اخبار جهوية

آسفي: ضحايا الأمطار أم ضحايا الاستهتار ؟ أجدور عبد اللطيف

   يُعرّف الفلاسفة العبث بأنه إدراك الإنسان لتناقضٍ جوهري بين سعيه الفطري للمعنى في الحياة، وصمت الكون وعدم استجابته لهذا السعي، مما يولّد شعورًا باللاجدوى. وتحدّث ألبير كامو وسارتر وسيغارد وغيرهم عن العبث في شِقّه الطبيعي الميتافيزيقيّ، لكن هناك نوعا آخر من العبثِ أكثر عبثاً من العبث نفسه.

العبث الحقيقي هو أن نُفجَع في أرواحّ مرات ومرات ومرات، مرة عبر شاحنة جامحةّ لم تجد من عاقل يضع إشارة مرورية واحدة ترسم ملامح تنقل حضري سلس، ضمن تصور موسع وحقيقي لمفهوم المدينة، فأوْدت بأرواح بريئة لم تكن ترى في جلسةٍ لاحتساء شاي في مقهى عابر أيّة خطورة.

ومرة عبر انهيار عمارات لم يمرّ على تشْييدها الكثير، فيما تقف بيوتٌ وقلاع طينيّة شامخة وفي عمرها أزْيد من مائة عام؛ لذا نحن أمام فضيحة عمرانية تستدعي محاسبة كل من وضع ولو آجرة واحدة في هذا القبر الجماعي.

العبث كل العبث هو عجز دولةٍ بكل مصالحها عن ضبط جشع مضاربين عقاريين، لا يعتبرون في الإنسان سوى ما في حافظة نقوده أو حسابه من رصيد، دون اعتبار لأية جوانب هندسية أو صحية أو أخلاقية تحول دون تحويل المساكن اليومية للبسطاء إلى علب إسمنتية ميكانيكيّة.

العبث أن يقْضي حوالي أربعين شخصا غرقا في ظروف غريبة، دون أن يبعث فينا ذلك حرقةً لتغيير شيء ما؛ وأوّل ما يجب تغييره الكفُّ عن النّظر إلى الضحايا، بأنهم مجرّد أرقام في نشرات الأخبار وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي المُتاجِرة في المآسي، والتكرّم بتعزيات رسمية أو مجتمعية رتيبة بلا روح؛ إنها حيوات واعدة غيّبها التقصير والإهمال، وأزهقتها العبث والعشوائية في التدبير والمراقبة والمحاسبة، إنها حيوات أُفجِع فيها آباء وأبناء وزوجات واخوة وأصدقاء ووطن، وإكرامها ليس، حتما، بالدفن فقط.

إنّ العبث هو تكليف المُقَدّمين بمهام تتجاوز صلاحياتهم ومؤهلاتهم المهنية، مثل مراقبة احترام مَعايير ورُخص البناء، وعدم تتبّع أعمال المهندسين أنفسهم، والافتقار لِرؤية واضحة لمفهوم المدينة بكل عناصرها العمرانية والجمالية الدّنيا، من ضمانات حماية، وطرقات رحبة، ومناطق خضراء، وملاعب، ومرافق عامة من مراحيض ومصارف صحية، ومسارب كافية وفعالة للمياه… وتدبير جيد لحركة السير والنفايات المنزلية والكلاب الضالة والمشردين والمرضى العقليين والتلوث، التي صارت تتهدّدنا بالموت كلّ لحظة بشكل اعْتياديّ مُدهِشٍ.

إن تغلْغُل الفساد والزّبونية والمحْسوبيّة والارْتشاء والالْتفاف على القانون، والتضْحية بالمصلحة العامة في سبيل تحقيق المصلحة الخاصة، طباع أنانية متأصّلة في الإنسان حسب توماس هوبز، لكنّ واجب الدولة الأساسي ليْس هو قمع المطالبين بتحْييد الفساد، بل الحرص أشدّ الحرص على تطبيق القانون وسريانه على الجميع دون مهادنة؛ ومن ذلك فقط تستمد الدولة شرعيّتها حسب جون لوك.

ليس الفسادُ في النّهاية سوى القفز على القانون؛ هذا الذي يجب أن يكون موضوعيا، وذكيا، ومرنا، وشاملا، لا ثغرات به، لسد الباب على الطامعين والسماسرة والفراقشية.

تسمى الأمطار المحدودة التي تعرفها بلادنا في بلدان أخرى غيْثا (بداية المطر)، أما وابل الهطل الذي يتواصل طوال فصل الشتاء فضلا عن الثلوج فلا يعطل الحياة فضلا عن أن يزهقها، هو المطر. ومع ذلك تتعامل معها مدن أوروبية بشكل عاديّ، من حيث هي مدن ذات رؤية واضحة، وتقدير لكرامة كل حياة على حدة، وحرص على وضع كل شخص في المكان الذي يستحقه.

أليس من العبث استغراق مدة طويلة لبناء مساكن تؤوي أهالي الحوز من الثلوج والأمطار، مقابل إنجاز مشاريع استعراضية كالملاعب في مدد وجيزة، وباعتمادات مالية ضخمة؟ لا بد من التنويه بالبنيات التحتية، متى رافقتها خدمات أساسية ذات جودة مثل الصرف الصحي، والصحة، والشغل، والتعليم.

إن بلدا لا يحتمل الجفاف، ولا يحتمل المطر، هو بلد يجب أن يضبط سرعة المغرب المُنتفِع لإنقاذ المغرب غير النّافع من السّكتة، عبر القطع مع العشوائية والتلكؤ، وإعادة تقييم شامل للسياسات العمومية في القطاعات الحيوية التي تمسّ بشكل مباشر حيوات النّاس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى