وجهة نظر

توظيف الرياضة في السياسة ومتلازمة العريان والخاتم ذ.عبد الواحد حمزة (الحلقةالسادسة)

 

الحضور الكريم !

في ما يخص كرة القدم/ كأس إفريقيا، بالضبط، كثر هم من تلحفوا سلهام وقميص وطربوس ورايات العلم المغربي الموقر المطرز بالنجمة الخماسية الخضراء/ على مزار فاقع الاحمرار، مزهويينكالعادة وأكثر، ومن تمنى لو يمكن عزل الرياضة نهائيا عن السياسة، حتى ينعم المواطنون/ات بنصيب من المتعة النقية والفرح المشروع، و أن تكون المباريات غير مسيسة بالمرة وفضاء نزيه للتلاقي والمحبة، ومن صفق أكثر لإحراز المغرب المرتبة الثانية بعد السينغال في مسابقة كأس إفريقيا للأمم/ 2025، وتأسف لضياع ضربة جزاء “الغير المفهومة”، أو “المفهومة”، لا فرق!، وأثنى بحماس على أن يحتل بلدنا بالمناسبة مرتبة فارقة رياضيا عربيا و في شمال إفريقيا و عالميا(….).

وقد قدم لنا الإعلام الوطني بكل فخر وقصد، ومن أمام عشرات الكاميرات و الأبواق والمنابر الإشهارية، طينة جديدة من “الوطنيين والمقاومين الجدد”، و ” الناجحون المتميزون” الصاعدون غالبا من رحم الفقر والهجرة، عموما، بما يليق والعهد الجديد، من المفوهين من أهل الرياضة، في أوقات ذروة التلفاز الرسمي، حيث اللغة المسطحة والفقر الثقافي والهوية المبعثرة ….، في إنتظار بلورة أهل العلم والثقافة والفن والإبداع و الإبتكار الحقيقي، وإستقبالهم البطولي أكان في شوارع المملكة أو من على  الإذاعة والتلفزة الرسميين او من على منصات التواصل الإجتماعي….!

كل هذا الإيثار يبدو منطقيا، إذ يتم أخذا بالإعتبار لكل هذا المجهود الإستثماري الضخم لبلدنا في البنية التحتية الرياضية وأهلها، المنتقاة بعناية مقصودة، في إتجاه معقل المدن التي احتضنت وستحتضن الألعاب المقبلة، والذي أنجز في غفلة و وقت فائق السرعة، وإن تم الطحن -في طريق ذلك- للنسيج السوسيوثقافي لمآت من العائلات ومن الأحياء القديمة وتلك الموجودة في قلب المدن العتيقة….والتي لم تعد تنفع معها كرامات وتراث بروتوكولات هيأة الأمم المتحدة…المتداعية، اليوم ( أنظر تقويضها بمجلس السلام العالمي/ الترامبي ومن معه، نتنياهو، مثلا!!!…!)!!

لكن لابد من التساؤل عن البنية الناظمة إلى هذا الحد أو ذاك، “الكاتبة لكل هذا السيناريو” الذكي والناجح و المحكم، إلى حد ما، وعن الفاعلين المركزيين- الهامشيين على المستوى المحلي – الوطني والإقليمي والدولي، المستفيدين- الساهرين من وراء جدار على الظاهرة – الحدث- اللحظة- الهزيمة والخلاص والإستخلاف، عددهم، طبيعتهم، أهدافهم وإستراتيجياتهم “الجهنمية”  !؟

و ذلك منذ أن تألق فريقنا/ بلدنا في كأس قطر وكاس العرب و بأمريكا اللاتينية في محافل كؤوس الشباب، بل وفي أفق مشاركته القادمة- إلى جانب إسبانيا والبرتغال- التحضير لاستحقاق كأس العالم لسنة 2030، مما جعله يضع نفسه مقام الاستثناء العربي والإفريقي، حد غلو الأنا والنرجسية المريضة و نوايا الابتلاء والمُظْلِمَةُ.

كثيرا ما تتربص الشوفينية الممتزجة بنكران عجيب للذات وبالإحساس بالغربة و بالحكرة والترهيب، لدى العديد من الناس في آن واحد ….حد التفريط في الاحترام الواجب للوطن والشعب وبالشخصية المغربية الأصيلة و السائرة على نهج “المعاصرة المحجوزة”( .. .)!، خاصة وأن بلدنا كان ولا يزال محط مطامع الكثيرين بموقعه  في قلب العالم- حضاريا او على الأقل جغرافيا-  وأنه كان دائما معتد ومكتف بنفسه وكرامته ونخوته وبحاجياته وموارده وقاداته، حتى في عز ما يسمى “السيبة” والتسيير الذاتي للقبائل….!!

وإذا كان لنا أن نعتد بحدث بارز -واعتبره تجاوزا “الحدث المميز”  في منافسات كأس إفريقيا للأمم 2025-، لكان دون مواربة تلك الوقفة الشامخة الصبورة  الثابتة -طوال مجرى المباراة و لساعتين كاملتين- للسيد ميشال كوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي لبلاده، مذكرا برمز خالد من رجالات الحركة الوطنية الإفريقية، باتريس لومومبا( وقفة لم تنل منها البتة سخافة بعض الجمهور واللعيبة البلداء ضعيفي الحس الوطني والتحرري والإستقلالي…)، (….). ولا حرص ” مول لبومبا” على إغراق المغاربة في شظف العيش ونجاحه الاستثنائي الفردي ( انظر تصنيفه العالمي).

أكثر من هذا، وإن -على أي- لم نربح الكاس/ لاكوب، وإن شربنا مرارة الفشل الغامض والشقي، وإن لم تطبق توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة، مما ترك الباب مواربة لإقتراف والتطبيع مع جرائم نظامية أخرى ممكنة، أن يجعلنا ذلك صراحة، ومن قلب المدرجات، في وضع إحتمال/ إمكانية / تجرؤ /تذكر/ زهو وتمثل التنويه بشخصيات وطنية تحررية مناضلة شعبية مقاومة تاريخية، بالذات، ناضلت ولا زالت روحها حاضرة تخيف الحكام من أجل المغرب الحر المستقل النامي والديموقراطي، المنعتق من ربقة الفساد والإستبداد والظلم، على غرار ما قام به المشجع البطولي الكونغولي الرائع.

ذلك كأن نستدل ونفتخر- ومن على مدرجات الملاعب وتحت أضواء العدو والصديق- و” بالتيفوات” الباهرة للعالم، والتي نتفوق بها جدا على العالمين، برموز وطنية مغربية شامخة لن يطويها النسيان ولا النكران أبدا، كعبد الكريم الخطابي ( نتذكر سحب بوليسي للافتة في مدرجات ملعب كرة القدم بآسفي/ 2013، المكلومة اليوم) أو بن بركة، عريس الشهداء، أو غيرهما، ممن لحقه وعرف شبه مصير باتريس لومومبا، اليوم(…)، لنستنتج – ربما جميعا-  أن الكرة سياسة محققة، و أنها -بإحدى المعاني- فرصة للتكريم والتبريز والإشهار وواجهة مضادة للنضال السياسي الرمزي والسلمي..  !!

وذلك خاصة -أيضا- ونحن على مرمى حجر من فعاليات كأس العالم أو غيره، وقد أصبح متيسرا ومطبعا فيه لنا في الرباط/ المغرب، مثلا تدشين شارعين كبيرين لمعارضين سياسيين كلاسيكيين، الأول لعبدالرحيم بوعبيد والآخر للشهيد بنبركة، على سبيل المثال  لا الحصر، و شارع آخر ، بعيد في فاس، لبنسعيدآيتإيدر، السوسي، و آخر لعبد الرحمن اليوسفي بطنحة،  وغيرهم من المناضلين المغمورين، وقد نحلم بلافتات في الملاعب تدعو يوما إلى تصفية الأجواء السياسية ببلادنا، وقد نتفوه بإطلاق سراح معتقلي الرأي والتعبير ونظاهر في لافتات وشعارات بمظلومية السجن الطويل الغير المقبول للزفزافي وأصدقاؤه (،..)، مثلا، لا الحصر..!، وأن لا نكتفي بصعوده البطولي إلى السطح للمرة الثانية، والتي هي ليست في نفس سياق ومعنى اللحظة الأولى، إبان حراك الريف…!

لا نظن ان هناك اليوم -صراحة من شبان جين زيد الصاعد، المتعلم والذكي، ومن فتح الإعلام الإلكتروني بصيرته أكثر مما فعلت المدرسة العمومية،  وهو -بتاتا- غير جيل بداية إستقلال بلدنا/ الخمسينات من القرن الماضي، طبعا، من سيثق، الآن وهنا، بجدوى الصورة الوطنية التعبوية الوحدوية للملك الراحل محمد الخامس في القمر، والتي طبلت لها الحركة الوطنية بالذات، أو إضطرت لذلك إعتبارا ودهاء وتبريرا لضعف المستوى الثقافي للمغاربة، آنذاك..( أنظر تصريحات رئيس الحكومة السابق بنكيران و السجين النقيب الخدوم للسلطة زيان، لما يزيد عن خمسين سنة، وغيرهم، ممن إختلط عليهم الدجل -اليوم- بالسياسة السياسوية- المخزنية )، وأهمية أن يبتدع المغاربة الأحرار رموزا وهامات أخرى أفيد وأجمل وأنجع وأمتع….!!

أنه أحيانا كثيرة شيء من ذلك الخيال والشموخ المفرط الذي يلم بالكثيرين، حتى أن بعضهم تذكر وألح على تطلع بلدنا العادي لإنتساب متقدم لأوروبا، و ذكر بمشروع القنطرة/ الممر الخاطف إلى الضفة الأخرى، أوروبا، والذي لا – ولن يتطلب أكثر من كلفة 14 كلم. و في إعتداد بالنفس، حبذ بعضهم العودة لعزلة المغرب الوسطى، وهو من وقف الامتداد العثماني على مقربته، ونحن من جدد و بنى طرقا سيارة و ممرات تحت الأرض و قناطر فوقها وملاعب فخمة لكرة القدم وللهوكي وللتزلج على الجليد في لمح البصر، وسيواصل في مد شبكة السكة الحديدية، لنتساءل صراحة عن حقيقة و مصدر ومصداقية كل هذا الحب الرسمي المفاجئ والشغف الكبير والعناية الفائقة والفارقة بشعب عريض جاهل، مغفل ومهمش( تبطش به الفيضانات والزلازل والفقر والهشاشة والجهل/ التجهيل من كل صوب…) في جل الحقوق، أو تقريبا ( الاقتصادية والإجتماعية والسياسية والمدنية…) !!؟.

كما تعالت في حالات إنفعال دعوات تصريف قدر “المغرب كجزيرة لمشاكل/ العروي ع. الله” و أهمية القطع مع الجوار وباقي كيانات إفريقيا -الساحل جنوب الصحراء، المتزامنة مع إقصائيات كرة القدم، ليستهلك السردية الرسمية و لينحاز بالمطلق ويروم سهمه نحو: الأقوياء-العظماء-الكبار- العجهنية من أمثال الولايات المتحدة الأمريكية -اليوم- ( و بلدنا السباق إلى الاعتراف بها دوليا) وليعتد بإسرائيل الكبرى(…) لمناصرة قضيته الوطنية الأولى، زمان الضعف والإندحار والتبعية والتأخر. كما يبدو أنه كان السباق الأبله إلى الانخراط والمشاركة النشطة في “مجلس سلام” يراد به الباطل والحرب والعدوان، اولا على أرض وأهل فلسطين المقاومة..!

( ….) وما ذلك بعزيز على مغرب ذو حضارة عظمى ضاربة في التاريخ، لآلاف السنين، متطلعة لمستقبل مشرق..! ولو كان ضحية سردية تغالي في الإفتخار بالذات، و لو كان ذلك في تحد لمستوى حجمه الطبيعي ( السكان، الجغرافيا،…..) ولضرورة إنفتاحه العقلاني والغير المتسرع والمتزلف على قوى العالم المتقلب..!!

 لكن لو تقم القيامة للنهوض بالتعليم والصحة والشغل والعدالة…، تماما كما قامت لذلك و بسرعةهاءلة قومة مسؤولينا اتجاه الرياضة، وكرة القدم على الخصوص، وأن تحاول كسر حواجز الجزيرة المطوقة بالسيل الكبير من التحديات، الداخلية والخارجية، ومن الجهات الأربع، و إعادة رسم خريطتها وقدرها الجغرافي الواعي المُعْتَمَد على الذات في أفق العودة إلى غمار البحار الهوجاء والأمواج العاتية عوض العوم في الماء العكر ( الأطلسيوالمتوسط….) لقوى محكومة بزمن الولاية/ ترامب و أخرى ربيبتها وحلبفتها المندحرة تحت ضربات قوات المقاومة الفلسطينية ومحورها البطولي….

 وما ذلك -أيضا- بعزيز على بلادنا وعلى إقدام قاداته ( تذكر طارق بن زياد، وإمتدادالأمبراطوريات المغربية إلى حدود مالي و نهر السينغال ومصر والأندلس….، إقرأ أيضا رواية “المغاربة” للجويطي ع. الكريم/2016….)،  و خوض قراصنتنا لغمار البحار التي كانت على الدوام مصدر رهبة وقلق و” قرصنة مضادة” بالنسبة إليه، بإعتبار ما تمنحه إليه -اليوم- من إمكانات جيوستراتيجية هائلة ( كوكاس ع. العزيز ، 2026) !؟

ننهي مداخلتنا بالتساؤل الآتي: ألا يتطلب تجاوز مقاربة العنف المادي والرمزي، على المستويين الوطني والكوكبي، وإختلال العدالة الرياضية وغير الرياضية، و “مفارقة العري والخاتم” وعشق العريان لخاتم سيده،  المعممة،
و الغير مقبولة في عصرنا، وانكسار المصعد  الاجتماعي عبر التربية والتعليم والتكوين والصحة والشغل، وإستيلاب كثير من المغاربة الأخرق والتكيف الضفدعي المخزني المتجدد….؟

 ألا يتطلب تحصنا ما وتشابكا ما و إذكاء للفكر النقدي الحر ، بل ومقاطعة سلوكية واعية لكم نشاط تافه او أعلام يسيج العقل ويدمر العواطف، بل و العمل على إعادة ضبط الأولويات إنطلاقا من مصالح الشعب العريض الحيوية، تغيير إتجاه البوصلة-البرنامج، إعتماد “إنتخابو دستور ديموقراطيين” لمسؤولين/ات آخرين/ أخريات وإختيارات أخرى وحكامة جيدة من نوع آخر، تفضل إعمال الذكاء الجماعي وتنويع وتشبيك وتقاسم الرؤية والمسؤولية والحكم، عوض إحتكار التفكير وقدسية القرار العمومي العملية. !؟

أليس من الأجدى ان نتساءل عن لماذا يتم فصل الرياضة/ كرة القدم عن السياسة، أو التظاهر بذلك، عوض الإقتصار عن كيف يتم الفصل بينهما، ام أن تناولهما معا شيء مهم بالنسبة لإنتاج معرفة علمية نقدية تهم السياسة العمومية في الرياضة وغيرها في بلادنا؟

وعلى غرار بحر ما قاله الشاعر أشعر وأغني:

عيناك يا مغرب أغنية

يفنى الوجود بها ويختصر

لم يذكر الأحرار في وطن

إلا واهلك يا مغرب ذكرو!

ملحوظة: نفس الشعر نقوله على إفريقيا الحرة.

شكرا

ذ. عبد الواحد حمزة، سوسيواقتصادي

عضو مركز بنسعيدآيتإيدر للأبحاث والدراسات /عضو المجلس الوطني للاشتراكي الموحد/رئيس الجمعية المغربية للتنوير/ كاتب عام للحزب

تمارة في 14 نوفمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى