حين يعترف القضاء بقوة السرديات: أي معنى لتأثير مواقع التواصل على العدالة؟

مصطفى المنوزي
لم يعد الحديث عن استقلال القضاء ممكنًا دون استحضار التحولات العميقة التي مست البيئة التي يشتغل داخلها. ففي زمن تتسارع فيه الأخبار، وتُختزل الوقائع في تدوينات، وتُبنى القناعات على “ترند” عابر، يصبح من المشروع التساؤل: ماذا يعني أن يقرّ مسؤول في وزارة العدل بأن ما يُنشر في مواقع التواصل الاجتماعي قد يؤثر على القضاء؟
في ظاهره، يبدو هذا التصريح مجرد توصيف لواقع جديد. لكنه في العمق، يكشف عن تحوّل نوعي في طبيعة الضغط الذي يُمارس على العدالة. لم يعد الأمر مقتصرًا على تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من السلطة أو النفوذ، بل أصبحنا أمام ضغط سردي، يتشكل عبر حملات رقمية، وتعبئات انفعالية، ومحاكمات افتراضية تسبق أحيانًا المحاكمة الفعلية. هنا، لا تكون السلطة لمن يملك القرار، بل لمن ينجح في فرض روايته.
هذا الإقرار يطرح أيضًا مسألة أكثر دقة: القاضي، بوصفه إنسانًا، ليس معزولًا عن محيطه. هو جزء من هذا الفضاء العام، يتأثر—ولو بشكل غير واعٍ—بما يتداوله الناس، خاصة حين تتحول بعض القضايا إلى “قضايا رأي عام”. غير أن خطورة هذا التأثير لا تكمن في كونه مباشرًا أو مقصودًا، بل في طابعه التلقائي، الذي قد يتسلل إلى التقدير القضائي دون أن يُعلن عن نفسه.
من جهة أخرى، قد يُفهم هذا التصريح كنوع من إعادة توزيع المسؤولية، أو حتى تهيئة الرأي العام لتقبل فكرة أن الأحكام القضائية ليست بمنأى عن المناخ العام. وهو فهم يستدعي الحذر، لأن التسليم به دون ضوابط قد يفتح الباب أمام تبرير الانزلاق بدل مقاومته.
أمام هذا الوضع، لا يكفي التمسك المجرد بمبدأ استقلال القضاء، بل يصبح من الضروري إعادة التفكير في شروط تحصينه داخل هذا السياق الجديد. فالقضية لم تعد فقط قانونية أو مؤسساتية، بل أصبحت أيضًا معرفية وسردية.
أول مستويات التحصين يمر عبر التكوين النقدي للقضاة، بما يمكنهم من فهم آليات اشتغال السرديات الرقمية: كيف تُبنى؟ كيف تُؤثر؟ وكيف يمكن أن تُضلل؟ فامتلاك أدوات التفكيك هو الشرط الأول لمقاومة التأثير.
ثانيًا، يظل التعليل القضائي الصارم أحد أهم خطوط الدفاع. فكلما كان الحكم مؤسسًا على حيثيات واضحة ومتماسكة، كلما صَعُب اختراقه بالانطباعات أو الضغوط الخارجية. التعليل هنا ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو ممارسة عقلانية تُحصّن القرار من التسيّب.
ثالثًا، يبرز دور التحصين الإجرائي في القضايا التي تحظى باهتمام إعلامي واسع، من خلال ضبط التفاعل مع الفضاء الرقمي، وتوفير بيئة عمل تقلل من أثر الضجيج الخارجي، دون أن يتحول ذلك إلى عزلة عن المجتمع.
رابعًا، تفرض المرحلة تطوير تواصل قضائي مسؤول. فالصمت المؤسساتي، في زمن الوفرة المعلوماتية، لا يؤدي إلى الحياد، بل يفسح المجال لهيمنة سرديات بديلة قد تكون مضللة. لذلك، يصبح من الضروري شرح القواعد العامة والإجراءات، بما يعيد التوازن للفضاء العمومي دون التأثير على القضايا المعروضة.
وأخيرًا، يظل البعد الأخلاقي حاضرًا بقوة: فاستقلال القاضي لم يعد فقط ضمانة قانونية، بل أصبح أيضًا موقفًا واعيًا من مقاومة الإيقاع الانفعالي للمجتمع. إنه قدرة على التريث، وعلى إعادة بناء المسافة الضرورية بين “ما يُتداول” و”ما يُحكم به”.
في المحصلة، نحن أمام انتقال دقيق: من تهديد خارجي مباشر لاستقلال القضاء، إلى اختراق ناعم يتسلل عبر السرديات والتمثلات. وهو انتقال يفرض إعادة تعريف أدوات الحماية، من مجرد نصوص وضمانات، إلى بناء قاضٍ يمتلك كفاءة نقدية تمكنه من تفكيك التأثير قبل أن يخضع له.
ملحوظة لا علاقة لها بالمقال: سيظل يطرح سؤال تحصين الذات من أي ضغط مالي أو سياسي أو غيره من الضغوطات!




