مجتمع

كرامةُ المعاقين بين مطرقة عبثِ المهرِّجين وسندان صمتِ المسؤولين بقلم:حميد قاسمي

  ليس كل ما يُضحك الناس بريئًا، وليس كل ما يُنشر على منصات التواصل الإجتماعي يدخل في باب الترفيه أو حرية التعبير. فثمة محتويات لا تقوم إلا على إهانة وإذلال الآخرين، وثمة أشخاص بنوا جزءًا من شهرتهم على تحويل معاناة هذه الفئات المسحوقة من المجتمع إلى مشاهد للضحك الباسل والرخيص، وكأن الكرامة الإنسانية أصبحت سلعةً تُباع وتشترى في سوق المشاهدات والإعجابات.

إن السخرية من الأشخاص في وضعية إعاقة ليست مزحة عابرة، ولا زلة لسان يمكن تجاوزها، بل هي سلوك منحط أخلاقيًا ومرفوض شرعيا وقانونيًا، لأنه يقوم على التمييز والإهانة والتحقير، ويُنتج خطابًا عدائيًا يرسخ الصورة النمطية ويشجع على الإقصاء الاجتماعي. وما يزيد من خطورة هذه الظاهرة أن بعض (صناع المحتوى) لا يكتفون بالإساءة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، بل يحولون تلك الإساءة إلى مشروع للربح والانتشار، وكأن الإنسانية فقدت قيمتها أمام بريق الأرقام وعدّادات المشاهدات.

وإذا كان الرأي العام قد هبَّ مؤخرًا، للتنديد بمقطع الفيديو الذي أظهر راشدين يجبرون طفلًا على احتساء الخمر، وسارعت النيابة العامة إلى التفاعل مع الواقعة، وهو ما يجب أن يحدث في كل قضية تمس كرامة الإنسان وسلامته كيف ما كان نوعه وشكله، فإننا نتساءل بمرارة واستغراب:

لماذا حين يكون الضحية شخصًا في وضعية إعاقة يخفت الضجيج فجأة؟
ولماذا لا تحظى الإهانات الموجهة لهذه الفئة المسحوقة ومهظومة الحقوق بالقدر نفسه من الغضب المجتمعي والتفاعل القانوني؟
وهل أصبحت كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة أقل قيمة من كرامة غيرهم حتى يُتركوا فريسةً للمهرجين والمُهرطِقين الباحثين عن البوز بأي ثمن؟

لقد سئمت هذه الفئة من أن تكون “الحائط القصير” الذي يقفز عليه كل من أراد إثارة الضحك أو جمع المتابعين. سئمت من نظرات الشفقة حينًا، ومن سياط السخرية حينًا آخر. سئمت من الصمت الذي يلف قضاياها كلما تعرضت للإهانة أو التشهير أو التنمر.

والأخطر من الفعل نفسه هو التطبيع معه. فحين يشاهد آلاف الأشخاص محتوى قائمًا على السخرية من الإعاقة ويضحكون له أو يشاركونه، فإنهم يساهمون، عن قصد أو غير قصد، في نشر ثقافة الاحتقار وإعادة إنتاجها داخل المجتمع. وهنا لا يعود الأمر متعلقًا بفرد أساء إلى فرد، بل بمنظومة كاملة تبرر الإهانة ما دامت تحقق نسب مشاهدة مرتفعة.

ومن الناحية القانونية، فإن دستور 2011 هو الذي أسمى وثيقة يؤكد في فصله التاسع عشر على مبدأ المساواة والتمتع بالحقوق والحريات دون تمييز، كما ينص الفصل الرابع والثلاثون من نفس الدستور على وضع سياسات عمومية موجهة للأشخاص والفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة وإعادة تأهيلهم وإدماجهم في الحياة الاجتماعية والمدنية.

كما أن القانون الإطار رقم 97.13 المتعلق بحماية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والنهوض بها يقوم على مبدأ صون الكرامة الإنسانية ومحاربة كل أشكال التمييز والإقصاء التي تطال هذه الفئة.

أما القانون الجنائي فإنه يجرم الأفعال التي تتضمن الإهانة أو التشهير أو التمييز أو المساس بالحياة الخاصة والاعتبار الشخصي للأفراد، لا سيما عندما يتم نشرها عبر الوسائط الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وقد تترتب عنها متابعات وعقوبات تختلف بحسب طبيعة الأفعال المرتكبة والضرر الناتج عنها.

إننا اليوم لا نطالب بامتيازات خاصة، ولا بمعاملة استثنائية، بل نطالب فقط بتطبيق المبدأ البسيط الذي ينص على أن كرامة الأشخاص في وضعية إعاقة ليست أقل شأنًا من كرامة أي مواطن آخر.

ومن هنا فإننا نوجه نداءً واضحًا إلى النيابة العامة من أجل فتح أعينها على هذا النوع من المحتويات التي تقوم على التنمر والإذلال والإساءة إلى الأشخاص في وضعية إعاقة، وترتيب الجزاءات القانونية اللازمة كلما ثبت وجود أفعال تمس الكرامة الإنسانية أو تحرض على التمييز أو تنشر خطاب الاحتقار.

فالسكوت عن هذه الممارسات لا يشجع إلا على مزيد من التمادي، والإفلات من المساءلة لا ينتج إلا مزيدًا من الضحايا.

إن المجتمع الذي يغضب لطفل أُجبر على احتساء الخمر مجتمع حي، لكن المجتمع ذاته مطالب بأن يغضب أيضًا حين تُهان كرامة شخص في وضعية إعاقة أمام آلاف المتابعين. فالكرامة لا تتجزأ، والعدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية، والإنسان يظل إنسانًا مهما اختلفت ظروفه وقدراته.

وإذا كانت بعض الجرائم تُرتكب بالأيدي، فإن جرائم أخرى تُرتكب بالكلمات والضحكات الساخرة والهواتف المحمولة، غير أن أثرها في النفوس قد يكون أعمق جرحًا وأطول بقاءً. ولذلك فإن محاربة التنمر ليست ترفًا حقوقيًا، بل هي معركة من أجل الدفاع عن آخر ما تبقى من إنسانيتنا المشتركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى