في هذا الصباح المثقل بما لا يُقال، وصلني خبرك كأنّه انكسارٌ خافتٌ في نسيجِ عالَمٍ لا ضجيج فيه، فقط رجفةٌ عميقةٌ في اللغة نفسِها.
هكذا يرحلُ الأصدقاءُ الذين يشبهوننا: لا يعلنون غيابهم أبدًا. في غفلة منا ومن الوقت، يتركون فراغًا يتسع فينا، فراغًا له هيئة صوتٍ كان يجاورُنا، يؤنس عزلتنا، ويمنح الكتابة معناها الحي في الروح، في الجسد، في المخيال، في الكلمة، في المعجم، في إيقاع الجملة، في الفكرة، في الصورة ، في المشهد، في الوجوه والنظرات ، في الصوت، في الصمت وفي الدمعة الشاردة التي تنزل دون أن نتأمل كيمياءها المحزنة.
سي عبد النبي دشين، صديقي أخي،
لم تكن مجرد اسم في سجلِّ الكتابة الأدبية في المغرب والعالم العربي، ولا مجرد قاصٍّ أو ناقدٍ يمرّ عبر نصوصه وعلائقه الأدبية والثقافية والإعلامية والإنسانية. كنتَ تلك المسافة الحميمة بين كلمتين، ذلك المعنى الذي لا يُكتَب إلا في الصُّحبَة، في الحوار الذي لا ينقطع، حتى حين يصمت. كنا معًا، كنا جميعًا، مع جمهرة مخلصة صادقة من أصدقائنا وصديقاتنا وإخوتنا ، ودون أن ننتبه، ننسج أفقًا واحدًا، كأن الكتابة عندنا لم تكن سوى ذريعة لِلِقاءٍ أعمقَ، لقاءٍ يتجاوز النصوص إلى ما يسكنها من قلق، ومن أسئلة، ومن شغفٍ خفيٍّ بالذات وبالحياة واللغة والآخرين.
وأما هنا والآن، أمام فجيعة موتك، لايمكننا سوى أن نسأل أنفسنا عن معنى أن نفقد صديقًا.
ليس الفقدان أن يغيب الجسد فحسب،وإنما الفقد أن ينكسر ذلك الخيط المحجوب الذي كان يصلنا من خلاله بالعالم . أن نصحوَّ،فجأةً، فلا نجدَ من نكلمُه بالشكل ذاته من العلاقة، ولا من نصغي إليه ونحن نعرف أنّ الكلمات ليست سوى قشرة لما هو أعمق.
الفقدان أن تصبح اللغةُ أقلّ دفئًا، وأن تبدو الكتب أكثر وحدة، وأن يتراجع ذلك الضوء الخفيف الذي كان يتسرّب من حوارنا المشترك.
في زمنٍ صار فيه الأدب على الهامش، كما لو كان ترفًا وليس ضرورة، يأتي رحيلك كمرآة قاسية. كأنّ غيابك يفضح هذا العالم الذي لم يعد يصغي بما يكفي، والذي لم يعد يمنح الكلمة مكانتها كقوة خلاقة، كفعلِ مقاومةٍ، كأفقٍ للمعنى.
ماذا يعني أن نفقد أديبًا اليوم؟
مايعنيه حقا ، أننا نخسر شاهدًا آخر على ما تبقى من جوهر اللغة، أن نفقد صوتًا كان يقاوم النسيان، يوقظ الذاكرة ويعيد ترتيب الفوضى الداخلية للوجود، بالكلمة، بالحساسية، بالإيمان العميق بأن الكتابة ليست ترفًا. الكتابة الأدبية ضرورة ناعمة لبقاء الإنسان إنسانًا.
سي عبد النبي ،كنتَ إلى جانبي في المهام والمسؤوليات ، لكن الأهم أنك كنتَ إلى جانبي في ما لا يُسنَدُ إلى مسؤوليةٍ: في تلك المنطقة الحرة من الصداقة، حيث لا حساب ولا وظيفة؛ فقط ذلك الاعتراف المتبادل بضعفنا وقوتنا، بقلقنا وبأحلامنا. هناك، في تلك المساحة، كانت الكتابة تولد من جديد، لا كنصوص، لا كتقنيات شبيهة بمِقصَّاتِ الجَرّاحين، وإنما كطريقة في النظر، في العيش، في مقاومةِ التّلاشي.
اليوم، صديقي العزيز عبد النبي دشين ، وأنا أكلمك في الغياب، أشعر أنني أكتب عن جزءٍ مني ينطفئ معك. لكنني أعرف أيضًا أن الصداقة الحقيقية تبقى، خصوصًا كقيم وذكريات وتاريخ ومسار مشترك تَعَلَّمْنا فيه معًا، أحدُنا من الآخر وكلانا من الآخرين والأخريات، الكثيرَ من التجارب والدروس، والكثيرَ من الأفكار والصور واللحظات النادرة، والكثيرَ من المعنى.
الصداقة لاتموت.
تتحوّل فقط.
تصير ذاكرةً حية،
تصير صدًى،
تصير نداءً خافتًا يرافقنا كلما اقتربنا من الصفحة البيضاء، كلما تردّدنا أمام كلمة، كلما بحثنا عن معنى جديد في هذا العالم المتشقق.
وداعًا، أخي صديقي العزيز الكريم الغالي سي عبد النبي-
وهو ليس وداعًا نهائيًا
هو عبورٌ آخرُ في نصٍّ أكبر منّا جميعًا
سنظلُّ نتحاوَرُ، كما كنا دائمًا، لكن في طبقة باطنية، أقوى وأبقى من الزمن ، وأعمق من الصمت، حيث لا تنتهي الصداقة. ولاتنتهي العلاقة.
فقط، تبدأ من جديد.