تحل الذكرى 15 لحركة 20 فبراير المجيدة معتبرين إياها في الإشتراكي الموحد – فرع تمارة لحظة مفصلية في تاريخ النضال الوطني السلمي الديموقراطي بالمغرب، بحيث أول ما حملته هذه المطايفة بين طياتها تكسير جدار الخوف المقيت لدى المغاربة، عموما والفاعلين على وجه الخصوص، لتعيد طرح معنى المشاركة السياسية، فإستشكال تفعيل- تطبيق إستراتيجيية السيادة الشعبية.
و معلوم أن تحركنا في الأجهزة الحزبية و حيويتنا في المجتمع السياسي يمران عبر وثيقة/ أرضية السيادة الشعبية الرسمية، التي تبناها المؤتمر الأخير للحزب، غير أن تلكما الحركة والحيوية تبدوان مزعجتان وغير مطمءنتان للبعض من هياكلنا وأطرنا، فأين يكمن سوء الفهم والخلل والشد والجذب بين الأطراف، في السياق العام أم في تصور وتطبيق القيم الناظمة للمنظومة الحزبية بالذات، وعلى رأسها حدود تطبيق المفهوم الكوني للديموقراطية.
وعليه سيحاول تعقيبنا السريع هذا الإحاطة بالموضوع والإحالة إليه، مباشرة أو ترميزا، من خلال تشخيص وتبيان أزمة الديموقراطية، عندنا ومن خلال أزمة الديموقراطية التمثيلية، بالذات والصفات، وما توشي إليه من أضرار الإبدال السياسي المسيطر، من جهة ومن خلال أهمية الإلمام بالحركات الأجتماعية، مواكبتها او تأطيرها، بالضبط، من جهة أخرى؟
هكذا يبدو هذا الطرح مشروع بإعتماده آلية جديرة بالتنويه ، أكثر من أي وقت مضى، تساوقا مع فشل الإصلاحات الفوقية و بإستمرار الإستبداد والفساد وما نعتبره من تغول الليبرالية والصهيو- أمبريالية في بلادنا.
ولهذا سيأخذ تعقيبنا هذا على الندوة شكل نقطتين، الأولى تتغيى في موت وإختلال الممارسة السياسية ببلادنا، والثانية، رجوعا لمفهوم الديموقراطية بالذات، ستحاول تبيان قصوره البنيوي العام كمفهوم كوني مميز في تجربتنا السياسية الخاصة لحزبنا و بالمغرب.
أولا: طرح قوي جاء نتيجة تراكم مرير لتفريغ السياسة من مضمونها التحريري، وذلك نتيجة فبركة الأحزاب وجعلها بدون طعم ولا رائحة. وهو ما أعطانا حقل سياسي مغربي هش ومبلقن وضعيف المعنى/الأفق الأيديولوجي، ليفقد وظيفته- الأساس كوسيط بين المجتمع/ الأهالي والدولة- المخزن.
فشعار الندوة الداعي إلى إستمرار الذاكرة النضالية حية، في نموذج حركة 20 فبراير، ليس لغرض ما في حد ذاته، وإنما لتجديد الممارسة السياسية عندنا.، في علاقة جدلية للحاضر بالماضي، حاضر يستنطق الماضي، هفواته وإخفاقاته، وكذا إنتصاراته الجزءية، ويستلهم منارات ودروس الماضي في أفق حسم المعضلات المتشابكة في المستقبل المنظور.
وقد لاحضنا في المدى المتوسط والقريب تحولا في البراديغم/ البرنامج الفكري السياسي الناضم للفعل السياسي ببلادنا -بالمفهوم الذي خبره كارل بوبر وغيره من الأبستمية ( لا كاطوس، كيون،….)-، وهو بمثابة إنتقال محجوز من إبدال متقادم ومتآكل لكنه يتحكم في المقود، وآخر صاعد ومشوش عليه يروم ديناميات الحراكات الإجتماعية- الشعبية، وهي القوى السياسية- بطريقتها- المبدعة الفعلية المتجددة، والتي فتحت طريقا جديدا النضال الديموقراطي، حسب تعبير الفقيد إبراهيم ياسين.
وأمام هذه النشاطية هناك إفلاس حزبي تنظيمي رسمي شبه-كامل، تغزوه الدوغماءية والإنتخابوية والإنتظارية والخضوع والمراقبة الذاتية والتطبيع مع الخوف- الذي عاد وكاد أن يتأصل في سلوك العبيد- منا…!!
هناك أمثلة عديدة لذلك الأرخبيل/ الهاكتيفيزم السياسي المميز، والذي نجده مع حراك 20 فبراير ، بالذات، إبانها، وفي بعض إمداداتها وروحها النابضة، وحراكي الريف وجرادة، وقبلهما معا، ونضالات التعليم والصحة، وجين زيد 212/ 25 و التنسيقيات والشارع….وهي حاضنة خصبة وسانحة لا محالة لتجديد وإعادة بناء الحقل السياسي اليساري الديموقراطي المتجدد والمستقل عن ألاعيب الدولة- المخزن!
.
ولدينا اليقين أن إرادات شعبية متعددة لا تنتج بالضرورة، رياضيا، إرادة عامة Volonté générale. وهو ماطرح علينا كمناضلين سؤالا راهنيا ومحوريا: كيف نحول الإرادات المتفرقة إلى قوة عامة volonté publique générale ، مما يقلق النظام السياسي أيما قلق ? وهو الذي لم يتأتى إلا بنسج علاقات عضوية مرنة وفي الميادين مع النضالات المجتمعية برمتها، وذلك لتحويل و تشبيك المطالب الفأوية والمجالية، أكان على المستوى الوطني، المغاربي او الدولي، إلى قوى ضاغطة كبرى وذات مردودية، بلا شك !.
إعادة المعنى للسياسة يمر عبر تنظيم الغضب المازوم والإحتجاج الشعبي، نفسه، وألا يختبىء الفاعل السياسي وراء ضعفه وخوفه وأن لايحمل عملية الإحتجاج بالذات إلى حصان طروادة يركبه و صرخة الشباب ألى ما لا طاقة له به، وكذا فتح أفق تحررري حقيقي للشعب المغربي قاطبة.
إنه يمر كذلك عبر تجديد قوى اليسار الجديدة المتجددة- كضرورة تاريخية ملحة عقلانية- على حدود دنيا برنامجية وغير عاطفية “جدا”…
ثانيا: إذا كان حزبنا الإشتراكي الموحد يؤكد على أن معركة الحرية والتحرر والعدالة لازالت مطروحة ومفتوحة إلى الآن، فإننا نرى أن لا سيادة شعبية فعلية ممكنة في بلادنا دون إحداث شرخ وهرس وكسر في الجدار الواقي لنظام ملكي شبه -مطلق، وذلك في أفق إحقاق ملكية برلمانية حقيقية، أو من أجل دستور ديموقراطي يفصل السلط صراحة ويوسع مجال تدخل نواب الأمة..
لكننا نلاحظ -أسفا- بؤس الديموقراطية الداخلية الضامنة لتحقيق هذا المبتغى السياسي الواعد، وهو ما خبرنا بعضه في أحزابنا اليسارية عموما، وإنطلاقا من تجربتنا الخاصة فيها وفي اوساطها و….عتماتها!
الملاحظ أن الديموقراطيات او المشتبه بها، عندنا وفي العالم أجمع، في حاجة ماسة بأستمرار إلى ديموقراطية علاجية Démocrtatie thérapeutique، كما يرى فوكو، وكأن المناضلين مسهم شيء من الشر والشيطان ويجب علاجهم في “مصحات سياسوية” او كلينيكات وسجون تفي بالغرص، لضبط أرواحهم وعقولهم المتمردة !. يتجلى ذلك في تحميل وزر السيبة ومسؤولية التسيب- اللا إنضباط الضروري اللازم- حقا- على النشطاء، وكذا التضييق على المبادرات الفردية والجماعية، الوطنية والمحلية، تلك التي يضيق صدرها بالأطار التنظيمي والإستراتيجي الصلب ..لا أحد يشك في أهمية تنفيذ القرارات المنظمة للسلوك السياسي الحزبي، لكن لا يمكن إستساغة الخضوع الأعمى و تحمل ثقل الإنتظارية القاتلة مع مناظلين نشطين تحدوهم المبادرة الخلافة….
ويبدو أن التاريخ البعيد والمتوسط للديموقراطية، أو من تنعث نفسها كذلك، هو تاريخ الإبعاد والإقصاء للمناضلين يعتبرهم أهل الحل والعقد (المركز/ المكتب السياسي، اللجنة التنظيمية….) مشاغبين…وغير مرغوب فيهم…!!
نعلم أن الديموقراطية عموما تدعي المساواة، مثلا؛ لكنها تطبع مع التراتبيات ( تذكر إقصاء عبيد أثينا في الديموقراطية اليونانية المباشرة القديمة من الحق في المشاركة السياسبة، وإلتحاق المرأة بها لاحقا،.. )، وحيث تبدو هذه الأخيرة من صميم “الديموقراطية المكذوب عليها”، بالذات، ديموقراطية الأسياد والحكامة الدولية.. ! ( أنظر تجربة رفاقنا باشتوكة آيت باها، منع المكتب الإقليمي والطرد والشكوى بلاقانونيته لدى الداخلية، و الجرجرة أمام المحاكم…مما خرج للعلن!. ).
ولذلك أمام بلقنة النضالات وتشتتها يبقى السؤال المطروح هو كيف نعمل جميعا ، أوكل كن موقعه، وبأي حد أدنى مشترك متفق عليه لإخراج أرادة شعبية عامة وهادفة وجذابة للتغيير المنشود، انطلاقا من إرادات متعددة وجزءية ضعيفة نسبيا رغم قوتها الظاهرة. !؟
الجواب لحد الساعة هو الأخذ بإرادة الأغلبية. والحال أنها إرادة مستبدة، حتى أنه لا معنى لها، بدعة و مصطنعة، وحيث الأقلية تجبر على الصمت، كما يتم التضحية بمصالحها ورغباتها الحيوية المشروعة. والحقيقة- ايضا- أن إرادة الأغلبية تبدو أسطورة ضرورية لا غير لشرعنة الديموقراطية، ليس إلا، وحيث الديموقراطية آلية السلطة لتكوين الأغلبية، بالذات..!
والأجمل والأخطر أن تلك الأغلبية كثيرا ما تصنع في الضلام، إنطلاقا من تلاعبات التحكم بالرأي الحزبي العام! ( طمس المعطيات، التجييش، تحايل على الرأي العام و على مناضلين غير مرغوب فيهم….).
وفي الأخير إذا كان التناوب السياسي للنخب ألية ضرورية للاستقرار السياسي والحزبي بالبلاد، فإنه بالتأكيد لا يسمح بالتغيير والتحويل المجتمعي الشامل، فما البال إذا أقفل الإستبداد باب التناوب نفسه، وكسر آليات التداول الداخلية للمنظمات الحزبية والسياسية وغيرها ؟
أليس العمل بالتيارات آلية سياسية مرنة مبدعة قد تعيد للديموقراطية الداخلية بعض سلامتها وللسياسة بعض معناها !؟ أم لم يعد هناك في بلدنا إمكان لأطروحة فكرية سياسية جامعة ( ساعف، 2026)، داخل نسق سياسي شبه-مغلق ( طوزي، 2025) ?
ذ. عبدالواحد.حمزة
كاتب الفرع.