الصديق العزيز يحيى،
قبل كل شيء تقبل تحياتي وشكري لتجاوبك المفيد مع ما تقدّمتُ به حول ” العلاقة العضوية بين الوطنية والقومية والكونية”، والذي يذكرني بتلك الحوارات الجادة والب نّاءة التي تعودانها فيما بيننا. قبل طرح تصو ري وتعقيبي بصدد
المحاور التي أشرت اليها، اسمحي لي البدء بما ختمت به مقالك، الذي جاء فيه:
“وفي الختام: عزيزي محمد، مقالك هو دعوة صادقة للتفكير الجاد في مستقبلنا الجماعي. وحتى لو اختلفنا في بعض
التفاصيل أو الآليات، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه يبقى في غاية الأهمية: كيف نبني قوتنا الجماعية في عالم لا يرحم
الضعفاء ولا يحترم إلا الأقوياء؟ “
الحوار الفكري الصادق، مثل الذي تفتحه لنا بهذا المقال، هو أول الطريق نحو الوعي الجماعي الذي نحتاجه بشدة. فشكراً لك على هذا الجهد الفكري الثري، وعلى شجاعتك في طرح هذه الأسئلة الصعبة في زمن يميل فيه الكثيرون إلى الصمت أو المجاملة”.
شكرا عزيزي على الكلمة الطيبة التي ما أحوجنا اليها في جوّ خيم عليه سحاب الفرقة والجفاء. لمتابعة حوا رنا الذي غايته
تطوير فكرنا التقدمي الحر، أنطلق من المحاور التي طرحتها للبحث.
حول القومية والتنوع
قلت ان “الرصيد الحضاري المشترك الذي تحدثت عنه غني وحقيقي، وأنا أتفق معك في ذلك. لكن كيف نوازن بين هذه الهوية الجامعة وبين احترام التنوعات الداخلية الغنية )أمازيغية، كردية، ثقافات محلية متعددة(؟ أليست التجارب القومية السابقة قد أخفقت أحياناً لأنها تجاهلت أو همّشت هذا التنوع، فكانت النتيجة توتراً داخلياً عمّق الانقسامات بدلاً من أن يلغيها ؟
وأقول، ان التجارب السابقة كما سطرها المقال، ناتجة عن النظرة الفوقية، الأبوية والمركزية سواء التي تنطلق من الحزب الواحد او القائد المنقذ والمخلّص. والذي حسب الأنظمة القائمة يأخذ اسم القائد، الزعيم ال رئيس الأمير السلطان الملك…. كل هذه التصورات للوحدة لا يمكنها سوى الوصول الى الباب المسدود، لأنها تضعنا أمام وحدة الأضداد، كل يريد أن يكون هو المركز كما كان الخليفة أو الامام في العهد الوسيط. نظرة عتيقة ناتجة عن عقلية متخلفة أكل الدهر عليها وشرب وان كانت سلبياتها وويلاتها الهدامة لا زالت عند البعض .
الوحدة التي نراها ممكنة وفعّالة، هي التي تمرّ عبر تحقيق حد أدني لنظم ديمقراطية مستقرة في كل بلد. الأمر الذي يجعل حدّا للانقلابات في البلدان التي ترمز للوحدة، وكذلك لجعل حد للصرا عات والتآمر بين الأنظمة، كل واحد هو عمليّا ضد الآخر والكل في يعوم في نفس المستنقع. الديمقراطية لن تتحقق بذون الوعي الفردي الذي هو ضد الفردانية والأنانية والذاتية، بل التعبير الصادق للفرد الواعي خارج أي حاجز ذاتي أو خارجي.
حول الإرادة السياسية
تقول بخصو ص” الإرادة السيّاسية لدى النخب الحاكمة وتشير، وبحق، إلى غياب .“العزم والإرادة الصادقة ”
لكن كيف نخلق هذه الإرادة؟ هل يكفي الوعي الثقافي والضغط الشعبي أم نحتاج أولاً لتغيير جذري في البنى السياسية القائمة؟ وكيف نتجاوز مصالح النخب الحاكمة المستفيدة من الوضع الراهن والمرتبطة بعلاقات معقدة مع القوى الخارجية؟
وأقول في هذا الباب، الإرادة والعزم لا تكفي بدون وعي، الذي هو البوصة والا سيحصل الدوران والحركية في نفس المكان. مثلها مثل طاحونة تكرر طحن الشعارات والقوالب السياسية الجاهزة. الوعي هو التربة الصالحة والضرورية
لتصبح الإرادة والعزم، بمعنى الإرادة السيّاسية والعزم الكفاحي، أدوات للفعل الهادف الفعّال. النضال بمختلف أشكاله ضرورة ملازمة لكل مجتمع فيه فوارق اجتماعية وفئوية. لكن الوعي هو الذي يطور الأشكال النضالية والكفاحية وليس
شكل التنظيم. التنظيم بمختلف أنواعه جمعوي، نقابي سياسي اداري…الخ يأتي نتاج مستوى وعي أصحابه. عدم القدرة على استقلالية التفكير لدى الفرد يجعله ينساب مع الأفكار والقوالب الجاهزة. ممّا يكوّن عنده عامل الخوف من أن يجد نفسه خارج القطيع. موهّما نفسه أنه سيكون كالشاة بين مخالب ذأب العزلة. الخوف الباطني هو ناتج عن رواسب العلاقة الأبوية الفوقية داخل الأسرة والمجتمع والتي تأخذ أشكال متعددة باسم محرّمات وتخيّلات.
شكل الصراع مع التحاف الفئوي المسيطر بواسطة الاستبداد بالسلطة أي القمع والسيادة أي الجاه والمال، هو نتاج سيرورة تاريخية موروثة عن علاقات اجتماعية عتيقة تنعدم فيها التربية والأعراف الديمقراطية التي تقر بالحقوق الثابتة للأفراد والجماعات داخل المجتمع. هذه حقيقة جلية في مجتمعاتنا العربية الإسلامية والتي حسب التطور الاجتماعي في كل بلد منها تظهر هنا وهناك بعض الارهاصات الديمقراطية، يمكن تسميتها بالهوامش الديمقراطية، مثلها مثل واحات في خلاء اللاديمقراطية الكاسح. لكن قول هذا لا يعنى عدم إتمام الآية والوقوف عند ويل للمصلّين. ال شطر الثاني للآية، هو أخد هذا الواقع بعين الاعتبار والوعي كون التحالفات الفئوية السائدة، لها مصالح ذاتية مصيرية بالنسبة لها. هذه الذاتية والمصيرية هي الحفاظ على بقائها في السلطة لضمان المال والجاه. السياسات الأمنية والقمعية لوحدها لا تكفي أمام التأثيرات الداخلية، أي المطالب الشعبية المتزايدة والتي تؤدي للانفجارات المتنوعة، انتفاضات، ثورات، انقلابات، حروب أهلية أو مع الغير القريب أو البعيد. ثم هناك التأثيرات الخارجية وهي ما أشرنا اليه في جوهر المقال، أي احكام قانون الغاب حيث القوي يأكلالضعيف ولا يصمد الاّ التجمعات القوية. كل هذا يجعل الأنظمة المستبدة أمام خيار لا ثاني له في العمق وهذا طبعا احتداد
الصراعات الاجتماعية وتأثير موازين القوى الخارجية، أنه يستحال لها البقاء تمتلك لها زمام السيادة والحكم. لأنها في عدم دمقرطة النظام ستضيع السيّادة والحكم معا. وهذا هو ما جعل المجتمعات المستبدة في أوروبا بعد تطور الصراع الاجتماع
والتأثيرات الخارجية، الحفاظ لنفسها بالسيّادة وترك الحكم لممثلي قوى المجتمع المدني عن طريق الاقتراع الحر والعام.
ما يعني هذا؟ العمل على الواجهتين. الواجهة الأولى هي نشر الوعي بكل الوسائل وتعميم فكرة الحرية الفردية ما سمّاء المفكر أنطونيو غرامشي بالمثقف العضوي. استعمال لكلمة مثقف جاءت في ظروف خاصة به داخل السجن والصراع الذي كان داخل الحزب الشيوعي الإيطالي وداخل الكومنتر)الأممية الشيوعية الثالثة(. لكن المفهوم الجوهري لفكرته هي تحرير الفرد من أية رواسب وعقد ليكون فاعلا اجتماعيّا وسياسيّا. هذا الفاعل الواعي والذي نعته غرامشي بالمثقف العضوي، هو الفرد الذي بوعيه تجاوز الفهم الضيّق القوالب التنظي مية داخل المجتمع المدني )سياسيا، نقابيا وجمعويا( الموروثة عن
الصراعات الاجتماعية بأوروبا والتي لازال مفعولها ساريا ليومنا هذا والذي مفاده، في جوهره، بما أن التحالف المسيطر )ارستقراطي، برجوازي، ديكتاتوري…( يستعمل لدوام سيطرة الاستغلال والاضطهاد أدواته القمعية المنظمة، جيش،
بوليس، مخابرات…. لذا على قوى التحر ر داخل المجتمع من أجل التحرر من هذه السيطرة، خلق أدواتها الخاصة في شكل تنظيمات نقابية سياسية جمعوية. وهو ما عبر عنه لينين في تصوره للصراع الطبقي وكيفية حلّه بشكل جدري عن طريق التنظيم الممركز كأنه جيش عسكري.
كان النمط المشار اليه أعلاه، في مراحل تاريخية معيّة وخاص بمجتمعات عرفت تطور مجتمعي حديث. أما واقع المجتمعات العربية، مادامت هي موضوع حديثنا، فإنها حديثة العهد بالحداثة وذات سيرورة تاريخية، ذات تراث حضاري لا بد أخده بعين الاعتبار. هل الإقرار بهذا الواقع المعاش ببلداننا العربية كاف؟ أقول لا، لماذا؟ لأنه في حوزة المواطن والمواطنة الواعية، ما أسميه الانسان الحر في مجتمع متخلف ديمقراطيّا، عاملان أساسيّان.
– العامل الأول هو وجود طاقات بشرية وخيرات طبيعية هائلة بيد البلدان العربية يمكن مع الاستقرار عن طريق السلم
الداخلي والخارجي لأنظمتها، التسريع في بناء وحد اقتصادية صاعدة يمكّ نها في بضعة عقود مضاهاة التجمعات الاقتصادية
القوية.
– العامل الثاني، هو تعميم وسائل التواصل الاجتماعي وإمكانية الاعتماد عليه في نشر الوعي بين مجموع الفئات
الاجتماعية داخل البلدان العربية وخاصة توحيد فكر التحرر والمطالب المؤطرة له. مما يدفع قلب المعادلة التي كانت سائدة
والتي تجعل من التنظيمات داخل المجتمع هي قاطرة التغيير ليصبح الوعي الجمعي عن طريق الحراك الشعبي هو المحرك
الأساسي والتنظيمات الكلاسيكية الدعامة التي تسمح باستمرار مشعل الوعي. بعبارة أخرى، عوض مفهوم الحرب النظامية، في وجه الأدوات القمعية للأنظمة المستبدة، لا بد للمجتمع من أدواته المنظمة، تصبع المعادة كالتالي، في مواجهة أدوات السيطرة المنظمة للأنظمة المستبدة، تخلق الفئات الاجتماعية أدواتها الخاصة والممثلة في تطوير التي اعتمدتها لحد الآن
بالانضمام الى المواجهة المتحركة التي يقودها الوعي الفردي لذي المواطنين والمواطنات الممثل في حراكها وانتفاضاها الشعبية.
المطلبان الأساسيّان كرافعة لدمقرطة الدولة، هما تعميم التعليم والصحة. التعليم لا يعني تعلم القراءة والكتابة فقط، بل جديته حداثته العلمية والتقنية. أما تعميم الصحة فينبغي أن يكون نفسه في مختلف المناطق، مدنها وبواديها، وقاية وتطبيبا. هنا يمكن الوقوف عند ثلاث تجارب اعتمدت تعميم التعليم كمدخل للحداثة.
– أولها التجربة ألألمانية. بعد توحيد الدويلات الجرمانية في تجمع فيديرالي للدولة الألمانية، دعما ل لأسسها الفتية وضع أتو فون بسمارك )مستشار ألمانيا ما بين 1862 الى 1890 ( عام 1880 ، برنامج تنموي قوامه تعميم التعليم مع تطوير محتواه والصحة مع تقوية الوقاية والتطبيب. بعد ثلاث عقود فقط استطاعت ألمنا، التي لم تكن لها من المستعمرات كما لفرنسا وانجلترا، الالتحاق بهما على مختلف الجبهات، والتفوق عسكريّا عليهما ولم تنهزم في الحرب العالمية الأولى الاّ بعد تحالفقويّ ضدها دعمته الوليات المتحدة الأمريكية القوة الصاعدة أنداك.
– التجربة الثانية هي التجربة الصينية التي عممت الصحة والتعليم تدريجيّا لتصبح مؤهلة، انطلاقا من بداية ثمانينات القرن الفائت، دخول حلبة التطور الصناعي والاقتصادي السريع حيث بعد ثلاث عقود أصبحت قوة عظمى تضاهي أمريكا .
-أما التجربة الثالثة فهي كوريا الجنوبية التي بعد أن وضعت حدا للانقلابات العسكرية عام 1964 ونهج النظام الديمقراطي كتناوب سياسي على السلطة، وضعت برنامجا تنمويّا أساسه تعميم التعليم وجديته والصحة وصيانتها للجميع.
ان ما تخسره الدول العربية من التريليونات بالعملة الصعبة لشراء سلاح بوسعها تصنيعه وبيعه للغير، لو صهرت هذه الأموال الضائعة والتي لا تحصنها بتاتا من التبعية أكثر ما تدفعها لتطاحن عبثي مدمرا لشعوبها ولوحدتها مع باقي الدول
التي تعيش نفس الوضعية التبعية منافية بذا مصلحة شعوبها التي لها نفس المصير.
قلت “حول الحتمية الجيوسياسية:
هل التكتل الكبير هو حقاً الخيار الوحيد للنجاة؟ تجارب بعض الدول الصغيرة مثل سنغافورة وسويسرا والنرويج تُظهر أن الجودة والذكاء السياسي قد يتفوقان أحياناً على الحجم الجغرافي. ألا ترى معي أن هناك نماذج أخرى للتكامل لا تشترط بالضرورة الوحدة السياسية الكاملة، بل تعتمد على التنسيق الذكي والمصالح المشتركة؟”
أقول، ان الدول الصغيرة التي شخّصتها في سنغافورة وسويسرا والنرويج، والتي قدمتها كمثال على امكانية الاستقلال الذاتي في عالم يطبعه قانون الغاب، هي أساسا محصنه داخل تجمع يحميها ولا يمكنها أن تعيش خارجه لما يلزم التّموقع في المراحل الحرجة مثل التي تعيشها مجمل البلدان العربية. لماذا؟ لأن الدول والشعوب التي تمثلها، لا تشكل قطبا بمقدوره لعب دورا محوريّا وقائدا لمسار تاريخي للإنسانية كما هو بمقدور القطب أو التجمع الع ربي. فهذه الدول ليس لها رصيد تراثي صلب وفاعل في مجموع الإنسانية. كما أنه مهما عظم الوزن الاقتصادي للدول المشار اليها، فان دورها لا يمكنه اختيارات خارج الإطار العام الذي تتحرك فيه. وهذا على مجمل المستويات، ثقافيا اقتصاديّا سياسيّا وعسكريا. وبذا فهي تابعة للمحيط الذي يسمح لها الى هدا الحد أو ذلك بنوع مهيّن من الاستقلالية. وأنه عند ساعة الصدام فإنها جميعا ستلتزم
باختيارات المحيط الغربي التي هي جزء منه.
– حول الاقتصاد السياسي للوحدة
جاء في نصك: “التجربة الأوروبية التي استشهدت بها، يا صديقي، كانت نتاج عقود طويلة من البناء التدريجي بدأت بالفحم والصلب في الخمسينيات. كيف نتعامل مع التفاوت الاقتصادي الهائل بين الدول العربية؟ هل تعتقد أنه من الأفضل البدء بتكاملات إقليمية أصغر )مغاربية، خليجية، شامية( قبل القفز إلى الوحدة الكبرى؟ “
في رأيي: تطور التواصل الحاصل على على كافة المستويات، اقتصادية، فكرية إعلامية… ليس نفسه الذي كان عليه نهاية الحرب العالمية الثانية، التي بدأ فيها التفكير ثم الشروع في بناء السوق الأوروبية المشتركة. بدأ بالفحم الحجري والحديد الصلب خلال الخمسينات ليتطور بشكل سريع منذ انهيار صور برلين ومعه تفتيت الاتحاد السوفيتي. ثمّ نجده في الوقت الراهن يسير بسرعة حثيثة لمواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية الجديدة. ونراه يتجه نحو الإسراع من تحصين نفسه سياسيّا وعسكريّا. طبعا هناك تفاوت ملحوظ بين دول الكوكبة المتطورة اقتصاديا والتي بنت الاتحاد الأوروبي والدول التي انظمت له بعد انهيار المعسكر الشرقي. لكن هذا التفاوت يقلّ مع تطور وتصليب الوحدة الاقتصادية والسيّاسية. مثل اسبانيا وإيرلندة يؤكد كيف تمكّنا الالتحاق بالركب الأمامي في عقود قليلة بعد انضمامهما للاتحاد. نفس الأمر سيحدث لاتحاد الدول العربية.
منظورنا لاتحاد عام جامع لكل الدول العربية، لا يتعارض والاتحادات الفرعية المؤسسة أو التي يمكن خلقها في المناطق التي لها تقارب طبيعي مثل بلاد الشام )الأردن، فلسطين، لبنان وسوريا( أو بلدان حوض النيل )السودان ومصر( وطبعا البلدان المحيطة بغرب البحر الأحمر )الصومال، اريتريا واليمن(. بل انه من المحبذ تشكيل اتحادات فرعية لسهولة التواصل ووجود تكامل طبيعي وتقارب اجتماعي. لنأخذ مثال أنبوب الغاز الذي سينطلق من نيجيريا مارا ببلدان الغرب
الافريقي ليصل الى المغرب زمنه لأوروبا. بينما كان هنا خط قريب ينطلق من الجزائر الى أوروبا عبر المغرب. مشروع الأنبوبين مهم ونافع، لكن غياب الوحدة المغاربية وقطع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية وحالة التنافر بين الدولتين
الشقيقتين هو الذي دفعهما لاختيار العداء والتسليح عوض بناء الوحدة ولو في شكلها الاقتصادي المحض. وضع المغرب والجزائر رغم حدته لم يصل بشعوب الدولتين الى ما هو عليه الوضع من تشتت وخراب في السودان وليبيا. أن الأوضاع المزية التي تعرفها العديد من البلدان العربية، سببها انعدام الديمقراطية لحل الصراعات الداخلية لكل بلد بشكل سلمي ونفسالأمر بخصوص العلاقات بين الدول المجاورة. أن أصعب وأخطر التحديات المطروحة هي مشاكل الحدود الموروثة عن الاستعمار، سواء في منطقتنا المغاربية أو منطقة الشرق الأوسط بغرس الكيان الاستيطاني الصهيوني.
أعتقد أنه بمقدور الوعي الشعبي تفكيك مجمل العقد والتحديات التي تواجه الوحدة، سواء ما خص الاتحادات الجهوية أو الوحدة العامة. كيف يمكن تطوير الوعي الجمعي، أي الذي يتجاوز المنظورات الكلاسيكية التي همها توظيف الطّاقات الكامنة لذي الفئات المستضعفة لخدمة مصالحها السلطوية. مما يفرض البحث في أساليب تعبوية تنطلق من المصالح المباشرة للمتضرّرين من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المباشرة. مثال حي على ذلك حراك الريف وجرادة ووزازات وأخيرا جيل زيد 212 وغيرها من الأساليب الجديد للتعبئة المباشرة. عبر التعبئة المباشرة يتمّ تجديد وتجميع الطاقات الفكرية والسيّاسية والكفاحية لدى الجماهير من أجل التغير الديمقراطي.
الأساليب المعتادة داخل التنظيمات النقابية السياسية والحقوقية ضرورية، كخلفية لوجستية، لكنها لن تحقق التغيير المطلوب على ضوء ما وصل اليه ميزان القوى السيّاسي والاجتماعي والذي هو لصالح القوى المحافظة. لحد أصبح فيه السياج الذي تتحرك فيه التنظيمات الديمقراطية وصل الحد الذي لا يمكنها، على ضوء السيرورة التاريخية منذ الاستقلال والذي مكّن القوى المحافظة الاستيلاء على مجمل الرافعات السيّاسية والاقتصادية والسيّادية…. هكذا تشكلت نخب بيروقراطية مشلولة الفعل المطلوب لتعبئة الفئات المحرومة. الطابع المميز لهذه الوضعية المرضية، هي سياسة العصا والجزرة. أما تعدد وتنوع الحراك الشعبي فانه يتجاوز السيّاج المعتمد.
أمام المشهد المعقد والمزري الذي تعيشه الشعوب العربية، يبقى السلاح الفعال بين أيدي قوى التحرر والتقدم هو تعميمالوعي كحافز للصمود وتبني حلول سلمية سليمة على المستوى الداخلي لجعل حد للفتن وجمع وتصليب التعاون بين الدول العربية لمواجهة التبعية الاقتصادية السيّاسية والعسكرية. انها عملية مزدوجة الفعل، تحرير الفرد من عقلية العلاقات الأبوية أي الفوقية، وهذا على مستوى السلطة والقبيلة والتنظيمات والعائلة كمدخل لبناء مجتمع ديمقراطي مواطن. وفي نفس الوقت الدعوة الأكيدة الى بناء اتحادات فرعية متماسكة داخل سيرورة تصليب تجمع الاتحاد الكبير. ليس هناك تناقض عند التقدم في مختلف الاتجاهات، بل العكس هو الصحيح، لأن بعضها يكمل الآخر. السلم الداخل لكل بلد أساسه الوعي الديمقراطي وهو يخدم مباشرة الاتحادات الفرعية وتجمع الاتحاد العام. وفي نفس سيرورة بناء الاتحادات الفرعية والاتحاد العام تساعد على بناء الديمقراطية المحلّية التي أساسها الوعي الديمقراطي.
وفي الختام
دمت للوئام والعطاء الفكري المثم ر كما تعهدته فيك