ثقافة و فن

روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر” (الجزء السابع)

أحمد رباص ـ تنوير
وصلنا الآن إلى نهاية هذا الفصل الثاني، ولم يبق إلا أن ننتقل إلى الخاتمة، ونسمح لأنفسنا بأن نقول ما يلي: مفهوم الحرية ليس فقط
مفهوما من بين مفاهيم أخرى، لكنه مركز كلية الوجود؛ فتحديد هذا المفهوم، كما يقول شيلينغ، يعد بشكل صريح وصحيح جزء من
تحديد الكل ذاته. مفهوم الحرية ذو واقعية، لأن الوجود-الحر, باعتباره جهة للوجود، يشكل ماهية وأساسا لجوهر وأساس الوجود في انتشاره الذي سوف نقف عليه من خلال شرح العلاقة بين الحقيقة والحرية وتناسق الفكر الهايدغري في الفصل التالي.
قدم بيليدور في الفصلين السابقين مختلف تعريفات مفهومي الحقيقة والحرية كما حددهما هايدغر في أعماله الرئيسية. في هذا الفصل الثالث، سيحاول (1) إضاءة الرابط أو العلاقة اللذين يوحي بهما المفهومان. سوف يتساءل عن طبيعة العلاقة، بمعنى أننا سوف نتساءل معه عما إذا كان لهذين المفهومين نفس الطبيعة أم لهما طبيعة مختلفة. (2) سيحاول بإيجاز إلقاء الضوء على تناسق أو تماسك الفكر الهايدغري. وقبل أن يباشر مقاربته، رأى الباحث أنه من الضروري، من وجهة نظره، أن يقول شيئا عن الوجود عند هايدغر، وهذا واحد من المفاهيم الأساسية التي سنحتاج إليها لتأسيس العلاقة المرغوب فيها، وعندما نفهم معنى هذا المصطلح سنتمكن، بمزيد من الأمان، من إقامة الرابط الموجود بين الوجود والحقيقة، بين الحقيقة والحرية. فماذا يعني “الوجود” عند هايدجر؟
في سائر كتاباته ومنذ البداية، في مؤلفه الأم، لم يتوقف هايدجر أبدا عن التأكيد على أن المشكلة الوحيدة التي كانت تشغله هي مشكلة الوجود. لقد كان الأمر يتعلق بالنسبة إليه بتذليل صعوبة تفسير معنى الوجود أو حقيقة الوجود. يقول هايدغر: “المعنى هو ما تنعقد به قابلية فهم شيء”. معنى الوجود إذن هو ما تكمن فيه معقولية الوجود. عندما قال لنا هايدغر، في نهاية كتيبه: “في ماهية الحقيقة”، إنه يتوجب تعلم التفكير وفقا للأساس الذي هو الدازاين، فقد جعل تفكيره، بحسب برتراند ريو، ينخرط في المكان الأكثر اختفاء في الحقيقة، حقيقة الوجود نفسه.
بدأ هايدغر أولا من اللغة اليونانية لفهم “الوجود”. والحال أن الوجود عند الإغريق ينفتح مثل Phúsis. تفهم هذه الكلمة بمعنى مزدوج: إنها تعني أولاً سيادة هذا الذي يستمر في الازدهار وهي في نفس الوقت وفي حد ذاتها التجلي المتجلي. هايدغر، المولع جدا بالإيتيمولوجيات (اشتقاقات الكلمات)، يدرس كلمة Phùsis من حيث جذورها نفسها. وفقا له، فإن الجذرين Phu و Pha يعنيان نفس الشيء. Phúsis تأتي من phúein، التي تعني الازدهار المرتكز على ذاته، phúein هي أيضا phaïnesthaï وتعني البدء في الإشعاع، الانكشاف، الظهور. لذلك، إذا فهمنا بشكل صحيح، يمكننا أن نؤكد متيقنين أن الوجود، بالنسبة إلى هايدغر، هو تبيان، ازدهار الواقعي، الذي هو ذاته ينكشف وينعقد في اللاكمون. لكنه ينتمي إلى حقيقة الوجود بحيث أن الوجود لم ينتشر ابدا بغير الموجود، أن موجودا لا يكون أبدا بغير الوجود. من خلال دراسة كلمة phúein المذكورة أعلاه، يلمح هايدغر إلى بندار، آخذا جذر phúa من كلمة phúein التي تشكل بالنسبة إلى بندار السمة الأساسية للوجود-هنا. Phua تعني الشخص الذي يوجد قبلا على نحو أصلي وحقيقي: الذي-كان-موجودا-قبلا. “الوجود هو التحديد الجوهري للنبيل والنبالة (أي كل ما له في جوهره أصل عال ويستقر فيه). ومن خلال الإشارة إلى ذلك، (إلى الوجود الأصلي)، يشدد هايدغر، كتب بندار: “هل تستطيع، وأنت تتعلم، أن تنتج نفسك، كمن أنت تكونه”.
لكن هذا الانعقاد-في-الذات لا يعني شيئا ٱخر سوى الانعقاد-هنا، الانعقاد في النور على الدوام. “الوجود” يعني “الظهور”. الظهور هنا ليس شيئا عرضيا يصادف أحيانا الوجود. الوجود مثل الظهور. الوجود هو Phúsis. ينكشف مثل ألق خالص. ويعني قبلا ما يلي: الوجود الذي ينكشف مثل Phúsis، مثل ألق خالص، يتيح الخروج من الكمون. بحكم أن الموجود، كما هو، يوجد، يقيم وبنعقد في اللاكمون، a-lèthèia. هكذا، بالنسبة إلى اليونانيين، لا تكون ماهية الأليثيا (التي نترجمها ألى حقيقة) ممكنة إلا بالاتفاق مع ما هي بالنسبة إليهم ماهية الوجود باعتباره Phúsis. إنما تأسيسا على الاتصال الماهوي، الفريد من نوعه، يؤكد هايدغر، بين Phúsis وalèthèia، استطاع اليونانيون أن يقولوا: الموجود، باعتباره موجودا، حقيقي. الحقيقي، باعتباره كذلك، موجود. وهذا يعني: أن ما يظهر غالبا يتخذ موقفا في الانكشاف. الحقيقة تنتمي إلى نفس جوهر الوجود. إذن، الphúsis، الوجود، ليس، في الأصل، هو ما جاء، لأنه مزدهر، ليظهر ويبقى في الحضور، لكنه الانبثاق لكل موجود كما هو، مجيئه إلى الظهور، ولوجه إلى الحضور. إنه لا يسمي أي موجود، بل الوجود كتفقيس دائم.
وباتباع الخيط الفكري الهايدغري، يمكن أيضا تسمية التفقيس كشفا. الphúsis أو الكينونة، المفكر فيها ككشف، تفترض بالضرورة التحجب؛ لا يمكن ان يكون تفقيسا، مجيئا إلى الظهور أو إلى اللاتحجب إذا تنبثق باستمرار من التحجب، من هنا: علاقة لاتحجب-تحجب؛ وهو يتبثق منه يميل دائما إلى أن ينحني أمامه، كما لو ينحني أمام ما يضمن وحده انبثاقه. Phúsis هو حقا وجود الموجود، الموجود الذي ينتشر كلاتححب، والذي يتيح لنا بالتالي ذاته. ما يسعى هايدغر إلى إفهامنا إياه هو أن الازدهار، النشوء لم يوجد ولن يدوم إلا لأنه يتشكل من الداخل ببعد ضروري وحاسم من الاحتجاب: “في التفقيس انطلاقا من الذات، في الphusis,، في الوجود يسود طرح، وهذا بطريقة واضحة لدرجة أنه بدون هذا، لا يمكن لذاك أن يسود. ذلك لأن “الوجود” يعني “الظهور أثناء الازدهار، الخروج من الكمون” الذي إليه ينتمي الكمون ومصدره. هذا المصدر يشكل جوهر الوجود، جوهر الظاهر كما هو. إذا أخذنا في الاعتبار ما قيل للتو، فيمكننا أن نقول: الوجود، باعتباره phúsis، هو سيادة ما يزدهر. يتجلى كما لو كان الثبات، الحضور المستمر. إذا استخدمنا مرة أخرى عبارة “الوجود باعتباره phusis سيادة ما يزدهر”، فذلك من أجل التلميح إلى كلمة لم يغفلها هايدجر؛ ألا وهي لوغوس logós. ماذا تعني لوغوس في اللغة الهايدجرية؟ لهذه الكلمة ثلاثة حقول دلالية مهمة: (1) يتميز بالثبات، بالدوام. (2) إنه مثل المجموع في الموجود، مجموع “موجود”، الجامع (3) كل ما ينشأ، أي يأتي إلى الوجود، ينعقد هنا في تطابق مع هذا المجموع الثابت؛ وهذا الأخير هو المسييطر.
تتناسب كلمة “logós” اليونانية مع كلمة “sammlung” الألمانية التي تعني: (أ) الجمع؛ و(ب) تذكر. هكذا إذن، تعني لوغوس هنا التذكر الذي يجمع، الجامع الأصلي. اللوغوس عند هايدجر لا يعني لا معنى، ولا كلمة، ولا عقيدة (ولا حتى “معنى:عقيدة”)، بل يعني بالأحرى: التذكر المهيمن باستمرار في ذاته والجامع في الأصل. اللوغوس هو التجميع الثابت، التذكر-المنعقد-في-ذاته للموجود، أي الوجود. phúsis وlogós هنا إذن شيء واحد ونفس الشيء؛ هكذا إذن يكون وجود كل موجود الأكثر ظهورا،ىالأكثر ثباتا في ذاته.
الوجود، كما يقول هايدجر، ليس قابلاً للإدراك ولا ملموسا، باعتباره لوغوس، وتجميع أصلي. أكثر من ذلك، لأن الوجود بالضبط لوغوس، تناغم، حقيقة، فوسيس، phaenesthaï . فهو لا ينكشف إراديا. بالفعل، رغم أن الوجود يشكل وحدة لا تنفصم بين الظهور والتحجب، بين التحجب واللاتحجب، فهو لا يستنير إلا باعتباره ظهورا، وهكذا تختفي السمة الأكثر حسما في جوهره، المصدر الخفي الذي منه يأتي كل لاتحجب. لهذا سيتحدث هايدجر في نصوص لاحقة عن “انسحاب الوجود”.
هكذا إذن، يصبح عند هايدغر تاريخ الفكر الغربي بأكمله تأكيدا على “أن الوجود يقدر لنا، لكن بطريقة تجعله ينسحب في نفس الوقت إلى جوهره”. هذا اللغز للكينونة الذي قاربه هيراقليطس وساءله هايدغر، هو أن الانعطاء لا يكون إلا بالانسحاب. الوجود في اختباره الأصلي هو Phúsis – لاتحجب منبثق عن التحجب، تدبير مصدره الانسحاب، الذي سنحاول القيام بتطويره من خلال تقديم العلاقة بين الوجود والحقيقة في ما يلي.

وبما أن الحقيقة الإسنادية قد تم تجاهلها، وتحديها من قبل هايدغر، فإن العلاقة سوف تأخذ في الحسبان فقط الحقيقة الأنطيقية والحقيقة الأنطولوجية. يتحدث هايدغر بلا كلل في عدة نصوص عن “انسحاب الوجود”، عن “لغز الوجود”، لكن هل يمكن فهم هذا اللغز للوجود؟ لقد رأينا للتو أن الوجود لا هو قابل للإدراك ولا هو ملموس ما دام أنه يظهر ماهيته وهو لا ينعطي إلا من خلال الانسحاب. من خلال انعطائه، كما نعلم، يستقر في الحضور. في الحضور ينكشف كما هو، ويستقر في الحقيقة. عندما انسحب، إلى أين لجأ؟ لقد لجأ إلى العدم. هذا هو المكان بالذات الذي يفسر عدم قابلية لغز الوجود للإدراك. وهذان التعبيران: (أ) الاستقرار في الحضور، و(ب) اللجوء إلى العدم سوف بسترعيان انتباهنا قليلاً.
لكن، قبل ذلك، نرى أنه من المفيد إيراد هامشين كتبهما بيليدور لتوضيح أمرين: اللغز والماهية. وهكذا يحدد الكاتب أن اللغز لا يكتسب هنا الدلالة الدينية التي تعطى له في أغلب الأحيان؛ لكنه يعبر عن تجربة الأليثيا باعتبارها لاتحجبا ولا إخفاء للوجود في ماهيته التي نفكر فيها هنا. أما المشكلة المتعلقة بالماهية، عند هايدجر، فلها دائما وجهان. في نفس الوقت الذي تذكر ما يتعلق بالماهية، فإنها تتضمن أيضا تعيين حدود ذلك الذي لا يندرج تحتها. تحديد الماهية ليس واضحا بذاته أبدا. بالنسبة إلى هايدغر، فالجوهر ليس طبيعة موجودة دائما في أفق معرفتنا. بل على العكس من ذلك، فهي مخفية في الأصل ولا يتم اكتشافها إلا من خلال جهد الفكر الذي اختار أن يذهب إلى ما هو أبعد من اليقينيات المباشرة للحس المشترك والممارسة العملية.
لنبدأ بالتساؤل باختصار شديد عن الكلمة الأكثر هشاشة؛ ألا وهي العدم، ما دام للحضور خاصية مسالمة. قلنا أعلاه أن الوجود قام بالانسحاب، انسحب إلى العدم. هذه الكلمة، كونها الأكثر هشاشة، سنستمر في استخدام هشاشتها للتأكيد على أن كل موجود بما هو موجود يأتي من العدم. ماذا يعني هذا التأكيد؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، نلتزم بأن نعلن أننا لن نقدم خطاباً مفصلاً، مسهبا أو مطورا حول ذلك العدم كما فعل هايدغر، ولكن بما أن هذه الدراسة تتناول ماهية الحقيقة وأظهرنا، تماشيا مع هايدغر، أن الحقيقة في جوهرها تحمل معها اللاحقيقة، نرى أنه من الضروري أيضا، في تقديم الوجود في جوهره، أن نقول كلمة قصيرة عن الجانب الآخر من الوجود، خاصة وأن هايدجر يتحدث عن انسحاب الوجود.
عندما نقول أن كل موجود بما هو موجود يأتي من العدم، فإننا نعني بذلك أنه لا ينبغي البحث عن أساس الموجود انطلاقا من الموجود المعطى كما هو معطى في الموجود ككل المتضمن في الموجودية بشكل عام أو في كل الموجود. تشخص هذه النقطة قفزة من معنى الموجود في مجموعه الذي اعتبرته الميتافيزيقا التقليدية كلية “العالم” نحو تصور جديد للموجود في مجمله الذي يتعين البحث عنه في ما بكون الآخر لكل موجود. وهذا الآخر هو الذي نسميه العدم، والذي ليس خاصية محدودة لموجود بالنظر إلى آخر، بل هو بلغة هايدغر ما يجعل الكشف يكون كذلك بالنسبة إلى الدازاين
(يتبع)
المرجع ذاته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى