الجنس بين الغريزة و المؤسسة -ذ .عبد الكريم الرطابي

1-المرحلة المتوحشة قبل ملايين السنين عاش البشر مثل باقي الحيوانات ،فاشتركت هذه الكائنات في امتلاك المجال الذي تعيش فيه .وتميزت المرحلة بمنطق القوي الذي يأكل الضعيف.واختارت الجماعات البشرية الاستقرار بين الغابات والكهوف (إنسان سيدي عبد الرحمان ).فالكهوف تحمي الجنس البشري من قسوة الطبيعة ،ومن قسوة الحيوانات المفترسة (عين الذياب- عين السبع ) خلال هذه المرحلة (البدائية) تناسل الكائن البشري بدون قيود.فإشباع الغريزة الجنسية كان مطلبا طبيعيا كإشباع غريزة الجوع والعطش مثلما مارستها الحيوانات التي تعايش معها. فالغرائز هي التي تحدد خطواته وقراراته.
2-المرحلة البدائية في هذه الفترة اكتشف الكائن البشري نفسه وسط جماعته التي تشبهه فبدأ يبتعد قليلا عن غيره من الكائنات وشكل جماعة منسجمة تبحث عن مصادر العيش.هذه المصالح المشتركة والدفاع عنها – مع مرور الزمن – جعلته ينخرط في نظام اجتماعي واقتصادي له خصائص ميزته عن المرحلة السابقة (المرحلة المتوحشة).فهو لم يعد يأكل لحوم بني جنسه.لقد أصبح يقوم بالصيد والقطف بشكل منتظم وجماعي.وجميع الغنائم كانت توزع بشكل عادل فيما اصطلح عليه ب(المشاعة البدائية) .فكل شيء مشاع ومشترك بين أفراد العشيرة.فالذكور والإناث يمارسون رغباتهم الجنسية متى اشتدت الحاجة لذلك.والذكور لجميع الإناث والإناث لجميع الذكور ..
3- المرحلة الأميسية هذه المرحلة تميزت بسلطة رمزية تتمتع بها الأنثى.فهذا الكائن الذي يحمل في بطنه سر الحياة ( الإنجاب) دون الذكور هو كائن أعلى مرتبة من الذكر .فالأنثى تمنح الحياة للصغار وهو ما لا يحظى به الذكر.لغز الحياة ظل سرا حير بال الجماعة.فالأنثى التي تحمل وتنجب وترضع لا شك أنها كائن يفوق الذكور قيمة لما تمتلكه من قدرات تعجيزية وخارقة.هذه القيمة جعلت الأبناء ينتسبون إلى الأنثى ولا ينتسبون إلى الذكور .وما ميز المرحلة الأميسية أن الأنثى تستطيع أن تضاجع من تشاء من الرجال.
إن مواجهة البشر للطبيعة بمختلف مخاطرها جعلت العقل البشري لا يكف عن التفكير لابتكار وسائل ومهارات لاتقاء شرور الطبيعة وشراسة الحيوانات.فكما فكر في استغلال الطبيعة بطريقة براغماتية ،فكر في ذاته كشخص،وفي وجوده الذي يلفه الغموض.لقد كبرت الحاجيات المادية للجماعة البشرية فاهتدى إلى الحجارة و العصا وسيلتين لاصطياد الفرائس و للدفاع عن النفس.لقد مرت آلاف السنين والعقل البشري لا يكف عن التفكير في مواجهة الطبيعة والاستفادة من خيراتها(قطف ،صيد) مع تجنب الخسائر في الأرواح.
4- المرحلة الأبيسية لقد استقرت بعض الجماعات بجانب الوديان في مجالات خصيبة سمح لها بالتناسل حتى صارت أكثر عددا فازدادت حاجياتها.فمكنت هذه الجغرافية من انتقال الجماعة إلى مرحلة الفلاحة.فأصبحت الزراعة هي الحجر الأساس في ظهور الملكية ولاحقا ظهور الأسرة الأبيسية .إن وضعية الأنثى التي تنجب كل عام وتعتني بالرضاعة جعلها تخرج تدريجيا من عالم الإنتاج(القطف والصيد) .
وهذا المعطى منح الذكور فرصة البحث عن الطعام لتغذية أفراد الجماعة،وفرصة ليعيد رسم مكانته كسيد داخل الجماعة.وما ميز هذه المرحلة أن الذكر الواحد أصبح قادرا على امتلاك أكثر من أنثى )،وأصبح المولود ينسب إلى أبيه. ( la polygamie).
5 – ظهور الملكية الخاصة كانت المشاعة البدائية نقلة نوعية في حياة البشرية بحكم مجموعة من العوامل الموضوعية.منها أن العقل البشري لا زال في طفولته، وعوامل الندرة وشح المجال ومنافسة الحيوانات الضارية جعلت الكائن البشري يقلد الحيوانات في إطعام صغاره وحمايتهم. إن التاريخ البشري لم يبق جامدا.فعلاقة الإنسان بالمحيط عرفت تفاعلا دائما ومستمرا وتأثيرا متبادلا مكن الإنسان من أن يفكر (الإنسان العاقل) ويبتكر أدوات يستعين بها.فالتفكير والابتكار قيمتان جعلته يخرج من طبيعته الأولى (المتوحشة)إلى مرحلة (الإنسان العاقل).إنها طفرة عملاقة في تاريخ البشرية.يقول (لويس مورغان) *إن مهارة الكائن البشري في الإنتاج (المادي) كانت حاسمة في درجة التفوق والهيمنة على الطبيعة دون غيره من الكائنات. فالإنسان وحده استطاع أن يصبح مسيطرا على إنتاج وسائل العيش.فجميع المحطات التاريخية لتقدم الإنسان تزامنت مع مراحل توسع وتكاثر مصادر العيش*. (L’origine de la famille, de la propriété privée et de l’état P27)Engels.
-الجنس بين المقدس والمدنس إن ظهور الملكية الخاصة والأسرة كمؤسستين اجتماعيتين سيغير جذريا العلاقة الطبيعية التي كانت قائمة بين الأنثى والذكر .لقد شرع الرجل في بسط تصوراته لتنظيم هاتين المؤسستين عبر أعراف (قوانين) تضبط الملكية الخاصة وتحميها وتحمي صاحبها مما وفر له استرقاق غيره من جماعات أخرى للقيام بالأعمال الشاقة (ظهور العبودية).كما اهتدى الذكر إلى ضرورة تنظيم الممارسة الجنسية وربطها بمؤسسة الزواج وبمؤسسة الأسرة.وكل علاقة خارجة عن هذه المؤسسة فهي علاقة مدنسة (حرام).ولكي تصير هذه العلاقة (الجنسية) مقدسة لا بد من قنوات وطقوس اجتماعية (احتفالات غناء رقص ) لتبارك هذه الرابطة.
فبعدما كانت العلاقة (الجنسية) بين الأنثى والذكر طبيعية هاهي تدخل مجال المؤسسة الاجتماعية.فمن ارتضاها سيصبح فردا من القطيع ،ومن عصى قوانين المؤسسة فإنه يعرض نفسه للعقاب .وقد تنوع العقاب من جماعة لأخرى وفق المعتقدات .
جاءت الأديان لتكرس هذا النظام الجديد ولترفع من قيمة الأسرة وتدعو إلى حماية النسل والنسب.فظهر الابن اللقيط مقابل الابن الشرعي.واللقيط اختلفت مصائره بين القتل والاستعباد والنفي رفقة أمه.أما أبوه البيولوجي فكان مصيره مشابها للقيط وأمه.لقد أصبح مصدر العقاب السماء.وظهر مفهوم الزاني والزانية .وتوزع العقاب بين القتل والرجم والنفي .
إن ظهور التجمعات السكانية (القرية والمدينة قرب الأنهار) عجل بتنظيم هذا المجال البيئي وفق تراتبية تخضع لمنطق وقوة الطبقة السائدة والمستفيدة.هذه القوة تحولت – فيما بعد- إلى قوة رمزية عبر رجال الكهنوت والسحرة لتبرير سيادتها.لقد أصبحت السلطة ذات مصدر الآهي.إن فرعون يستمد شرعيته من السماء لأنه من أصل الهي وواجبه أن يسوس الرعية لأن أصولها بشرية (من تراب حقير) فانية ،بينما فرعون سيعود إلى أصله الرباني بعد يوم القيامة-البعث.
داخل هذا السياق التاريخي الذي يتطور باستمرار ظهرت مؤسسة الدولة -المدينة وعلى رأسها طبقة تملك وتسود ولا تعمل. وتتشكل من الطبقة الحاكمة والسادة والنبلاء المالكين لمصادر وأدوات الإنتاج(الأرض والعبيد)،والمؤسسة الدينية (الكهنوت) وتملك السلطة الروحية وتوجه العامة (الشعب)لطاعة الحاكمين،وتهدد بالعقاب الدنيوي والأخروي كل من شكك أو عارض السلطة السائدة. إلى جانب هذه المؤسسات كانت مؤسسة الأسرة قد تشكلت وأصبحت هي القاعدة الخلفية للمجتمع .إن الرغبات الجنسية لا تتحقق إلا عبر هذا الجهاز. وكل ممارسة خارج هذا الإطار فهي غير مشروعة ووجب مساءلة وعقاب أصحابها.
مؤسسة البغاء أمام الكبت الجنسي عند الطرفين أصبح من الضروري تنظيم هذه العلاقة الجنسية الخارجة عن نظام مؤسسة الزواج (الأسرة) .لقد صار البغاء مؤسسة اجتماعية معترفا بها لتعيد تنظيم الرغبات الجنسية الطبيعية عند الأفراد .فأصبح لزاما على المجتمع (المديني ) أن ينظم هذا القطاع الحيوي لأنه صار مصدرا للضرائب ،ومكانا لتصريف الرغبة الجنسية لدى الذكور .فقد تم إنشاء حي خاص بالمدينة له إيحاءات رمزية (روما أثينا وليلي) تستقبل فيه المومسات الزبناء لتلبية الغرائز الجنسية.وهنا أصبح الجنس بضاعة تباع في الماخور.وأصبحت المرأة وعاء لإشباع لذة الرجل.
إن الجنس كرغبة طبيعية خارج مؤسسة الأسرة لم يندثر.فخلف الأديرة وخلف الكنائس كان رجال الدين (الرهبان والراهبات) يمارسون الجنس بعيدا عن الرقابة المجتمعية.(وهم الحريصون على الأخلاق والعفة).وعندما يقع حمل يتم التخلص منه بالإجهاض أو الوأد .ففي العصور الحديثة تم العثور على جماجم وعظام الرضع حيث دفن رفاتها خلف قلاع المؤسسة الدينية (الكنائس والأديرة) .ففي الوقت الذي ينشر فيه رجل الدين قيم الفضيلة والتقوى بين الناس ويحذرهم من العقاب السماوي ، كان لا يرعوي عن ممارسة الرذيلة بعيدا عن الأعين.
فبين مؤسسة الزواج الرسمية وبين غريزة الجنس وبين العقاب بدأ اللواط ينتشر تدريجيا وسط المجتمعات حتى أصبح ظاهرة اجتماعية.فإلى أي حد استطاعت المجتمعات اللاحقة أن تواجه هذه الظاهرة؟ لقد أجمعت المجتمعات والأديان جميعها على تحريم اللواط والزنا .لكن الظاهرة انتقلت إلى الجانب المظلم في المجتمعات فأصبحت تمارس في الخفاء.
– الجنس في الأزمنة الحديثة بلغت الرأسمالية أقصى بشاعتها في القرن 19 حين راكمت ثروات طائلة على حساب القهر العنيف والاستغلال الفاحش الذي عاشته فئة العمال. فظروف العمل القاسية (من الفجر إلى الليل) وغياب العطل والتغطية الصحية حرك مشاعر المفكرين (جان جوريس) والأدباء (هوغو وزولا)والفلاسفة(سان سيمون وماركس) فانتقدوا هذه الوضعية التي تسيء إلى الإنسانية .
فبالموازاة مع هذه الانتقادات الموجهة للرأسمالية المتوحشة ظهرت النقابات والأحزاب للدفاع عن حقوق الشغيلة.وقد كانت مرجعياتها الفكر الفلسفي لعصر الأنوار و(حقوق الإنسان والمواطن) كما رفعتها الثورة الفرنسية سنة 1789 .وقد تشكلت تنظيمات سياسية ونقابية نسائية تطالب بمجموعة من الحقوق مثل حق التصويت والمساواة في الأجور .وقد كانت النساء المناضلات تصطدمن بعقلية ذكورية متسلطة تقطع الطريق أمام تطلعات النساء. فأثناء الثورة البلشفية قادت (ألكسندرا كولونتاي) حركة نسائية داخل الحزب البلشفي الروسي . وقابلها (لينين ) بالرفض مدعيا أن الدفاع عن قضية المرأة في هذه الظرفية فيه إضعاف للحزب،ومن شأنه أن يفتح جبهات تستنزف طاقته النضالية وتبعثر أهداف الثورة.
بعد الحرب ع 2 تبنت المجتمعات الغربية (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)كما نصت عليه الأمم المتحدة في (10دجنبر 1947) تلته حقوق المرأة وحقوق الطفل ثم حقوق الأقليات (إثنية لغوية وعرقية..).وفي نفس الإطار التاريخي كانت قيم العالم القديم (الأخلاق،التمييز بين الجنسين ) تنهار لتتأسس على أنقاضها عقود اجتماعية وأخلاق جديدة.ومن المفكرين الذين ساندوا الثورة على القيم القديمة الألماني (ويليام رايخ) .فكتابه الشهير (الثورة الجنسية) كان بمثابة ميثاق يؤسس لعهد جديد هو عهد المساواة بين الجنسين.فالعلوم البيولوجية أتبثت أن الكائن البشري (ذكرا وأنثى) يتميز بنفس الخصائص الفيزيولوجية باستثناء الجهاز التناسلي عند الجنسين.
وفي العالم العربي دافعت الدكتورة (نوال السعداوي ) عن حقوق المرأة .إن كتابيها الشهيرين (المرأة والجنس) و(الرجل والجنس) هما دعوة لاكتشاف الذات العربية قصد التصالح معها وتجنب النفاق الاجتماعي الذي يسيطر على العقلية العربية.كما سار في هذا الاتجاه كتاب (الوجه العاري للمرأة العربية ) لسلوى الخماش.وفي المغرب ظهر كتاب ( ما وراء كل حشمة ) ( Au-delà de toute pudeur ) للكاتبة والأستاذة الجامعية سمية النعمان جسوس .هو عبارة عن دراسة اجتماعية لمجموعة من الظواهر المسكوت عنها ،وكشف للخرافات التي تروج داخل مجتمعنا مثل مفهوم (الراقد ) و(الحمل عن طريق الحمام ).
إن الحرية الفردية( حرية الجسد وحرية التعبير وحقوق الشواذ والحق في الإجهاض) كانت لها نتائج ذات وقع خطير على (مؤسسة الأسرة).
ما هي آفاق المؤسسة الزوجية ؟إن الحقوق المكتسبة عند الجنسين لم تعد محط تساؤل أو رفض .لقد اقتنعت المجتمعات الغربية بهذه الحقوق .وما يعنينا في -هذا السياق- هو الممارسة الجنسية عند الجنسين .لقد أصبح الجنس مباحا بينهما ،ولم يعد يشكل طابو. فالتنشئة الاجتماعية – داخل المدرسة- تقوم على تفكيك لغز الجنس عند الأطفال من خلال التوعية الجنسية .وثقافة استعمال العازل الطبي أصبحت منتشرة بين الشباب لتفادي الحمل، وتفادي الأمراض المنقولة جنسيا.
لقد بدأت الأسرة تتفكك لأنها لم تعد تستجيب لشروط المرحلة التاريخية . فالشباب تغيرت نظرتهم للحياة،وتغيرت أهدافهم فيها.فما دامت الحقوق تضمن للجنسين حرية التصرف في الجسد صارت تلبية الغرائز الجنسية تحصيل حاصل .لم يعد الشباب ينتظر لسنوات طويلة إنهاء مساره التعليمي والبحث عن العمل ثم المسكن لتحقيق عش الزوجية( الأسرة السعيدة).
لقد ظهر مفهوم( المعاشرة) Le concubinage أو التساكن بين الشباب بدون روابط اجتماعية (إكراهات ) ليحل مكان الأسرة التقليدية،ولم يعد الزواج والإنجاب أفقا عند الشريكين.إنهما يتقاسمان تكاليف الحياة اليومية.فما دامت الرغبات الجنسية تتحقق بطريقة يقبلها المجتمع المعاصر،فلا داعي لإحياء مؤسسة شاخت منذ عقود ولم تعد تستجيب لإكراهات عالم اليوم.
أما في مجتمعاتنا الشرقية فلا زالت (مؤسسة الأسرة ) تمارس هيمنتها على الشباب،ولا زالت تحظى بمكانتها الاجتماعية والرمزية.إلا أن العالم أصبح قرية صغيرة.فما يقع في باريس أو نيويورك أو طوكيو صباحا ،يجد صداه في مجتمعاتنا مساء.فارتفاع نسب الطلاق والاغتصاب والرضع المتخلى عنهم في شوارعنا يطرح أكثر من سؤال.فما عاشه الغرب خلال عقود أصبحنا نعيشه في وقت وجيز.فبنياتنا شاخت ولم تعد تساير سنن الكون بدعوى احترام الأخلاق والحرص على العفة والزهد عن الرغبة الجنسية.فنحن حين نستورد الدراجة والسيارة والهاتف والتلفاز،فإننا لا نستوردها معزولة عن قيم جديدة استدعتها اللحظة التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها.فلا يمكن استعمال الدراجة بملابسنا التقليدية ،بل لا بد من ملابس عصرية.وحين نستعمل السيارة فإننا نجلب معها قوانين السير.فنحن نقف أمام الإشارة الضوئية الحمراء ،ولا يهمنا من يقودها (رجلا أو امرأة).
إن معالجة ظاهرة الطلاق في مجتمعاتنا شبيهة بمن يحجب الشمس بالغربال.فارتفاع نسبة الطلاق دليل على تصدع (المؤسسة الزوجية).فهي أصبحت قاصرة عن تلبية رغبات الطرفين (الجنسية).فشبابنا تتجاذبه أفكار عصره .يريد أن يعيش تجاربه كما يعيشها الشباب الغربي.وفي نفس الوقت يريد زوجة صالحة تهيئ له الطعام وتربي له الأطفال.يريد زوجة شبيهة بأمه. بينما الفتاة تريد الاستقلال المادي عن أسرتها لكي تفرض وجودها الاجتماعي .




