الحنبلي عزيز -متابعة
تابعت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، بصدمة وذهول، مضمون الفيديو المسرَّب لاجتماع لجنة التأديب وأخلاقيات المهنة التابعة للمجلس الوطني للصحافة في صيغته المؤقتة، والذي نشره الصحافي حميد المهداوي على قناة موقع “بديل” على يوتيوب، معتبرة أن ما تضمنه يشكل، في جوهره، “مجزرة حقوقية وأخلاقية” في حق الصحافة، واستقلالية القضاء، ومبدأ التنظيم الذاتي للمهنة من أساسه.
الفيدرالية شددت، في بلاغ لمكتبها التنفيذي، على أن ما كشفه هذا الاجتماع “الفضيحة” لا يمكن اعتباره عملاً معزولاً، بل حلقة جديدة في مسار بدأ ـ بحسب تعبيرها ـ منذ تدبير الانشقاق داخل هيئة الناشرين التاريخية، ومحاولة الحكم على الفيدرالية “بالإعدام في الدهاليز المظلمة”، عبر تهميشها وإقصائها من كل حوار أو تشاور، والضغط على أعضائها، ورفض تنظيم انتخابات جديدة للمجلس الوطني للصحافة رغم انتهاء ولايته القانونية.
وفي السياق نفسه، انتقدت الفيدرالية إحداث لجنة مؤقتة مُنحت ولاية استثنائية لمدة سنتين، مع إقصاء لجنتين من تركيبتها فقط لكون رئيسيهما من المنتخَبين المنتمين للفيدرالية، ثم تعيين رئيس الحكومة لعضوين من جمعية واحدة وافدة، ما جعل اللجنة، عملياً، “بصوت واحد”. كما سجلت أن وزير الاتصال شكّل لجنة الدعم العمومي للصحافة من أربعة أعضاء ينتمون إلى الجمعية ذاتها، وأن رئاسة لجان جوائز الصحافة خلال السنوات الثلاث الأخيرة لم تخرج بدورها عن هذا “المنطق التغوّلي”.
وتوسّعت الفيدرالية في عرض ما تعتبره “مخططاً للاستحواذ على مفاصل القطاع”، من خلال التحكم في اعتمادات تغطية التظاهرات الرياضية في كرة القدم، واستهداف جمعيات الصحافة الرياضية، وتكريس وضع يمنح “مفاتيح القطاع” لجهة تنظيمية واحدة، وهي الخلفية التي ترى الفيدرالية أن الفيديو المسرَّب عن لجنة الأخلاقيات جاء ليكشفها بوضوح، خاصة وأن جميع أعضاء اللجنة المعنية ينتمون لنفس التنظيم.
ورغم هذه المحاولات، تؤكد الفيدرالية أن من دبّروا هذا المسار “لم ينجحوا في تنفيذ حكم الزوال” في حقها ولا في إسكات الأصوات الحرة، كما لم يستطيعوا الفوز برأي عام مهني ووطني يقظ، رغم ما ألحقوه بالقطاع من خسائر، آخرها مشروع قانون “لا دستوري واستحواذي” لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، تعارضه ـ بحسب البلاغ ـ أغلب المكونات المهنية، باستثناء الجهة المتورطة في “الفضيحة” ومن يدور في فلكها.
وفي ضوء ما سبق، أعلنت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف عن مواقفها ومطالبها على الشكل التالي:
أولاً: استنكار قوي لما فضحته الفيديوهات المنشورة من “خواء معرفي واندحار أخلاقي وقانوني”، تجلى في بؤس لغة التخاطب ودناءة المعجم المستعمل داخل لجنة أخلاقيات المهنة، وفي ما شاب مسطرة العدالة التأديبية من “خروقات فظيعة”، مست جوهر شروط المحاكمة العادلة، وكرامة الزميل حميد المهداوي ودفاعه، والحقوق المكفولة له قانوناً.
ثانياً: المطالبة بفتح تحقيق قضائي مستعجل من طرف الجهات المختصة، يشمل كل ملابسات ما جرى في ملف المهداوي، وكذا الملفات التأديبية التي طالت صحافيين آخرين، مع إجراء افتحاص شامل لحصيلة عمل اللجنة المؤقتة، وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل من يثبت تورطه، وإطلاع الرأي العام المهني والوطني على نتائج هذا التحقيق بشفافية.
ثالثاً: الدعوة إلى تعليق المسطرة التشريعية الجارية حالياً بمجلس المستشارين بخصوص مشروع القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، باعتبار أن خلفيته ومضامينه تنطلق من نفس “عقلية المؤامرة” التي عرّتها الفيديوهات المسرَّبة. وفي المقابل، تطالب الفيدرالية الحكومة ووزارة الاتصال بالبحث عن صيغة إدارية وقانونية لسد الفراغ، وفتح حوار جدي ومسؤول مع كل المنظمات المهنية الحقيقية من أجل بلورة أفق جديد لمؤسسة التنظيم الذاتي.
رابعاً: التذكير بأن الولاية القانونية للجنة المؤقتة انتهت في بداية شهر أكتوبر الماضي بموجب قانون إحداثها، ومع ذلك تواصل هذه اللجنة ممارسة مهامها “خارج الشرعية”، في انسجام مع المنطق الذي عكسته وقائع الفيديو المسرَّب، ما يمثل ـ وفق البلاغ ـ تعدياً على القانون وعلى دولة المؤسسات، ويندرج في هذا الإطار أيضاً بلاغ اللجنة الصادر عقب اجتماعها المخصص لمناقشة التسريبات.
خامساً: التأكيد على أن جوهر القضية اليوم هو مضمون الفيديو وما كشفه من ممارسات، وليس الدخول في “تيه” حول كيفية التسريب فقط؛ إذ إن اللجنة المؤقتة وإدارتها تتحملان قانوناً مسؤولية حماية سرية المداولات وتسجيلات الاجتماعات والمعطيات الشخصية التي تخص الصحافيين والناشرين والمقاولات الصحفية. وإذا كان لابد من محاسبة من سرب الفيديوهات، فإن محاسبة اللجنة المؤقتة على تقصيرها في حماية هذه السرية تأتي في المقام الأول.
سادساً: المطالبة بوقف كل “المخطط الجاري تغييره اليوم”، على حد ما ورد في مضمون الفيديو، سواء فيما يتعلق بمشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، أو منظومة الدعم العمومي، أو اعتمادات الصحافة الرياضية، أو غيرها من آليات تدبير القطاع، واعتبار اللجنة المؤقتة بنص القانون “منتهية الصلاحية وغير شرعية”، وكل قراراتها “باطلة ولاغية”، مع الإسراع بسد الفراغ الإداري وفتح حوار مهني جدي لصياغة رؤية جديدة ليس فقط للتنظيم الذاتي، بل لمستقبل قطاع الصحافة برمته.
سابعاً: التحذير من التأثيرات السلبية لما جرى على صورة الإعلام والإعلاميين في المغرب، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الفيدرالية ترى في هذه الأزمة فرصة تاريخية لـ“إنقاذ البلاد من مخطط السطو على القطاع، ومخطط تصفية الصحافة الحرة الوطنية والجهوية”، ولمنع تحويل الوظيفة الأساسية للصحافة في التأثير ومراقبة تدبير الشأن العام إلى مجرد أداة للتحكم في رقم المعاملات وبث الخوف والتخوين ورفع منسوب التفاهة، بما لا يليق بصورة المغرب وطموحه الديمقراطي.
وختمت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف بلاغها بالتشديد على أن الصحافة الحرة والمهنية تظل شرطاً أساسياً لأي ديموقراطية حقيقية، داعية مختلف الفاعلين والمؤسسات إلى تحمل مسؤولياتهم لوقف هذا “الانحراف الخطير”، واستعادة ثقة الجسم الصحافي والرأي العام في آليات التنظيم الذاتي، وفي استقلالية القرار الإعلامي عن كل أشكال التحكم والهيمنة.