تعيش مدينة طنجة اليوم أزمة سياسية واجتماعية مركّبة، لا ترتبط فقط بطبيعة الملفات المطروحة، بل أساسًا بانعدام قنوات التواصل الحقيقي وضعف المشاركة الفعّالة للمجتمع المدني وباقي الفاعلين المحليين في صناعة القرار.
ففي مراحل سابقة، ورغم حدّة الأزمات أحيانًا، كان هناك دائمًا مخاطَب رسمي يمكن التوجه إليه. كان المسؤول، مهما بلغ تشبّعه بمنطق السلطة، يدرك ضرورة فتح قنوات للحوار من أجل تدبير التوتر واحتواء المطالب، بما يسمح بتقريب وجهات النظر والبحث عن حلول وسطى تراعي مختلف الأطراف.
أما اليوم، فإن غياب مخاطب مؤسسي يمتلك الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار يجعل من كل أزمة قابلة للتفاقم والتعقيد.
لقد عايشتُ شخصيًا تدخل عدد من الأصدقاء وبعض الأطر الإدارية الذين أكنّ لهم كامل الاحترام في عدد من الملفات، لكن دورهم غالبًا لا يتعدى حدود تهدئة الاحتقان ظرفيًا، أو تأجيل النقاش، أو صرف النظر عن موضوع محدّد، دون تقديم حلول حقيقية وملموسة.
بهذا المعنى، انتقلنا من مرحلة الحوار الناقص إلى مرحلة الغياب شبه التام للحوار، في ظل ترسخ عقلية سلطوية جديدة تتعامل مع المدينة كفضاء لتنفيذ رؤى فوقية جاهزة، قائمة على منطق التعالي واحتقار الفعل الجماعي، بدل اعتبار الفاعلين المحليين شركاء في القرار.
وتتجلى خطورة الوضع أيضًا في انعدام الإرادة الإدارية والسياسية الجدية لتسوية الملفات العالقة؛ إذ تُختزل القضايا الجوهرية في إجراءات شكلية، تقوم على المنع، أو القمع الإداري، أو فرض قرارات جاهزة مهما كانت كلفتها الاجتماعية والإنسانية.
وقد لمستُ هذا المنطق بشكل واضح في ملف مشروع تهيئة الغابات الحضرية بطنجة؛ حيث قُدِّم مشروع جاهز مُعدّ سلفًا، دون إشراك فعلي للفاعلين المدنيين. كانت اجتماعات “التواصل” مجرد إخبار متأخر بقرارات حُسم فيها مسبقًا، واستُخدم حضورنا فيها لتزكية مشروع لم نساهم لا في بلورته ولا في تقييم جدواه أو آثاره.
إن استمرار هذا النهج القائم على الانفراد بالقرار، وتحييد مكونات المجتمع من فاعلين جمعويين وسياسيين وغيرهم من الوسطاء الاجتماعيين، إلى جانب تهميش النقاش العمومي، لن يؤدي إلا إلى تعميق مسافة انعدام الثقة بين السلطة والمدينة. وحين تُدار المدينة بمنطق الإكراه بدل المشاركة، فإنها تصبح قابلة في كل لحظة للاهتزاز، وقد تنفجر الأوضاع بسبب شرارة بسيطة في نظر السلطة، لكنها عميقة الدلالة في وجدان الساكنة.
ولعل المثل الطنجاوي العميق يلخّص ذلك بدقة: “حكر العود يخور لك عينك”؛ فالأشياء التي يُظن أنها صغيرة أو هامشية قد تتحول، بفعل الإهمال والتعالي، إلى شرارة تشعل ما هو أكبر.
أمس فقط، نشرت صحافتنا المحلية خبر اعتقال شخص هدّد بشكل صريح الوالي والباشا ومسؤولين آخرين في حال تنفيذ قرار هدم منزله.
وإذ ندين هذا الفعل الجرمي بوضوح ودون لبس، فإننا نعتبره في الآن ذاته مؤشرًا صارخًا على مخاطر غياب قنوات الحوار، وانسداد أفق البحث عن حلول وبدائل—even لو كانت جزئية أو نسبية.
إن طنجة اليوم في حاجة ماسة إلى استعادة منطق الإصغاء، وإشراك الفاعلين، وفتح نقاش عمومي حقيقي حول خيارات تسيير المدينة ومستقبلها، قبل أن تتحول التراكمات الصامتة إلى ما لا تُحمد عقباه.
زكرياء أبو النجات