مصطفى المنوزي
بصرف النظر عن الوقائع الظرفية لنهائي الأمس، يتضح في عمق التحليل أن ما اعتُبر “فوزًا” أُدير بمنطق سياسي–دبلوماسي قوامه التنازل الانتقائي لا الندية المتوازنة. فالدبلوماسية التي بُذلت جهودها القصوى اشتغلت بمنطق إرضاء النفوس وجبر الخواطر ضمن علاقات زبونية وتسويقية، أكثر منها علاقات وجدانية قائمة على التكافؤ. والحال أن طموح الندية يكفينا، بدل استجداء التميّز وتضخيم خطاب المجاملة والإطراء .
وإن عدم توازن الأحلام، ولا تكافؤ الفرص، ومفارقات التمكين بين القطاعات—وأحيانًا الإقطاعيات—يفرض الانتقال من تنازلات فوقية إلى تنازلات مُدمقرطة، تُنصف شرائح واسعة من المجتمع وتستدعي حقها في بلورة جيل جديد من الإصلاحات لتقويم مقتضيات المصالحة وتفعيل التسويات العادلة. فالتاريخ الوطني قدّم نموذجًا ناضجًا: تنازلٌ واعٍ من أجل الاستقلال واستعادة السيادة، إيمانًا بأن دعم الدولة شرط لاستمرار الوطن على أساس جبر الضرر الترابي مقابل جبر خاطر فلول الإستعمار وعملائه في الجوار.
اليوم، حان أجل تفعيل مطلب ردّ الاعتبار لدولة المجتمع عبر دينامية تُرسّخ العدالة بوصفها موطن الإنسان وجامعةً لكل العدالات المنشودة ؛ ذلك وحده يعزّز الوحدة الوطنية ويفتح المجال لانبلاج اللحظة الديمقراطية. فالجبهة الداخلية لا تقوم فقط على رصّ الصفوف، بل على تعاقدات جديدة خالصة من الإذعان، محرِّرة للطاقات؛ حتى ننجح بدل أن نتبجّح، وبقدراتنا نتماثل أو في النبل والتضامن النقدي نتماهى بدل أن نتباهى. وبصرف النظر عن حقيقة ما جرى خلال أمسية النهائي من ابتزاز خارجي وترهيب ما فوق رياضي ؛ وهي حقيقة نسبية بحكم أن كل واحد منا ينظر إلى الأمور في تراكمها وأسبابها ، لا في مظاهرها ونتائجها الطارئة ؛ فإنه يلاحظ، في آخر التحليل بأن الزمن الرياضي يدبر من طرف من تغويهم المراهنة، لا من قبل من يؤطرهم الرهان؛ وفي هذا الصدد وجب إسترداد المبادرة وضبط أي تفويض أو توكيل بغاية العمل على تنزييه الوطنية الحقة غير الإنتهازية بالحكامة في جميع المجالات وتفعيل مدونات السلوك والأخلاقيات، والتي تعتمد المصلحة العليا كفضيلة وسط بين زحف إقتصاد الرذائل، وتضخم إرهاب خطاب الرسائل، وفي هذا فليتنافس الشرفاء والأوفياء من أجل وطن متعدد في إطار الوحدة والديموقراطية وبأبعاد أفرومتوسطية.