وجهة نظر
توظيف الرياضة في السياسة ومتلازمة العريان والخاتم / الحلقة الرابعة ذ. عبد الواحد حمزة

الحضور الكريم!
هكذا، تَيَمُّناً بأفضال وبركات ثقافتنا الشعبية ( الحكايات، الحس السليم المشترك، الحلقة و الفلكلور….)، لا يسع من يقلب أوضاع و أوجاع المغرب الراهن إلا أن يسجل مفارقات الوضع المحلي الراهن، أن يحقق بلدنا الدرجة الرابعة في سلم الرياضة دوليا، وفي نفس الوقت أن لا يتبوأ إلا الدرجة 123 في ترتيب التنمية البشرية، خاصة وأن تقدمنا في كرة القدم -قاريا وعربيا ودوليا- لدى الكبار والشباب- لا يكفي لتحسين مكانتنا في العالم على مستوى الرأسمال البشري، من جودة الصحة والتعليم والرعاية الإجتماعية و كفاءات و شغل وعدالة وردم الفوارق(…)، لنلاحظ مفارقة فرضية غريبة عجيبة:
كلما ضعفت الدولة- المخزن إلا وازداد الإستثمار في الملاعب الجماهيرية، و الإمتداد نحو الجنوب الإفريقي، بل وأصبحت كم كذا مرات تحتضن بلدنا لعب الذهاب والإياب -معا و حصريا عندنا- و في ملاعبنا، الأمر الذي فاق صراحة كرم الضيافة و بروتوكول حسن الجوار الإفريقي..!!، حتى أن بعضهم -مزهوا- تمنى ورأى في ذلك التمدد مغربا “شبه – كولونيالي” يملئ الفراغ ويخلف خروج فرنسا، مثلا، من مالي، وغيرها.. ولربما حتى يستعمر!! في وقت إستفاقت إفريقيا الحرة من السبات لتطالب باحترام منطق الرابح- رابح السيادي للدول و للأمم…!!!
هكذا وفي مجال تكوين الأطر يسجل الهدر الكبير للرأسمال البشري، لتصبح كذلك- عجبا- المستويات العليا لتكوين الأطر- عدا الإهتمام بأطر الكرة- وتعليم الناشئة وثقافة وتكنولوجيا وعلم شعب معين “سبة” غريبة، وسبب كل البلاويو المشاكل، هكذا !( تذكر خطاب الراحل الملك الحسن الثاني التاريخي في سبقه إلى تقديح ما إعتبره- آنذاك- أشباه-المثقفين، عقب أحداث 1965، لتأتي مصر السيسي-اليوم- بنفس السردية الشقية، وحتى لدى بعض نخبة فرنسا النيوليبرالية، وغيرها) !.
وخاصة -أيضا- أن “جين زد/ 212/25″، يلوح بخروج آخر له -في بلادنا- نهاية مارس المقبل / ‘2026!!، إذا لم يغير تكتيكه، لنهج مساره الخاص وصقل تجربته النضالية النوعية، تنبيها وتجاوزا لمنطق “الطفولة السياسية” التي تنعم في شقاءها العديد من الفئات الشعبية الموسعة ، وإلى الذهاب إلى ما أبعد وأعمق من طرح أزمة الأولويات” الشجاع ببلادنا، هذه المرة- عبر ممارسة سياسية أكثر جرأة- من شعار الشباب الحركي الخافت المعروف: “باراكا من الملاعب بغينا- زيدونا فالمستشفيات والمدارس”! ، وهو الجيل المتحرر من ثقل التاريخ وأسطوانات الماضي، والمسلح بالذكاء الإلكتروني، على غرار باقي شباب العالم المنفتح، اليوم، في الولايات المتحدة الأمريكية و في مصر و غيرهما…
هل وصل تخبط الرأسمالية العالمية المتأزمة وتآكل البيئة والطبيعة – في المراكز قبل الهوامش- اليوم- إلى كل هذا الضيق والإختناق والبوار، منذ 2008 خاصة، لتقبل هذه الأنظمة بكل هذا الفساد( تتبع فضيحة جيفرسن ومن معه من حكام العالم…) وبدعوات الأقليات الأوليغارشية الحاكمة عبر العالم، للتنكر الأرعن لمصالح الشعوب الحرة والأمم، وحتى للتشغيل المنتج لبني جلدتها، في مراكزها -الأم، ممن كونتهم وعلمتهم بيدها في مدارسها ومعاهدها وجامعاتها، بالذات( أنظر دفاعات إيمانويل طود، جاك أطالي، جاك لانغ….من منظري الدولة العميقة والحكامة العالمية الراهنة…. ).
وهو التنكر البئيس في الأصل لقيم الديموقراطية والتنمية والثقافة والتنوير والوعي (أنظر كانت وماركس- إستلهاما- في “أفيون الشعوب”، وتشومسكي في “صناعة الموافقة”، وفوكو في “السيطرة على الأجساد والعقول”، و لوبون غوستاف في “سيكولوجية الجماهير”، و جورج أورويل في “الرضى السلبي” والعروي ع. الله في “تأخر الوعي التاريخي والسياسي” لدى العرب والمسلمين…..)؟
ام أن كل هذا “الإرث النظري العلماني” يلزمه إعادة النظر النقدي، إذ أصبح محط سؤال علمي مشروع مع مجمل الفضائح الأخلاقية التي تفشت لحكام العالم من على جزيرة إبستين الملعونة!؟ ألم يقل أندري مالرو، يوما، أن يكون القرن الواحد والعشرون “روحانيا” او لا/ ولن يكون !!؟ في إشارة إلى أهمية الأخلاق والدين والروح…
عجيب ايضا أن لا يستثمر منافسونا على إحترام فعاليات كرة القدم وغيرها، (كالجزائر ومصر والسينغال ….) في ملاعب الكرة وما تتطلب من تهيئة تفي بالغرض المباشر، لإحتواء الظاهرة، إلا النذر القليل من الرأسمال العمومي الثابت….وأن يصعب علينا الحصول المبكر وتصور دراسة لمعرفة الأثر المباشر -اليوم- على مردودية ذلك كله، على الأقل إلى حدود التنظيم-بمعية لكأس العالم، وبعد ذلك.
وذلك لغياب وتبعثر المعطيات في الميزانيات العمومية، عندنا، مقارنة مع بدائل وإختيارات أخرى ممكنة، إقتصاديةوإجتماعية وسياسية. ألم يكن مجديا، مثلا أن تخطط بلادنا لمواجهة تشققات السدود ( تمإختيار او فرض “التي- جي- في” عكس ذلك، لتيسير أزمة إقتصاد فرنسا النيوكولونيالية، آنذاك ..!) والإستجابة لسكن إقتصادي كريم وتعلم عمومي جيد وصحة أساسية متوازنة لأغلبية السكان المغاربة، أم أن هذه السردية تتطلب إختيارات سياسية أخرى..!؟
ذلك أنه لا يمكن تمثل نفقات و مصاريف ومديونية وخصخصة قطاعات معينة ( أنظر التصريحات المتضاربة لكل من وزير المالية و مدير الهيأة العليا للتخطيط/ 2025..) دون حساب وتقدير المداخيل الفعلية والممكنة المرتقبة، و إنعكاس بحبوحتها على كل عناصر الإنتاج، المباشرين وغير المباشرين، دون تأجيل يراد به إستغباءوتنوبم الفاعلين، أكان على مستوى القطاع الخاص ( أوطيلات، مقاهي، سناكات، نقل، أنشطة فنية….) أو على مستوى العاءلات والمواطنين و في مستوى معيشتهم وقوت يومهم، بالذات، أو لصالح الدولة والقطاع العام، نفسه، فضلا عن ما يجنيه فريق “اللعيبة المستوردة” وكل الطاقم الرياضي المتنوع الخبرات من ريوعو ملايير من جيوب المغاربة- الدولة ( ضرائب، تضخم…..)!
لكن وأن تبنى معالم رياضية فارهة، كأكبر ملعب لكرة القدم ببني سليمان، وان يتمركز ذلك كله في بعض المدن الكبيرة والمتوسطة وعلى رأسها الرباط- العاصمة، وبتجاهل كبير لحاجيات باقي القطاعات الأخرى، وكأن بنا أمام ” إقتصاد ومجتمع رياضة كرة”، وعلى أنقاض تهجير إعتباطي وترحيل على عواهنه و غير مدروس وغير مخطط للناس من أحياءهم ومنازلهم الأصلية، و في عز فيضان آسفي اللئيم، وإطلاق مياه سد القصر الكبير المقاوم، وقبلهما دون تعويض كاف يذكر لضحايا زلزال الحوز- مراكش ( تفيد تحريات ان 70% منهم حصلوا على دعم منقوص..!)…ودون تعزية رسمية أو تفسير للقرارات مما يقع.!
ثم أن يتم إعداد التهويد لمدن بعينها ( بتغيير أسماء بعض شوارعها الرئيسية و بعض أزقتها…..ورفع علم الكيان من على الحدود مع الجزائر….)، وإفراغ المساجد من المصاحف، لتأمينها وضبطها وقفلها إلا في أوقات الصلاة، وإغلاق “المسايد من المحضرة”، دون بديل تعليمي- تكويني علمي منهجي قوي (والتي كانت على الأقل تذكي لدينا مهارة الذاكرة- الحفظ ( خزان هائل من الكلمات والآيات والصور والعبر والتدبر ….) ….والنقل….قبل مسألة حيوية الإيمان و حرية العقيدة، وهو أمر مكتسب لم ولن يلغي ابدا لدينا قيمة الفكر و النقد والحضارة والإرتقاءوالتقدم،….والبقية تأتي(…)!!.
وكأن الكل يجب أن ينسى ما وقع من أزمات ومفارقات النمو و التنمية، وكل تلك الكلفات التي بنيت بها ملاعب النخبة، تلميعا خارجيا، على الخصوص، وليس هي برياضة للجميع، بالرغم من جماهيريتها المزعومة ( أنظر ملاعب القرب بالأداء وإجلاء أبناء الفقراء ممن قد نضيع في مهاراتهم… )، ولا حتى توزع مبارياتها على القنوات الرسمية بالمجان، غيلة في من ليس لهم من الفقراء ثمن التذكرة للتفرج في الملاعب، و لا فرصة الوقوف أمام الشاشات الكبرى في الأحياء المخملية المحروسة، ولا حتى البوليصة بالأداء لفرجة جماهيرية يتيمة في مقهى الحي…!! بحيث لم تلبث الألعاب أن إنتهت والهدنة ان أدت دورها والتلميع أن فتر، حتى عادت حليمة لعادتها المستحدثة، لتدشن وتتمم مباشرة عمليات التهديم والتهجير والبناء، وفق مخطط تنموي خفي ظاهر مرسوم…!!
-ذ. عبد الواحد حمزة، سوسيواقتصادي
عضو مركز بنسعيدآيتإيدر للأبحاث والدراسات /عضو المجلس الوطني للاشتراكي الموحد/رئيس الجمعية المغربية للتنوير/ كاتب عام للحزب
تمارة في 14 نوفمبر 2026



