وجهة نظر
الحكم الذاتي الحقيقي و معزوفة تقرير المصيرـ ذ. عبدالواحد حمزة (الجزء الثاني)
ثانيا: اللامركزية والجهوية المتقدمة والتعددية واللائكية ضمن "وحدة الوطن" و"عيد الوحدة"

في موضوعة الصحراء يبدو الأمر جليا، و هو ما يتعلق بمواطنين صحراويين مغاربة، تحت وضمن ومن أجل بناء سيادة شعبهم ووطنهم: المغرب، السيادة السياسة الكاملة على ترابه، وهم من سيحكمون ذواتهم وفق دينامية ومحصلات تجاذب التفاوض الداخلي الحر، تحت ضغط موازين القوى الدولية، والتي ستنطلق الآن ويتم التوافق السياسي حولها، لما فيه مصلحة الوطن ككل.
وذلك، باتخاذ موقف وطني مواطناتي ديموقراطي تحرري حقيقي، دون خلط وغلط قاتل بين مفهوم الدولة الوطنية ومفهوم التحرر من التبعية الدولية والافتراس، حسب نظرية روزا لوكسمبورغ في الإمبريالية “الاقتصادوية” أو “الافتراسية” (أنظر كتابها في نقد الاقتصاد السياسي)، بجميع ألوانها، حيث يتم- تجاوزا، مزج مسألة ومصير الاقتصاد الوطني وإشكالية التحرر مع موضوعة الوحدة الوطنية- الترابية.
على عكس ذلك، هناك وجهة النظر السديدة والواقعية والمتأنية، الدارسة لكل حالة على حدة، في نظرنا، لكل من كاوتسكي ولينين، وقد تبناها ع. السلام المودن، في كتابه عن الدولة المغربية/ 2018- منشورات الملتقى- مرجع سابق، في حالة الصحراء الغربية المغربية، بالذات، و هي الممارسة الفكرية والنظرية والواقعية والمسؤولة والناجعة”.
معارك فكرية ونظرية سياسية خضناها ونخوض فيها معارك وصراعات وتوافقات شعبية وطنية، كمغاربة ويسار ديموقراطي، بالضبط، صعبة ومريرة، ونتحمل الكثير من أتعابها، حتى تعديل الموازين الدولية السياسية والنهوض بالوطنية المتجددة (أنظر بوعزيز مصطفى في أطروحته الجامعية/ 2019- منشورات الشرق، و عن مركز بنسعيد..) والمناطقية-الجهوية فيها، ما أمكن، لصالح بلادنا/ المغرب الموحد الديموقراطي، ولصالح الشعب المغربي..
ونحن نتفحص إحصائيات غير موثوقة، يقال أفشتها المخابرات الإسبانية، سنة 2022، حول ديموغرافيا مخيمات تندوف، لا يمكن إلا أن نصاب بالهلع والخوف والتدليس والتحريف والبروباغاندا، ونحن أعلم، إن صحت تلك النسب المئوية والمطلقة/ المعطيات المشوشة على عمومة سكان تيندوف الطاغية لصحراويي الداخل، أن مالي لوحدها تحتل27% بمجموع 49023 نفر، وكوبا 14% بمجموعة 12180، والجزائر 22% بمجموع 19140، وشمال تشاد والسودان 11% بمجموع 9570، أما من هم بدون هوية 24%، بمجموع 20683، وفقط 1937 فرد هم صحراويون مغاربة، 9%، لما نعلم ذلك، نكاد نفترض أن ما سمي بالحكم الذاتي يدخل ضمن صفقة دولية، ديموغرافية- سياسية، بالأساس.
لعله تصور مغالط، لا يولي الهم والاهتمام والحق الواجب بأصحاب التراب الحقيقيين، مغاربة الجنوب، حيث تم الاتفاق على إعمار “ريفيرا المغرب” بمقدم أقوام متنوعة ومختلفة شتى، تنضاف إلى هول تدفق “الأفريقان- الحراطين – إسوقين….” من جنوب الصحراء، والذين عمل أجدادهم -تاريخيا- بضيعات وكانوا خدما لعائلات بتافيلالت، وبضيعات في محيط المدن المغربية الكبرى، وبقصورها، منذ قرون. كما نلاحظ تشتتهم اليوم كذلك في مجموع المدن المغربية، ضربا لهوية مغربية أصيلة متماسكة ومكتفية بحل مشاكلها الخاصة، كم هي كثيرة، بالذات.
وكثيرا ما تطفو إلى السطح أطروحة اللائكية- العلمانية المزعومة، وحتى ما بعد الحداثة، وإن في عز أزمتهما، المفروضة فرضا وديماغوجيا على القبائل والجماعات والأفراد/ المجتمع المغربي…وهي أطروحة رسمية متلبسة بباطل يراد به حق، كتوجه عولمي ضاغط لتجاوز مفاعلات أزمة 2008 الى اليوم.
لعل الغرض المبيت من ذلك أن توجز بالعسف أو القانون الاعتراف المهزوز بالاختلاط و بالتعدد المزعوم، يافطة التملك لعقارات وأراض شاسعة، المبارك من طرف البلاط، وحتى المميز للطروحات اليسراوية-الملكية، عموما.
وهو التنوع الديموغرافي، كذلك، وفي بلادنا، قصد تحقيق وخدمة نوع من التوازن السياسي بالداخل، واحترام وتعايش أقوام مختلفة المنزع، عرقا ودينا وعقيدة..، في جغرافية واحدة، وحيث التهمة السهلة موجهة للمحافظين، وما هم كذلك، إلا لحفظ العرض والكرامة، ضدا على عظمة التاريخ وقدسية ملكية الأرض، الجماعية والفردية، ووحدة الأمة المذهبية- العقدية والثقافية….
والحال أن تحرر العبيد/ إسوقين، حسب التعبير الأمازيغي، لم يعد ممكنا إلا بعد أن أصبحت كلفتهم الإقتصادية أكبر في بلادنا، بقرانا خاصة ومدننا، أكثر من كلفة الماكينات الصناعية المستوردة، غالبا، أكان في الفلاحة او في منازل وقصور الأسياد- الإقطاع- الشرفاء والزوايا المغاربة (أنظر ع. المودن في الدولة المغربية….2018، أنظر أيضا أطروحة العروي ع. الله في كتابه الأصول…/ 1968 وأطروحة بنعلي إدريس حول المغرب ما قبل الرأسمالي/ 1980.).
وفي الحقيقة، لا يمكن لأي عاقل إلا أن يتساءل عن معنى وما يتطلبه كل هذا الزخم والفائض من تدفق البشر المتنوع، غير المؤهل والجاهل والمريض والبطالي، في أغلبه، من بنيات تحتية للتعليم والصحة والشغل…!؟.
سبق وأن فضحت صحافية فرنكو- تونسية الجزائر مؤخرا، وأن قالت أن جزائر- فرنسا منحت للبوليساريو “صحراء تندوف”، وأن قوات حفتر الليبية- الفوضوية استحوذت على منطقة جزائرية متاخمة لليبيا، داعية المغرب إلى التوجه رأسا لاستلام بعض تخومه الصحراوية جنوبا-شرقا!. وهو ما يذكر بقولة عراب الخارجية الروسية النحرير في أن “كل بلاد الجزائر مسروقة”!، وأن آن الأوان إلى/ لأن ترجع هذه الأخيرة لموقعها الطبيعي!
وعليه، جدلا، حبذا لو إستقرت هاته/ تلك الأقوام المتنوعة حيث هي، في تندوف، بالضبط، أو ترجع – من حيث أتت، إذ هي ليست أصلا من المغرب- إلى أوطانها-الأصل، فأغلب من أحتجزوا فيها من إفريقيا- الساحل وكوبا، عدا المغاربة الأصليين، “أبناء العمومة” وفي ظروف صعبة، بالطبع، حيث تمت ولادة جيلين -صراحة على الأقل- في المخيمات.
وهو مما يثير -حقا- إشكالات نفسية وسيكولوجية، خاصة لدى الأطفال (أنظر مقال وتدخل بودساموت حسن في الندوة الوطنية أعلاه، 2025) والاحتفاظ بالصحراء الغربية مغربية حرة و بكامل السيادة على أرض المغرب، والعمل على استرجاع شرقها- وباقي الثغور المستلبة، بالعشرات، حالة وهن الحكم المركزي- إلى موقعها التاريخي والطبيعي الأصلي: المغرب.
حبذا لو تم الإعلان عن “عيد الوحدة” للواحد والثلاثين من كل أكتوبر بتدشين عهد فصل حقيقي للسلط، بالتأكيد على “الدستور الديموقراطي” و”الهيأة التأسيسية” أو “الملكية البرلمانية”، بالوصفة العالمية، والملكية مع الديموقراطية، على كامل التراب الوطني، من طنجة إلى الكويرة…إلى حد “الصحراء الشرقية”.
سيكون المغرب- حينذاك- قد اختار الإختيار الصحيح: الدولة العصرية الكريمة، المقدامة والشجاعة، وأكمل وحدته الوطنية على أساس الديموقراطية الحق، عوض التمني والتجني على إطلاق الحريات الضرورية وسراح كافة المعتقلين والمدونين وأصحاب رأي، وعوض الإكتفاء بالترميز إلى حكم جديد، بتخليد مناسبة “عيد جديد”، بإشراك فوقي وشبه-تافه لجمهور الشعب المغربي.
إنه الأسلوب المعتمد والمعتاد للحكم المركزي المغربي، وكأن المناسبة ديربي لكرة قدم بين فريقين عظيمين، الرجاء والوداد أو البارصا وريال مدريد…..والبقية تأتي مع “كوب دو لافريك” و”كوب دي موند”…، أو انتصار لفريق المغرب في مونديال كرة القدم، وبهرجات الدف والهتاف، وتعبةة المدونين المغرضين، هنا وهناك.
تتسارع الصور التي تراكم التقزز والفجوة التي تفصل بين السيرورة البريئة للتاريخ ومكره، وربما إذا بلغت قمة التقزز إنفرجت ( إ. هاني، 2025). يحل العيد الجديد محل عيد لم يعد له وجوب سياسي منطقي يذكر، عيد المسيرة، في مفهوم السلطة والحكم، تجديدا وترميزا بأمر الواقع لصورتها، و في أفق تكريس حق وصيرورة حل الحكم الذاتي./ الحلم/ الحق المشروع.
يذكرنا “عيد الوحدة” بما قام به المغرب، بداية استقلاله المنقوص، بداية الستينات من القرن الماضي، بإطلاق ورش رمزي قاده و شارك فيه وعبأ له كل من جمهور ومناضلي وعطوفي حزب الإستقلال التاريخي وحزب الشورى والاستقلال، معا، ما يزيد عن 12 ألف مواطن- مشارك، وعلى طول 60 كلمتر، يربط شماله- المغرب الإسباني بجنوبه- وسطه، المحررين من قبضة الاستعمار والإمبريالية، في الداخل. ومن الممكن مجازا وضع مسار وثمار “المسيرة الخضراء”، التي تعثرت لما يزيد عن الخمس عقود، وكل الأجواء الحماسية التي رافقتها، آنذاك، في نفس السياق، ولنفس الهدف، فضلا عن فكها الحصار على نظام خرج للتو مفزوعا من إنقلابات عسكرية بلانكية غاشمة، وغير مستعد لتشييد دولة ديموقراطية-عصرية!
وهو الأن- المغرب- يستفيد من تغير موازين القوى في المنطقة والعالم، وارتفاع مردود ومصالح العولمة المترنحة، واختلالها لغير صالح الجوار وفرنسا العميقة، وهشاشة الجبهة الوطنية-الداخلية، فقوة المقاربة الأمنية، ليقرر أن تشمل الوحدة كامل التراب الوطني، و”يزيد”، وأن يرسمل حدث القرار الأممي -أعلاه- لفائدة العرش، لوحده، وتيمنا بديبلوماسيته الخاصة، وشكلية المشاركة الحزبية والمدنية.
،وكأن الأمر/ولعله المكسب الوحيد والحدث الكبير البارز والذي يستحق الذكر، على طول وعرض العهد الجديد، وتفتح نافذة جديدة لاستخلاف واستمرار الملك، بموازاة وحيرة وتراكب و بمعية أفق مفتوح وقوة قرار أممي لا يشكك البتة في سيادة المغرب على ترابه.
ومن المعلوم أنه لن يكون حدثا على شاكلة ما قام به غاربالدي في إيطاليا، ذات يوم، ولا بسمارك في ألمانيا، لما وحدا جزأين منفصلين لكيانين مختلفين..، لأن الصحراء المغرببة، غير هذا، تماما، كانت وظلت “امتدادا تاريخيا وجغرافيا وانتروبولوجيا وثقافيا للمغرب” (أنظر مذكرة الحزب الإشتراكي الموحد سنة 2007)، وسادت فيها أهم عناصر السيادة المغربية على التراب على طول الخمسين سنة الماضية، التي كادت تستنزف الطرفين: العلم المغربي والعملة- الدرهم والدفاع الوطني؟
خاتمة: الإصلاح من الداخل أو من الخارج و”عبقرية التخلف”.
بدخول البوليساريو مسلسل بناء المغرب الديموقراطي العصري الموحد تكون طروحات كل من اليسار المتطرف و أطماع الجوار ودولة فرنسا العميقة والفاسدون والمستبدون، بيننا، قد خسروا معركة تاريخية حاسمة: الحفاظ على الصحراء تحت سيادة الدولة المغربية مع تمتيعها بحكم ذاتي موسع.
وقد دفعوا وإفتعلوا من أجل تدمير هذا البناء الطبيعي التاريخي الديموقراطي العصري الممكن، بتكوين كيان مصطنع، استفاذ من وضع سياسي تاريخي هش، وظفوا لذلك الكثير من الحروب والأعطاب والأحقاد والندوب الإنسانية، التي يجب أن نضعها معا خلفنا، كم عطلت -مما لا شك في ذلك- قطار تأسيس مغرب/ أقطار مغاربية متكاملة ومتوحدة وديموقراطية…
أليس أصحاب ذاك الرأي يسيؤون التقدير السياسي و خاطئين في التحليل ويغردون خارج السرب…!!؟ أم أن المشكلة، في منطق “الإصلاح السياسي” من الداخل، أو منطق “التغيير الجذري”، من خارج المؤسسات، “ليست في صعود الأمم وسقوطها”، ومنه التربص بإنهيار المغرب الكامل، بل في “إستيعاب الصدمات وإستئناف الصعود” (إ. هاني، 2025)، خاصة وأن “هناك من يعزف على وقع الانهيار معزوفة السقوط الحر”، وتلك هي “عبقرية التخلف” ( إ. هاني، مصدر سابق)؟
كاتب فرع تمارة للحزب الإشتراكي الموحد وعضو المجلس الوطني للحزب.



