النقيب عبد الرحيم الجامعي
كل الشكر لمن دعا ونظم وحضر وأسس لهذا الدراع المجتمعي الذي اعتبره “منجزا مهنيا وسياسيا وحقوقيا” يأتي اعترافا للمحاماة بقوتها وضرورتها للمغرب وللمجتمع المغربي وللعدالة، وليؤكد أن المحاماة ليست مؤسسة تعني المحامين فقط، وليست مهنة للتوسل وللاستجداء تلتهم كرامتها بسهولة.
الجبهة المعلن عنها دفاعا عن استقلال المحاماة هي في حقيقتها تأكيد من هيئات شبابية سياسية وحقوقية وكفاءات مهنية عن اعتراف جديد بهوية المحاماة ومكانتها في واقع ووجدان المجتمع، أرادت الحكومة أن تهينها وأن تطمس مكانتها داخل ثنايا نص مشروع قانون يفترس بالأساس استقلالها، وهي لا تدري انه بالاعتداء على استقلال المحاماة تعتدي على استقلال القضاء وتعتدي اصلا على رأسمال مادي ثمين للاستقرار و للأمن بالمغرب.
الجبهة المعلن عن تأسيسها أمس الجمعة، لها أدوار كبرى ليست فقط الدفاع عن استقلال المحاماة، فالمحاماة قوامها استقلالها، وهي التي تصدت في القرن السابع عشر لجبروت لويس الرابع عشر الذي حاول تقزيم وجودها ونفوذها، وهي التي قاومت بداية القرن التاسع عشر سطوة وطمع و نفوذ نابليون بونابارت، وهي اليوم التي تعرف محاصرة استقلالها الذي تحاول الحكومة أن تنقض عليه بواسطة مشروع لن يصمد بإرادة المحامين وإرادة كل المجتمع…
الجبهة المعلن عن تأسيسها، عليها أن تطرح، فضلا عن دفاعها عن استقلال المحاماة، برنامج عمل يتجه نحو تنبيه السلطة الحكومية إلى انزلاقاتها نحو توسيع استبدادها وأطماعها في انتزاع أدوار الهيئات المدنية والحقوقية والمهنية، والتصدى بالتالي لإضعاف آليات المجتمع المستقلة عن السلطة ومنها إضعاف المحاماة و رسالة المحاماة.
ويذكرني المنحى السلطوي للحكومة المتمثل في نص مشروعها لتنظيم المحاماة والذي هو في الحقيقة العتبة الأولى لفرض الطوق عليها وعلى ممارسيها وعلى مؤسساتها، (يذكرني) بالمحاولة التي قام بها الرئيس انوار السادات بداية سنة 1981 عندما أصدر قرارا بحل نقابة المحامين برئاسة النقيب أحمد الخواجة، لا لشئ سوى لأن المحامين ونقابتهم بمصر تصدوا له بمناسبة إقدامه على التطبيع مع الكيان الصهيوني ورغبته في مقاومة كل تنظيم نقابي معارض، ومن هنا أخشى أن تحاول الحكومة الحاكمة بالمغرب إعادة محاولة الرئيس السادات، وأن يكون وراء الدفع بنص المشروع المتعلق بالمحاماة في حلته المرفوضة، هو الانتقام من مواقف المحامين وجمعيتهم من قانون المسطرة المدنية والمسطرة الجنائية، ومن موافقهم من عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، ومن مواقفهم ضد اجهازها على حرية الرأي والصحافة وعلى حرية التجمع والتنظيم وعلى الحق في حصول الجمعيات على الوصل القانوني والانتقام منهم بسبب مواقفهم من المحاكمات التي طغى فيها الانحراف عن مقومات المحاكمة العادلة ومن بينها محاكمات حركة شباب جيل زيد، إلخ..
وأنا آسف أن تفتقر الحكومة اليوم لرؤية سياسية للتعامل مع الأزمات، وان تنعدم لديها النظرة الاستباقية لآثار سياستها وهي تضع مشاريع القوانين وألا تترقب آثار اختياراتها، وألا تكون لها خلية أزمة للاستماع و للتفاعل وللتفكير في الحلول التي تفرضها لحظات الاحتكاك السياسية والمجتمعية، وألا تقرأ القراءة الذكية والمسؤولة لاحتجاجات المحاميات والمحامين وأن تتعامل معها بنوع من التردد و البرودة، وكأن الرأي العام مؤسسة لا تعنيها….
وفي النهاية، يبدو لي أن عدم قدرة الحكومة على التعاطي مع الأزمات يعني أن الحكومة تعيش نفسها أزمة في فكرها السياسي، وأزمة تعامل وتجاوب مع مجتمع يتسع الخندق بينه و بينها و تنهار ثقته فيها ومل من ممارساتها، من خطاباتها ومن عجزها … وهو ما اعترف به وأعلنه رئيسها قبل أسابيع، عندما استقال قبل نهاية عهد وزرائه قبل الأوان.
إنها نهاية مؤلمة لحكومة حققت رقما قياسيا في قائمة الأزمات التي عرفها المجتمع….
للجبهة مهمة مركزية، والأمل أن تشتغل بروح التماسك و الاعتراف المتبادل بين مكوناتها من أجل المحاماة ومن أجل استقلالها وأن تتفرغ لهذا الهدف وتعطي له كل الطاقة و الوقت….