الأدبي، ع205، أيلول 1996، السنة 26، دمشق، ص83.
[26] ـ التناص والأجناسية، ص81.
[27] ـ ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، حققه، وفصله، محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة، بيروت، لبنان، ص280.
[28] ـ المتنبي بين ناقديه، صص186-188.
[29] – المتنبي بين ناقديه، ص184.
[30] – المتنبي بين ناقديه، صص182-183.
[31] – تحليل الخطاب الشعري، ص122.
[32] ـ التناص والأجناسية، ص84.
[33] ـ التناص والأجناسية، ص82.
[34] ـ ظاهرة الشعر، ص253.
[35] ـ الليث والخراف المهضومة، ص85.
[36] ـ الليث والخراف المهضومة، ص96.
[37] ـ الليث والخراف المهضومة، صص83-84.
[38] ـ التناص والأجناسية، صص83-84.
[39] ـ التناص والأجناسية، ص82.
[40] ـ د.أبو طالب محمد سعيد، علم النفس الفني، مطبعة التعليم العالي، الموصل-العراق، 1990، صص50-176.




