مجتمع

نبيلة منيب تهاجم حصيلة الحكومة و تصف “الدولة الاجتماعية” بالشعار الزائف

  الحنبلي عزيز -تنوير

في مداخلة سياسية نارية خلال أشغال الجلسة العمومية لمناقشة حصيلة عمل الحكومة ليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، وجّهت نبيلة منيب، البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد، انتقادات لاذعة وحادة لأداء الحكومة خلال ولايتها الممتدة من 2021 إلى 2026، معتبرة أن الحصيلة التي تدافع عنها الأغلبية لا تعكس واقع المغاربة، بل تكشف عن تعمق الفوارق الاجتماعية، واتساع دائرة الفقر، وتراجع الدور الاجتماعي للدولة، مقابل صعود نفوذ المال والاحتكار وهيمنة لوبيات المصالح.

وقالت منيب، في مداخلة اتسمت بلهجة قوية ومباشرة، إن تقييم أي حصيلة حكومية لا يمكن أن يتم عبر لغة الأرقام الجافة أو الشعارات التسويقية، بل يجب أن ينطلق من مساءلة حقيقية لواقع المواطن المغربي، ومن طرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالكرامة والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية والديمقراطية. واعتبرت أن الحكومة أخفقت، بحسب تعبيرها، في تقديم أجوبة مقنعة عن القضايا الكبرى التي تؤرق المجتمع، بدءاً من محاربة الفساد والريع والاحتكار، وصولاً إلى إنقاذ التعليم والصحة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

وفي مستهل مداخلتها، وضعت منيب مناقشة الحصيلة الحكومية في سياق دولي وإنساني متوتر، مشيرة إلى أن العالم يعيش على وقع حروب مدمرة وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي، معتبرة أن ما يقع في فلسطين ولبنان والمنطقة عموماً لم يعد مجرد حدث سياسي عابر، بل امتحان أخلاقي حقيقي يضع الإنسانية أمام لحظة انحدار خطير. ومن هذا المنطلق، شددت على أن الواجب الأخلاقي والسياسي يفرض اتخاذ مواقف واضحة، داعية إلى إلغاء التطبيع وكل الاتفاقيات المبرمة مع إسرائيل، معتبرة أن هذا الملف لا يمكن فصله عن النقاش العام حول السيادة والكرامة والمصلحة الوطنية.

وانتقلت البرلمانية إلى الشأن الداخلي بنبرة شديدة، مؤكدة أن السياسة ليست وسيلة للاغتناء أو لتبادل المصالح بين السلطة والمال، بل مسؤولية أخلاقية لخدمة الصالح العام. وقالت إن الرهان الحقيقي كان يقتضي من الحكومة إطلاق إصلاحات سياسية واقتصادية ومالية عميقة، ومباشرة مواجهة حقيقية مع الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع والتهرب الضريبي، بدل الاستمرار في تدبير الشأن العام بمنطق التوازنات الضيقة وحماية مراكز النفوذ.

وأضافت أن الحديث عن حصيلة الحكومة يجب أن يبدأ من الأسئلة التي ظل الرأي العام ينتظر أجوبة عنها دون جدوى، من قبيل: من أين لك هذا؟ ولماذا يستمر تعطيل تجريم الإثراء غير المشروع؟ ولماذا لا يتم التصدي بجرأة للتهرب الضريبي والغش الضريبي وتنازع المصالح؟ كما تساءلت عن أسباب رفض الحكومة اعتماد مقاربة سياسية أكثر جرأة في ملفات الحريات والاحتجاجات الاجتماعية، بما في ذلك مطلب العفو العام عن معتقلي حراك الريف وشباب “جيل زد”، معتبرة أن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تبنى بالشعارات، بل بخطوات سياسية شجاعة.

وذهبت منيب إلى أن الحكومة لم تنجح في تحقيق أي قطيعة مع الاختيارات التي وصفتها باللاشعبية واللاديمقراطية، بل واصلت، وفق تعبيرها، السير في اتجاه توسيع الخوصصة، وإضعاف الدور الاستراتيجي للدولة، وفتح المجال أمام منطق السوق للتحكم في قطاعات حيوية يفترض أن تظل تحت إشراف الدولة وحمايتها. وأكدت أن هذا المنحى يهدد السيادة الوطنية، ويفرغ المؤسسات من مضمونها، ويدفع بالمغرب نحو مزيد من التبعية الاقتصادية والارتهان المالي.

وفي سياق نقدها الحاد، شددت على أن تقوية الجبهة الداخلية لا يمكن أن تتحقق إلا بالديمقراطية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتنظيم انتخابات نزيهة، وإرساء جهوية متقدمة متضامنة، وإشراك فعلي لمغاربة العالم، فضلاً عن إطلاق مصالحة تاريخية مع الجهات المهمشة. واعتبرت أن البلاد تعيش اختلالاً سياسياً بنيوياً يجعل الشعب في مواجهة مباشرة مع أوليغارشيا متحكمة، في وقت تتراجع فيه المؤسسات المنتخبة أمام صعود مراكز نفوذ تتحكم في القرار من خارج منطق التمثيلية الديمقراطية.

وفي قراءة اجتماعية قاتمة، قالت منيب إن الحصيلة الحكومية لا يمكن فصلها عن مؤشرات الفقر والبطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية التي تفاقمت خلال السنوات الأخيرة. وأشارت إلى أن اتساع رقعة الهشاشة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الأثر الفعلي للسياسات العمومية على حياة المواطنين، كلها مؤشرات تكشف فشل النموذج الذي تروج له الحكومة. واستحضرت في هذا السياق تصاعد الحركات الاحتجاجية في عدد من المناطق والبوادي والمدن، من مسيرات أيت بوكماز إلى احتجاجات قلعة السراغنة، ونساء فجيج وطاطا، والمتضررين من زلزال الحوز والفيضانات، فضلاً عن احتجاجات الطلبة والأساتذة والموظفين وسكان المناطق المتضررة من هدم المساكن ونزع الأراضي.

وأكدت أن هذا المد الاحتجاجي المتواصل ليس مجرد ردود فعل معزولة، بل تعبير صارخ عن عمق الأزمة الاجتماعية وعن اتساع الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش. واعتبرت أن آلاف الاحتجاجات التي يعرفها المغرب سنوياً تفضح، في نظرها، زيف شعار “الدولة الاجتماعية”، وتؤكد أن ما يُقدَّم للمغاربة لا يعدو أن يكون تدبيراً ظرفياً للهشاشة، لا مشروعاً حقيقياً للعدالة الاجتماعية.

وفي ملف القدرة الشرائية، هاجمت منيب استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأساسية، رغم التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية، معتبرة أن المواطن المغربي ظل يدفع ثمن الاحتكار وهيمنة لوبيات الربح، في غياب تدخل حقيقي للدولة لضبط الأسعار ووضع حد للمضاربات. كما انتقدت استمرار إغلاق “لاسامير”، معتبرة أن هذا الملف أصبح عنواناً صارخاً لفشل السياسات الطاقية ولعجز الحكومة عن حماية الأمن الاستراتيجي للبلاد في أبعاده الطاقية والغذائية والمائية.

أما على المستوى التشريعي، فقد اعتبرت منيب أن الحكومة استغلت الآلة القانونية لتمرير نصوص ومشاريع قوانين ذات طابع تقييدي، عوض توسيع هامش الحقوق والحريات. وانتقدت، في هذا الإطار، قانون الإضراب، وعدداً من النصوص المرتبطة بالتعليم والصحة والقضاء والإعلام، معتبرة أنها تكرس منطق التحكم والتفاوت، وتضيق على الفئات المهنية والاجتماعية، ولا تستجيب لتطلعات المجتمع في بناء مؤسسات قوية وعادلة.

وفي قطاع التعليم، تحدثت عن ما وصفته بتفكيك المدرسة والجامعة العموميتين، عبر تمرير قوانين وتوجهات تكرس تعليماً بسرعات متفاوتة، وتفتح المجال أمام مزيد من التمييز الطبقي في الولوج إلى المعرفة. أما في قطاع الصحة، فقد أثارت قضية الخصاص المستمر في الأطر الطبية والتمريضية، وارتفاع استفادة القطاع الخاص من الاستثمارات العمومية، معتبرة أن الإصلاحات المعلنة لم تنجح في بناء منظومة صحية عمومية منصفة وقادرة على الاستجابة لحاجيات المواطنين.

كما وجهت انتقادات صريحة إلى ورش الحماية الاجتماعية، معتبرة أن الانتقال من “راميد” إلى “أمو” لم يحقق الإنصاف المنشود، بل أدى، بحسب قراءتها، إلى إقصاء فئات واسعة من الهامش الاجتماعي، بينما ظلت ملفات التقاعد والتعويض عن فقدان الشغل عالقة أو مؤجلة. وذهبت إلى أن منطق الدعم المباشر، في غياب توزيع عادل للثروة وخلق فرص الشغل وضمان خدمات عمومية ذات جودة، لا يصنع دولة اجتماعية حقيقية، بل يكرس الهشاشة في صورة جديدة.

وفي الشق الاقتصادي والمؤسساتي، حذرت منيب من استمرار ما وصفته بالخوصصة المقنعة تحت غطاء “التمويلات المبتكرة” و”الحكامة الجيدة”، معتبرة أن تحويل مؤسسات عمومية إلى شركات مساهمة وفتحها أمام الرساميل الخاصة ليس سوى مسار جديد لتفويت القرار العمومي وإبعاده عن رقابة المنتخبين. وأبدت تخوفها من اتساع هذا التوجه ليشمل مزيداً من القطاعات الاستراتيجية، بما فيها الماء والكهرباء والموانئ والاستثمار، في ظل تراجع دور الدولة كفاعل مركزي في التخطيط والحماية والضبط.

ولم تُخف البرلمانية قلقها من تعاظم أدوار وزارة الداخلية في تدبير المشاريع والبرامج الجهوية، معتبرة أن هذا التطور يطرح أسئلة مقلقة حول معنى الانتخابات وجدوى المؤسسات المنتخبة، إذا كانت القرارات الأساسية تُصنع خارج المجال السياسي التمثيلي. وقالت إن ما يجري يكرس، في العمق، توجهاً يعيد إنتاج التحكم ويضعف الثقة في المسار الديمقراطي.

وفي ختام مداخلتها، دعت نبيلة منيب إلى بناء نموذج سياسي جديد يقوم على تعاقد واضح بين الدولة والمجتمع، وعلى دمقرطة فعلية للحياة العامة، لا على حكامة تُستعمل، بحسب قولها، واجهة لتمرير هيمنة الخواص على القرار. كما شددت على أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بالدعم الظرفي أو بسياسات امتصاص الغضب، بل عبر التوزيع العادل للثروة، وخلق فرص الشغل، وضمان تعليم وصحة عموميين بجودة عالية، وتأهيل الشباب، وإنصاف المناطق المهمشة، وفتح ورش حقيقي لمحاربة الفساد الذي يستنزف البلاد.

وبنبرة سياسية عالية، ختمت منيب رسالتها بالتأكيد على أن المغرب في حاجة إلى وطن حر ومواطنين متحررين، معتبرة أن أي حصيلة حكومية لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يشعر به المواطن في حياته اليومية من كرامة وعدالة وأمن اجتماعي وسيادة وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى