حين يصرّح وزير العدل بأن رجال الأعمال والشركات التجارية «ليس محلهم المحاكم»، فنحن لسنا أمام توصيف تقني لعقلنة النزاع الاقتصادي، بل أمام إنتاج سردية جديدة يُعاد من خلالها ترسيم العلاقة بين العدالة والاقتصاد والأمن. فالجملة تنقلنا من منطق المساواة أمام القانون إلى منطق توزيع المواقع داخل النظام القضائي، حيث تُعاد صياغة فكرة «المكان» لا كفضاء سيادي جامع، بل كحقل انتقائي يُستبعد منه فاعلون بعينهم باسم النجاعة والاستقرار.
سوسيولوجيًا، يؤسس هذا الخطاب لتمييز رمزي يمنح الفاعل الاقتصادي وضعًا استثنائيًا، تُنزَع عنه المساءلة الزجرية ويُعاد تعريف أخطائه كاختلالات تدبيرية لا كانتهاكات قانونية. وهكذا تُفرَّغ الجريمة الاقتصادية من بعدها الأخلاقي والاجتماعي، وتتحول العدالة من قيمة مؤسسة للنظام الديمقراطي إلى كلفة محتملة ينبغي تحييدها كلما تعارضت مع منطق السوق.
وسيميولوجيًا، يُقصي تعبير «محلهم» المحكمة من رمزيتها كأعلى تجليات السيادة، ويعيد ترميزها كمكان غير ملائم بالنخب الاقتصادية، بما يوحي بأن المثول أمام القضاء مسّ بالهيبة الاقتصادية لا تعبير عن الخضوع للقانون. في المقابل، يُعاد توطين الفاعل الاقتصادي في فضاءات موازية كالتفاوض والتحكيم والتسوية، بعيدًا عن العلنية والمساءلة العمومية.
يندرج هذا الخطاب ضمن سرديات أمنية/اقتصادية هجينة تُؤمِّن الاقتصاد وتُجرِّم العدالة رمزيًا، حيث يُقدَّم الاستثمار ككيان هش يجب حمايته من «تهديد» المتابعة القضائية، وتُصوَّر المحاكم كعائق أمام الثقة والجاذبية. وهنا يحدث انقلاب دلالي: بدل أن يكون القضاء حاميًا لنزاهة السوق، يصبح السوق في حاجة إلى الحماية من القضاء، وتتحول العدالة من سلطة رقابة إلى متغير ينبغي ترويضه.
وإذ صدر هذا التصريح عن وزير للعدل داخل قبة البرلمان، فإن الإشكال لا يستقيم اختزاله في شخص الوزير أو خلفيته الحزبية، بل يفرض مساءلة السلطة التنفيذية برمتها، باعتبارها المسؤولة دستوريًا عن انسجام السياسات العمومية مع مقتضيات دولة القانون. فوزير العدل، وهو يتحدث من هذا الموقع، لا يمثل ذاته، بل يعكس تصورًا حكوميًا لوظيفة العدالة وحدودها.
من هنا يتحول التصريح إلى مؤشر مقلق على اختلال في تصور السلطة التنفيذية نفسها، حين يُسمح بإنتاج خطاب يوحي بوجود فاعلين “ليس محلهم المحاكم”، بما يُدخل منطق الاستثناء إلى صلب السياسة العمومية دون نقاش مؤسساتي صريح. والتحذير هنا سيادي بامتياز: فالدولة التي تُؤمِّن الاستثمار عبر تليين المساءلة القضائية تُغامر بتقويض الثقة في حيادها، وبتحويل القضاء إلى أداة تدبير انتقائي، وبتوسيع مجال الإفلات من العقاب الاقتصادي.
وفي هذا الأفق، لا يعود السؤال كيف نحمي الاستثمار، بل كيف نحمي العدالة من التحول إلى ضحية باسم الاستثمار، وكيف نحمي الدولة من سردية هادئة تُفرغ القانون من معناه دون أن تعلن القطيعة معه.