وجهة نظر

حركـة 20 فبـرايــر من المساندة و التـنديد الى العصيـــان المــدني محمد المبــاركي( الباب الثالث)

في الاقتصــاد التعــاوني

أولا شكرا للقراء و الأصدقاء الكرام الذين تجاوبوا مع الحوار و مدوه ببعض اقتراحاتهم و تصوراتهم،لأن المسألة التي نعالجها تتطلب جهدا جماعيا أكيدا لفك عقدها و حل مكونات معادلاتها . السؤال الذي يفرض نفسه ،يتلخص كالتالي،  بما نبدأ و الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية هي كما كان حاصل عند اندلاع الحراك السلمي ؟ ضعف و تشتت القوى اليسارية.رغم الصمود و المقاومة هناك انعدام الفعّاليّة نظرالتفتت الجهود و الطّاقات في عدة تنظيمات لا تقوى على تعبأة الجماهير الشعبية التي تدعي تمثيل مصالحها و تجسيد مطالبها .هناك ضعف مردودية العمل النقابي و انحصار المد الجمعويالحقوقي . في المقابل نلاحظ تفشي اقتصاد الريع و الربح السهل عبر التفويت و انعدام المحاسبة ، الأمر الذي يتولّد عنه المزيد من التفقير و التشريد للفئات المتعاظمة من الشعب . أمام هذا المشهد الدرامي و هذا الوضع المتأزم ، المنخور سياسيا و المتضعضع اقتصاديا و اجتماعيا انطلق الحراك الشعبي المطلبي السلمي بدافع من شباب حركة 20 فبراير الحضارية السلمية و التي تمكّنت عند ظهورها كمحور للعمل السياسي و الاجتماعي و كقوة بإمكانها قلب ميزان القوى لصالح التغيير الديمقراطي .  لكن بعد أزيد من سنة عن انطلاق الحراك الشعبي ماذا تحقق و كيف ينبغي تطوير أساليب العمل لضمان الاستمرارية و الفعل الضروري لتحقيق التغيير ؟

 

ا- مـا هي أسبـاب هذا الانحصــار ؟

أولا :ان الهياكل التي بنى النظام سلطته عليها لم تعد بالضعف الذي كانت عليه خلال المرحلة الممتدة من 1956 الى 1972 ، تحديدا بعد الانقلابين العسكرين اللذان كادا يقضيان على وجوده ، الأمر الذي فرض عليه الانفتاح على أحزاب الكتلة الوطنية التي جسدت الاستمرارية التاريخية  لمطالب الحركة الوطنية . ثم جاءت قضية الصحراء عام 1974 والتي جعلت منالنظام رمز التحرير بدون منازع بعد المسيرة الخضراء في 1975.بعدها لم يعد للقوى السياسية الوطنية سوى الدفاع عن مواقفه بالصيغة و الطريقة التي يرسمها ، حيث لم يتم التهاون في اعتقال عبد الرحيم بوعبيد ، أحد رموز الحركة الوطنية و قائد أقوى حزب في الساحة السياسية أنداك ، كونه صرّح عام 1981 أن القضية الوطنية لا تقبل أي استفتاء حولها لكونها مقدسة . و جاء استفتاء دستور 1996 ليصفي الساحة السياسية من أي معارضة  شعبيةباستثناء اليسار الراديكالي و جماعة العدل و الاحسان . التعبير السياسي الذي جسدته حكومة التناوب التوافقي يتلخصفي كون مقولة عزلة النظام سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا متجاوزة ينبغي وضعها في رفوف المرحلة السالفة. أما المرحلة الراهنة فهي عكس ذلك و على المطالبين بالتغيير استيعاب الوضع الجديد و التأقلم معه.

ثانيا  :  بالموازاة مع هاته السيرورة التي سمحت للنظام القائم تمثين سلطته على مختلف الواجهات ، كان هناك انتعاش لليسار الجدري الذي صمد في وجه سنوات الجمر و الرصاص و تمكن ابتداء من ثمانينات القرن الفائت خلق اطارات داخل المجتمع المدني جمعوية حقوقية و تنموية يرتكز عليها لاستمرارية مشروعه التغييري و الى جانبه و في صراع معه تواجدت القوى الاسلامية ، بما فيها التي لها مشروع مخالف للنظام القائم كجماعة العدل و الاحسان .  هكذا لما انطلقت حركة 20 فبراير ، بداية السنة الفائتة و جدت نفسها متشبعة بمواقف اليسار المناضل عند  طرح مواقفها مع الاحتفاظ لنفسها في وضع الأساليب الخاصة بها في تحريك الشارع المغربي لتحقيق ذلك .  هذا سواء في الداخل أو الخارج .

ثالتا  :  اذا كان قيام الحراك الشعبي قد غير المعادلة السياسية لعدة شهور ، الا أن النظام تمكن من احتواء السخط الشعبي بتفعيل الواجهتين السياسية و الأمنية . على المستوى السياسي  جاء خطاب 9 مارس و المسلسل الذي دشنه في سن دستور جديد و استفتاء فاتح يوليوز ثم انتخاب 25 نونبر 2011 . هذا من جهة و من جهة أخرى تمكن فك دعم جماعة العدل و الاحسانعن حركة 20 فبراير و دفع قيادة الاتحاد المغربي للشغل أولى المركزيات العمالية الى أقصاء اليسارين المؤيدين للحراك الشعبي من صفوفها . بموازاة مع الالتفاف السياسي استمر العلاج الأمني بتوجيه قمع تصاعدي و ممنهج للبؤر الأكثر حراك و الأكثر مواجهة .

 

2- أمام هاته الوضعية المطبوعة بربح الوقت لتدجين الحراك الشعبي ، ما العمل ؟

  لقد تمكنت حركة 20 فبراير تحريك الشارع ، الشيء الذي لم يكن في مستطاع قوى اليسار مجتمعة – أو أية قوة أخرى- ، نظرا لما أشرنا اليه و نظرا لأسلوب المباغتة الذي جاء به الحراك الشعبي . كان لهذا الحراك أن يفرض مشروع التغيير كما تبناه ، مثل ما حصل في تونس و مصر ، لو كان النظام لا زال سجين العزلة الخانقة التي عرفها قبل بداية السبعينات للقرن الفائت و حيث الجيش كان مؤهلا دخول العملية . عكس ذلك هو الوضع الذي واجهه الحراك ، نظام في أوج تمكنه من السلطة ، لا معارضة تواجهه غير اليسار المناضل ذا الفعل المحدود رغم صموده ونضاليته و الذي يعيش يعرف صراعات داخلية .

لتجاوز هاته المعضلة الشائكة وجب دمج قدرة تحريك الشارع الذي دشنته حركة 20 فبراير مع قدرة التأطير التي تتوفر عليهاقوى اليسار المناضل أي كيف ينبغي لهاته الأخيرة المرور من موقع التأييد و المساند و الاستقطاب لشباب الحراك ، الى مستوى الانصهار العضوي و الذي لن يحصل الا بالوحدة التحريضية و التأطيرية لمجموع المكونات اليسارية سياسية نقابية و جمعوية . يمكن لذا أن يحدث عبر مناظرة عامة في شكل تحظير لمؤتمر شعبي عام ينتج عنه أداة سياسية يسارية متمثلة في تنظيمات عدة موحدة في ” جبهة اليسار” أو أي شيء من هدا القبيل. الوحدة السياسية لا تعني الوحدة التنظيمية، وحدة تأطير الحراك الحاصل عبر دينامية استراتيجية.

 

بما نبدأ ؟: الاقتصـاد التعاوني و التضامن الاجتماعي

 لتطعيم الحراك و ضمان استمراريته يلزم وضع برامج تعبوية تدركها الجماهير الشعبية بالملموس ، ترفع من معنوياتها و قدرات وعيها بضرورة التغيير و التشبث به . هذه البرامج العملية يلزمها أن تكون في ادراك مجموع الناس ، ناتجة من واقعهم المعاش و مغروسة في كيانهم وآمالهم ، مثل روح التعاون و التعاضد الذي شكلته الروح الجماعية . الى جانب هذا تُطعّم المشاريع بالمفهوم العلمي الحديث ، لخلق دينامية ثورية سلمية و طوعية .

هاته المشارع الاجتماعية و الاقتصادية ينبغي لها أن تعم مجموع الأماكن و المناطق من الدشر فالدوار فالقرية فالحي فالمدينة و المنطقة و عموم البلاد .نسيج هاته المشارع العامة و الخاصة هي الاقتصاد التعاوني أي خلق تعاونيات على كافة المستويات مع الاستدراك كون اليد الواحدة لا تصفق و أن الله مع يد الجماعة و العمل الجماعي .

– خلق تعاونيات فلاحية على مستوى الدشر و القرية و القبيلة و المنطقة و عبر مجموع البلاد . هاته التعاونيات ينبغي لها أن تجيب لحاجيات المواطنين الضرورية من أكل و ماء صالح للشرب و سكن و تدريس و تصحيح….

-خلق تعاونيات للبناء عبر دور فردية يتعاون المواطنون فيما بينهم لبنائها ضمن أحياء جميلة تتوفر على كل المؤهلات الصحية و التعليمية و الثقافيةوجدائق للترفيه والرياضة.

– وضع تعاونيات لتعبيد الطرقات بما فيها السيارة و الأزقة و السدود ….

كما يمكن تعميم هدا المنظور للانتاج بخلق تعاونيات تجارية و اقتصادية و صناعية و منجمية و بنكية . كل هذاضمن دينامية تسمح للمواطنين تسيير أنفسهم بأنفسهم عبر اكتفاء ذاتي. و الدولة هنا مطالبة بامداد المؤهلات و المساعدات اللازمة مثلا عوض تفويت الأراضي للمضاربات العقارية سيتم توزيع الأرض لمن يحرثها و لمن يبني فيه مسكنه الآمن . بمعنى أن العصيان المدني هو بناء مجتمع التآخي و التعاون و التكامل و أن الدولة فيه هي لخدمة المواطنين و ضمان التوزيع العادل للخيرات و ليس أداة تسلط في صالح الأقليّة المستبدة.

يتبع

محمد المبــاركي

1 أبريل 2012

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى