اخبار دولية

الأذرع الخلوية شركات الاتصالات السورية تُسلّم بيانات عملائها إلى مخابرات “الأسد” تحقيق أحمد عاشور و هلا نصر الدين (الجزء الاول)

هذا التحقيق جزء من مشروع "ملفات دمشق" الذي يستند إلى 134 ألف وثيقة من أجهزة المخابرات السورية، حصلت عليها إذاعة NDR الألمانية، وشاركتها مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ICIJ وعدة مؤسسات إعلامية أخرى. يكشف هذا التحقيق، أن إدارة الاتصالات بشعبة المخابرات العسكرية السورية، حصلت على بيانات لعملاء شركتي الاتصالات سيريتل وMTN سوريا في عهد نظام الرئيس السابق بشار الأسد؛ ما شكّل انتهاكاً لخصوصية عملائها، ومراقبة الخصوم السياسيين للنظام السابق.

أحمد عاشور (أريج) – هلا نصر الدين (درج)

04 ديسمبر 2025

 آب/أغسطس 2024، تتوسط ساحة الكرامة بالسويداء مجموعة من الرجال ترفع لافتات مناهضة للنظام السوري السابق، وخلفها عبارة مكتوبة بخط اليد على الجدار: “يسقط بشار الأسد.. ذيبين حرة”.[1]

 (جانب من تظاهرات ساحة الكرامة بالسويداء)

لم تكن هذه المجموعة تدرك آنذاك أنها تخضع للمراقبة منذ نحو شهر، وأن ملفات اتصالات عدد من أعضائها معروضة على مكتب مدير إدارة المخابرات العامة السورية بالإحالة من الفرع الفني 280،[2] بعنوان: “التحريض وإثارة الفوضى في محافظة السويداء”.[3]

في الشهر نفسه، ساعد هذا الفرع الفروع الأمنية الأخرى على تتبع 15 هدفاً، أُلقي القبض على ثمانية منهم، عبر تحديد مواقعهم باستخدام “الراشدة 4G” (سيارة مجهزة للتنصت).

وخلال عام 2023، تتبعت المخابرات العامة السورية على الأقل أنشطة 233 رقماً خلوياً، ولم تُحل إلى أفرع أجهزة أمن الدولة سوى 30 حالة منها، ورُفعت بشأن بعضها مذكرات، في حين حفظت بقية الحالات “لعدم صحة الشبهة” المحيطة بأصحابها.[5]

مئات المستندات التي تحمل بيانات اتصال، صادرة من وواردة إلى أرقام أشخاص عدّتهم مخابرات النظام السوري السابق أهدافاً تستحق التتبع، طرحت سؤالاً عن كيف وجدت هذه البيانات التفصيلية طريقها إلى الأذرع الأمنية للنظام السابق؟ في حين أن غالبية أصحابها ثبت “عدم صحة الشبهات” التي تحيق بهم.

يكشف هذا التحقيق أن إدارة الاتصالات 225 بشبعة الاستخبارات العسكرية، حصلت على بيانات اتصال بعض عملاء شركتي الاتصالات السوريتين سيريتل وMTN سوريا، لتحيلهم إلى المخابرات العامة، في انتهاك لالتزام الشركتين بحماية البيانات الشخصية لعملائها، وفق المادة 50 من قانون الاتصالات.[6]

يوضح التحقيق أن الإدارة التقنية بشركة سيريتل -على وجه الخصوص- كانت تحمّل كل بيانات عملائها واتصالاتهم على قاعدة بيانات إدارة الاتصالات DATADB، من دون إذن قضائي. ورغم تغيير مجلس الإدارة وإدخال تغييرات على الإدارة التنفيذية للشركة عام 2020، فإنها -فيما يبدو- سارت على النهج نفسه حتى سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، وما زالت الإدارة التنفيذية نفسها في سيريتل تدير شؤون الشركة في ظل الحكومة الانتقالية الحالية.

تحت الرقابة الخلوية

في صيف 2023، وصل الاحتقان ذروته في السويداء، وتصاعدت الاحتجاجات بساحة الكرامة بقرية ذيبين جنوبي السويداء ضد نظام الأسد، عقب توجيه صفحة “تجمع أحرار جبل العرب” -التي أُنشئت على “فيسبوك” في أيار/مايو 2022- الدعوة لأبناء السويداء بالتظاهر من أجل تحقيق “الحرية والكرامة”.[7]

(بيان تجمع أحرار جبل العرب)

وبعد نحو ثمانية أشهر من الحراك، اتهمت الصفحة النظام “بإرسال ميليشيات فيلق القدس الإيرانية إلى محيط السويداء، وتعزيز قطعه العسكرية والأفرع الأمنية”[8]، مؤكدة على سلمية الحراك، رغم ما وصفته “بالتصعيد”.[9]

ومع دخول الحراك عامه الأول، وضعت قوات الأمن حاجزاً عند مدخل المدينة، ما استفز منظمي الحراك؛ فنشرت الصفحة بياناً لتأكيد سلميتها ورفضها وضع الحاجز، ملوحة باستعداد “أحرار الجبل للتصدي بوجه أي عدوان”.[10] وقبل أن ينفلت زمام الأمور، أعلنت الصفحة في بيان لها في آب/أغسطس 2024، وقف التصعيد مبدئياً.[11]

وبينما كانت قوى الأمن تحاصر حراك السويداء على الأرض بإقامة حواجز حول المدينة، كان الفرع 280 بالمخابرات العامة يجمع معلومات عن نشطاء السويداء، بعد رصد عناصره لمنشورات صفحة “تجمع أحرار جبل العرب”.[12]

في 8 تموز/يوليو 2024، كان رئيس الفرع منهمكاً في قراءة معلومات عن ناشط بالسويداء يُدعى رباح غبرة، أحد المتفاعلين مع الصفحة، ليُصدر على المستند الذي يحمل رقم 11903، قراراً بدراسة المكالمات الصادرة من رقم هذا الناشط والواردة إليه.

خاطب الفرع 280 الفرع 300 بالكتاب رقم 11404، في 30 تموز/يوليو 2024، للحصول على بيان بالاتصالات التي أجراها صاحب شريحة سيريتل الخلوية، مع التسجيلات الصوتية للمكالمات، في الفترة بين 22 نيسان/أبريل والأول من أيار/مايو من العام ذاته، لتبدأ كرة الثلج بالتدحرج.[13]

كشف سجل مكالمات غبرة عن موقعه الجغرافي، وتواصله مع غيره من نشطاء السويداء. وعلى إثره، وُجه كتاب برقم 11992 في 8 آب/أغسطس للحصول على التسجيلات الصوتية لأصحاب الأرقام المتواصلة مع غبرة.[14]

ثم سرعان ما اتسعت دائرة التتبع؛ فطلبت المخابرات بيان المكالمات الصادرة والواردة من رقم آخر، تبيّن لاحقاً أن ملكيته تعود للناشط فؤاد عادل بو حمدان، الذي رافق غبرة في التظاهرات.[15]

لم تكن دائرة التواصل مقتصرة على أفرع المخابرات العامة؛ فالفرع 300 وجه خطاباً بتاريخ السادس من أيلول/سبتمبر 2024، برقم 6503 إلى إدارة الاتصالات بوزارة الدفاع، للحصول على الرسائل النصية والبيانات والأرقام الصادرة والواردة المتواصلة مع “بو حمدان”.[16]

بعدها بثلاثة أيام، أحالت إدارة الاتصالات إلى الفرع 300 الرسائل النصية المتوفرة وأرقام المكالمات الصادرة من هذا الرقم والواردة إليه، لتتكشف أمام المخابرات العامة أدق تفاصيل التنسيق للتظاهرات التي على كان رأسها كل من غبرة وبو حمدان.

مستند يثبت تزويد إدارة الاتصالات إدارة المخابرات العامة ببيانات ناشط السويداء

عرضت حينها المخابرات العامة ما توصلت إليه على فرع أمن الدولة بالسويداء 312؛ “للعلم وإجراء اللازم”.[17]

“كيف حصلتم على هذه المعلومات؟”، يقولها غبرة مندهشاً عندما أخبره فريق التحقيق بما ورد عنه في ملفات المخابرات،[18] كان يظن بلا دليل جازم أنه تحت طائلة المراقبة نظراً لنشاطه السياسي، ما أدى عام 2015 إلى صدور مذكرات توقيف في حقه من عدة فروع أمنية.[19]

كان غبرة في مقدمة تظاهرات صامتة في ساحة الكرامة منذ نهاية عام 2021، وصولاً إلى ذروتها في آب/أغسطس 2023؛ احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية المتردية في البلاد.[20]

انطلقت التظاهرات يومياً من الساحة المعروفة بـ”ساحة الكرامة”، لكنّ أعداد المشاركين تراجعت مع الوقت، حتى وصلت إلى 15 متظاهراً؛ جلهم وجدنا تفاصيل مكالماتهم وأوقات إجرائها، ومواقع الاتصالات، مرصودة في ملفات المخابرات العامة.[21][22][23]

يقول غبرة: “عزف الناس عن المشاركة في التظاهرات نظراً لتلقيهم -خاصة الموظفين- تهديدات من الأمن السياسي”، مسترجعاً تطورات نحو أربع سنوات من التظاهرات المتفرقة التي شارك فيها بنفسه ضد النظام في السويداء، تلقى خلالها تهديدات من المخابرات والأجهزة الأمنية، في محاولة لدفعه إلى التوقف عن المشاركة المستمرة في “حراك السويداء”، غير أنه واصل نشاطه حتى سقوط النظام.[24]

أحمد أبازيد، منسق منصة الذاكرة السورية[25] التي أجرت أبحاثاً عن الهيكل الإداري والتنظيمي للأفرع الأمنية السورية المختلفة، شاهد عيان على تسجيلات مدونة لنشطاء في وثائق المخابرات العسكرية قبل الثورة، يقول: “وضع المراقبة بعد الثورة أصبح أشرس وأوسع”، مؤكداً اعتقال نشطاء نتيجة رصد اتصالاتهم.[26]

يضيف أبازيد أن الوصول إلى بيانات الاتصالات ومعلومات المتصلين كان متاحاً لعدة أفرع أمنية، ولا يحتكر فرع واحد هذه المعلومات. كما أن المخابرات العامة والعسكرية والجوية وشعبة الأمن السياسي تنسق فيما بينها للحصول على المعلومات الخاصة بالمستهدفين.[27]

[1] https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1033724725203660&set=pb.100056984256124.-2207520000&type=3

[2] https://syrianmemory.org/testimonials/entities/5ddebb4688a88f000178d511

[3] https://docs.google.com/document/d/1k0rNYNWT177y6Jx1Xu-gd-7wkfCAQHws/edit

[4] https://docs.google.com/document/d/1vSpw1OCYxiVDqH25Gm7Rj3h-sMqgMDmR/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[5] https://docs.google.com/document/d/1t7qHftt_aNWMD-axstc7N1u_5AlxBnmi/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[6] https://moct.gov.sy/sites/default/files/uploadss/Telecom%20law.pdf

[7] https://www.facebook.com/photo/?fbid=273859142059064&set=a.255380727240239

[8] https://www.facebook.com/photo/?fbid=423999463711697&set=a.423999507045026

[9] https://www.facebook.com/photo/?fbid=460273410084302&set=a.423999507045026 

[10] https://www.facebook.com/photo/?fbid=461387013306275&set=a.255380727240239

[11] https://www.facebook.com/photo?fbid=497795086332134&set=a.255380727240239

[12]https://docs.google.com/document/d/1-eK7SWQGtkvKoywOykl2zNnpcVCnaqG3/edit

[13]https://docs.google.com/document/d/1Y43QgqArQx9VpGqmEFtn2lSqdmEt1s0C/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[14] https://docs.google.com/document/d/1k0rNYNWT177y6Jx1Xu-gd-7wkfCAQHws/edit

[15]https://docs.google.com/document/d/1tSi1RefagG5rlazbPoDD9GhpEd2uF3qJ/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[16]https://drive.google.com/file/d/1j5ljlPGxHUARwNa852Ba_kcfolD0o2OA/view?usp=sharing

[17] https://docs.google.com/document/d/1k0rNYNWT177y6Jx1Xu-gd-7wkfCAQHws/edit

[18] https://drive.google.com/file/d/1kjKixhX45aKEtd7Ll8Mmsr3c4bAkQ8gu/view?usp=sharing, 6:00 : 6:13

[19] https://drive.google.com/file/d/1kjKixhX45aKEtd7Ll8Mmsr3c4bAkQ8gu/view?usp=sharing, 2:00 – 2:15

[20] https://docs.google.com/document/d/1AW8ByHH9fb8qZjy97tcJES0EYc4WUSn9/edit

[21] https://docs.google.com/spreadsheets/d/1oEFCej10OAidWUvz6-h3Rvrj088LTJUdJ8q6XAHJpJk/edit?gid=0#gid=0

[22]https://docs.google.com/document/d/1CqvPh4wyPtTRNCa5ZkfJYG_vufcShya1/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[23]https://docs.google.com/document/d/1A-GwYQ7_hkfWqd6QYFdeWOFdi4Tj05u_/edit?usp=drive_web&ouid=103631347203668752369&rtpof=true

[24] https://docs.google.com/document/d/1AW8ByHH9fb8qZjy97tcJES0EYc4WUSn9/edit

[25] https://syrianmemory.org/archive/figures/5f09a810d147b900017fb696

[26] https://drive.google.com/file/d/11_eYHfMcNpjcGeiPrBlWzPqtJTRBssvc/view, 2:00 – 2:50

[27] https://drive.google.com/file/d/11_eYHfMcNpjcGeiPrBlWzPqtJTRBssvc/view, 10:20 – 11:00

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى