نعيمة ايت إبراهيم-تطوان
منذ عرضها على شاشة القناة الثانية (2M)، استطاعت سلسلة بنات لالة منانة أن تتحول إلى أكثر من مجرد عمل درامي، لتصبح مرآة فنية لمدينة شفشاون، المدينة التي تختزن بين جدرانها الزرقاء تاريخًا روحانيًا واجتماعيًا متجذرًا في العمق المغربي. وببطولة لافتة لكل من سامية أقريو، نورة الصقلي، سعدية لديب وسعدية أزكون…
نسجت السلسلة حكاية نسائية بامتياز، جعلت من تفاصيل الحياة اليومية مادة درامية نابضة بالحياة.
العمل لم يسعَ إلى تقديم درس في التاريخ بقدر ما حاول ملامسة روح المكان، فاستحضر خصوصية المجتمع الشفشاوني المحافظ، وعكس شبكة العلاقات العائلية المعقدة التي تحكمها الأعراف والتقاليد. الأزقة الضيقة، البيوت المتلاصقة، اللباس التقليدي، وحتى نبرة الحديث المحلية، كلها عناصر منحت السلسلة صدقًا بصريًا وثقافيًا، وجعلت المشاهد يشعر أنه أمام صورة قريبة من الواقع. غير أن الإنصاف التاريخي لا يُقاس فقط بجمالية الصورة، بل بمدى دقة تمثيل التحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشتها المدينة.
وهنا يبرز الجدل؛ فبينما يرى البعض أن السلسلة أنصفت شفشاون حين سلطت الضوء على المرأة ودورها داخل المجتمع، معتبرين أن هذا البعد الاجتماعي جزء أصيل من تاريخ المدينة غير المكتوب، يذهب آخرون إلى أن الدراما اختزلت التاريخ في صراعات أسرية، وأغفلت جوانب أعمق من التحولات التي عرفتها المنطقة عبر العقود. لقد انتصرت السلسلة للبعد الإنساني أكثر من انتصارها للبعد التوثيقي، فاختارت أن تروي الحكاية من داخل البيوت بدل أن ترويها من صفحات الكتب.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن “بنات لالة منانة” أعادت الاعتبار لصورة شفشاون في المخيال الجماعي، وقدمتها كفضاء حيّ ينبض بالتناقضات بين الأصالة والتغيير. ربما لم تقدم تاريخًا كاملاً، لكنها نجحت في إثارة الأسئلة حوله، ودفعت المشاهد إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدراما والذاكرة. فالعمل الدرامي ليس وثيقة أرشيفية، بل قراءة فنية للواقع، وقد تكون هذه القراءة أحيانًا أصدق في التعبير عن روح المدينة من السرد التاريخي الجاف.
نعيمة ايت إبراهيم
تطوان