الحنبلي عزيز -متابعة
مراكش – أسدل الستار، مساء السبت، على فعاليات الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، في أمسية سينمائية مبهرة احتضنها قصر المؤتمرات بالمدينة الحمراء، تَوَّجت فيلم “سماء بلا أرض” للمخرجة التونسية–الفرنسية أريج السحيري بالنجمة الذهبية، الجائزة الكبرى للمهرجان، وسط تصفيقات حارة من صناع السينما وجمهور الفن السابع.
الدورة، التي نُظِّمت تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، جَمعت 13 فيلماً في المسابقة الرسمية، تنافست على جوائز المهرجان أمام لجنة تحكيم مرموقة برئاسة المخرج الكوري الجنوبي بونغ جون هو، إلى جانب أسماء سينمائية دولية من بينها كريم عينوز، حكيم بلعباس، جوليا دوكورنو، بيمان معادي، جينا أورتيغا، سيلين سونغر وأنيا تايلور-جوي، ما عزز مكانة مراكش كمنصة عالمية للحوار السينمائي والإبداع.
الفيلم المتوج “سماء بلا أرض”، الذي استفاد من دعم برنامج “ورشات الأطلس”، يقدم حكاية إنسانية رقيقة عن ماري، القسيسة الإيفوارية والصحفية السابقة التي تعيش في تونس، وتفتح بيتها أمام ناني، الأم الشابة الباحثة عن مستقبل أفضل، وجولي، الطالبة الحاملة لآمال أسرتها، قبل أن تنضم إليهن الطفلة كنزة، الناجية من حادث غرق. يتحول هذا البيت الصغير إلى عائلة بديلة دافئة رغم هشاشتها، في سياق اجتماعي متوتر ومتقلب.
وأشادت لجنة التحكيم بالفيلم بوصفه عملاً سينمائياً يجرؤ على النظر إلى العالم من زاوية مختلفة، مستنداً إلى حس شاعري نادر ورؤية فنية منخرطة بعمق في الواقع، واعتبرته تجربة جريئة تدعو إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر وبأنفسنا. وإلى جانب النجمة الذهبية، حصد الفيلم أيضاً جائزة أفضل أداء نسائي، التي منحت للممثلة الإيفوارية ديبورا لوب ناني عن دورها المؤثر في العمل.
جوائز هذه الدورة عكست تنوعاً جغرافياً وجمالياً لافتاً؛ إذ منحت لجنة التحكيم جائزتها مناصفة بين فيلم “بابا والقذافي” للمخرجة جيهان ك، وفيلم “ذاكرة” (Mémoire / Memory) للمخرجة فلادلينا ساندو، تقديراً لفرادتين سرديتين مختلفتين يجمعهما الانشغال بالذاكرة الفردية والجماعية.
جائزة الإخراج عادت للبريطاني أوسكار هدسون عن فيلمه “دائرة مستقيمة”، الذي نال أيضاً تنويهاً خاصاً في فئة الأداء الرجالي، حيث حظي الممثلان لوك تيتنسور وإليوت تيتنسور بإشادة لجنة التحكيم عن أدائهما اللافت في العمل نفسه.
أما جائزة أفضل أداء رجالي، فكانت من نصيب الممثل النيجيري سوبي ديريسو عن دوره في فيلم “ظل أبي” (ظل والدي) للمخرج أكينولا ديفيز جونيور، الذي قدّم شخصية مركّبة عالقة بين ثقل الماضي وضغوط الحاضر.
في كلمته خلال حفل الاختتام، عبّر بونغ جون هو عن سعادته برئاسة لجنة تحكيم مهرجان مراكش، مبرزاً أن جميع الأفلام المتنافسة كانت “قوية وجديرة بالتقدير”، وأن الفائزين بالجوائز “يمثلون فقط جزءاً من غنى هذه التجربة الجماعية”، مؤكداً أن الجميع “رابحون ويستحقون تصفيق الجمهور”.
برئاسة هذا الاسم العالمي البارز، أعاد المهرجان تأكيد صورته كفضاء للاختلاف والجرأة الفنية، وكرس مراكش مدينةً للسينما التي تلامس الواقع وتستشرف المستقبل، في زمن عالمي موسوم بالأزمات والانقسامات.
وفاءً لتقليده الراسخ، خصّ المهرجان هذه السنة أربعة أسماء بارزة في السينما العربية والعالمية بالتكريم: النجم المصري حسين فهمي، الممثلة والمخرجة الأمريكية جودي فوستر، المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو، والممثلة المغربية راوية، في اعتراف بمسارات فنية متميزة أغنت ذاكرة الفن السابع وكرست قيم الإبداع والالتزام.
كما احتضنت فقرة “حوارات” لقاءات مفتوحة جمعت مبدعين من آفاق مختلفة مع جمهور واسع من عشاق السينما والطلبة والمهنيين، لتقاسم تجاربهم وتصوراتهم حول الكتابة والإخراج والتمثيل ومستقبل الصناعة السينمائية.
على مستوى البرمجة، اقترحت الدورة 22 تشكيلة واسعة من 81 فيلماً تمثل 31 بلداً، موزعة على عدة أقسام، من بينها ثمانية أفلام في عرض عالمي أول، وتسعة أعمال استفادت من دعم ورشات الأطلس، إلى جانب 14 فيلماً تمثل بلدانها في سباق جوائز الأوسكار.
وحسب المنظمين، عرفت العروض حضور أكثر من 47 ألف متفرج، من بينهم حوالي 7 آلاف طفل وناشئ تابعوا برمجة خاصة موجهة للجمهور الشاب والأسرة، في تأكيد على الأهمية التي يوليها المهرجان لنقل شغف السينما إلى الأجيال الجديدة، وترسيخ قيم الخيال والمعرفة عبر الصورة.
بهذا الزخم الفني، أنهى المهرجان الدولي للفيلم بمراكش دورته الثانية والعشرين، مثبتاً مرة أخرى مكانته موعداً لا غنى عنه في أجندة السينما العالمية، ومختبراً حياً لسينما تنحاز للإنسان، وتفتح نوافذ جديدة على العالم.