بقلم :حسن تزوضى
يبدو أن التاريخ في المغرب لا يسير في خط مستقيم، بل في دوائر متكررة، كأن الوطن عالق في لحظة لا تنتهي من الأمل المجهض. من 20 فبراير إلى حراك الريف، وصولًا إلى حراك Génération Z، الحكاية تتشابه في ملامحها وإن اختلفت وجوه أبطالها.
إنها قصة جيلٍ ينهض ليقول «كفى»، ثم يسقط حين تلتهمه لعبة الإقصاء والتوظيف.
في البداية، يولد كل حراك من حاجة حقيقية، من عطش إلى العدالة، من شعور بالكرامة الجريحة، لقد كانت حركة 20 فبراير تعبيرًا عن وعي جديد، عن رغبة في مغرب يليق بالإنسان، لكن سرعان ما دخلت الأحزاب والنقابات والجماعات الدينية على الخط فيما يسمى أنداك “الهيئات الداعمة”، هكذا خُطف الخطاب، تفرّقت الصفوف، وضاعت البوصلة، تحوّل النداء الشعبي إلى شعار حزبي، وتحولت الفكرة إلى أداة تفاوض، ثم مات الحلم كما يموت الضوء في آخر النهار.
في الريف، كانت الصرخة أكثر نقاءً، وأشدّ ألمًا. لم تكن مجرد احتجاج، بل نداء من الهامش إلى المركز: اعتراف، كرامة، عدالة. لكن حين بدأت أطراف سياسية ودينية تتسلل إلى الحراك، تحوّل الصوت الواحد إلى ضجيج. انقسمت النوايا، وتحوّل المطلب الاجتماعي إلى معركة تأويلات. انتهى كل شيء عندما صار المناضلون الحقيقيون بين القضبان، وصارت القضية موضوعًا للتأمل لا للفعل.
اليوم، في زمنGénération Z» تعود نفس المأساة، ولكن بثوب جديد، جيل الإنترنت والشبكات خرج إلى الشارع بلغة مختلفة، جيل لا يثق في الأحزاب ولا في الوجوه القديمة، جيل يحلم بتغيير من خارج البنية كلها. لكنه، رغم حداثته، لم يسلم من أخطاء الماضي. فحين يُقصى المكون الأمازيغي من داخل الحركة، يُقصى جوهرها الإنساني. الإقصاء هنا ليس مجرد سوء تفاهم أو خلاف داخلي، بل هو إشارة إلى أن البنية القديمة لا تزال تسكن الوعي الجديد. حين نحلم بالحرية ونمارس الإلغاء، حين نرفع شعار العدالة ونقصي المختلف، نعيد إنتاج نفس النظام الذي نقاومه.
كل حركة احتجاجية تحمل في داخلها بذور زوالها، إن لم تعترف بتعددها. فالإقصاء هو العدو الصامت، يقتل الحلم من الداخل قبل أن تصل إليه يد القمع من الخارج، ما يجهض الحركات ليس فقط تدخل الدولة، بل ما يتسرب إلى داخلها من نزعة امتلاك الحقيقة، من رفض للآخر.
تعلمنا الفلسفة والفكر والحياة ان التحرر قبل أن يكون حدثًا سياسيًا هو فعل وعي، أن الحرية لا تُنتزع من السلطة فقط، بل من الذات التي ما زالت تعيد إنتاج السلطة في سلوكها ولغتها. لذلك، فإن ما يحدث داخل حراك Génération Z ليس مجرد أزمة تنظيمية، بل أزمة معنى.
ما قيمة النضال من أجل الكرامة إن لم يكن شاملاً لكل مكوّنات الهوية المغربية؟ ما جدوى الثورة إن لم تبدأ بتحرير الوعي من الإقصاء؟
إن الحلم المغربي، منذ 20 فبراير، ظل يجهض نفسه لأنه لم يجد بعد الصيغة التي تحتضن الجميع، لأنه لم يتصالح مع تعدده الثقافي والهوياتي. لأن منطق «من يمثل من؟» ما زال أقوى من سؤال «من نكون معًا؟».
ربما آن الأوان لجيل Génération Z أن يقطع مع هذا الإرث، أن يفهم أن المستقبل لا يُبنى ضد أحد، بل مع الجميع، أن الاعتراف بالآخر ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط للبقاء، أن التعددية ليست ضعفًا، بل مناعة، فالوطن الذي يُقصي أبناءه، يقطع شرايينه، والحراك الذي لا يسمع كل أصواته، يتحول إلى صدى باهت لحلمٍ جميل لم يكتمل.
وهكذا، يتكرر السؤال الذي يطارد الذاكرة الجماعية المغربية منذ عقود:
هل نحن نثور حقًا من أجل الحرية، أم نعيد في كل مرة إنتاج السجن ذاته بلون جديد؟
احذروا من الإقصاء، فهو السمّ الذي يسري في العروق دون أن يُرى. لا يمكن لأي حراك أن ينهض في المغرب دون أن يحمل في قلبه نبض الأمازيغية، لا كشعار ثقافي، بل كوعي إنساني عميق بجذور هذا الوطن وتعدده.
إن تجاهل المكوّن الأمازيغي ليس مجرد خطأ استراتيجي، بل هو انتحار رمزي للحلم الجماعي.
لقد أثبتت التجارب أن إقصاء هذا المكوّن الأصيل كان دائمًا بداية النهاية. فحين يُقصى صوت الأرض، تفقد الحركات جذورها، وتتحول إلى مشاريع معلّقة في الهواء. الصحوة الأمازيغية اليوم لم تعد نخبوية، بل صارت واقعًا ملموسًا في الجامعات، في المدارس، في الفضاء الرقمي، وفي الوعي الشعبي المتنامي. جيل جديد يحمل القضية لا كهويّة مغلقة، بل كمشروع تحرر وكرامة وعدالة رمزية لكل المغاربة.
فلتتعلموا من التاريخ: لا نهضة دون أمازيغية، ولا كرامة دون اعتراف، ولا حرية دون تعددية.
كل حراك يُقصي الأمازيغية، إنما يُقصي نفسه.
والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه.