يطرح تقديم عروض مسرحية للأطفال بنهاية مأساوية، مع توظيف الترهيب الديني ( العقاب الدنيوي و الأخروي) ، وخيار الانتحار، وتصوير المرأة بوصفها “سلاح الشر”، إشكالا مركبا يتجاوز حدود الذوق الفني إلى دائرة المسؤولية التربوية والأخلاقية، فمسرح الطفل كما يعي الجميع فضاء لتشكيل الوعي، وبناء الحس الجمالي، وترسيخ قيم إنسانية قادرة على مرافقة الطفل في نموه ، و لهذا فإن أي اختيار جمالي داخله ينبغي أن يفحص على ضوء أثره النفسي والدلالي، لا على ضوء “جرأته” فحسب.
أولا: اختلال في فهم التراجيديا داخل أفق الطفل .
التراجيديا، في تصورها الكلاسيكي عند أرسطو، تقوم على إثارة الخوف والشفقة وصولا إلى “التطهير”، إلا أن هذا الأفق يفترض متلقيا يمتلك أدوات تأويلية تمكنه من تحويل الصدمة إلى معنى ، أما الطفل، وفق مراحل النمو المعرفي عند جان بياجيه، لا يملك دائما هذه القدرة، خاصة حين تقدم الأحداث بصيغة مباشرة وقاطعة، لذلك، فإن نقل التراجيديا كما هي إلى مسرح الطفل يفضي غالبا إلى أثر عكسي ، فبدل أن ينتج فهما، يخلف قلقا أو ارتباكا.
إن نهاية مأساوية مغلقة ـ لا يلوح أفق للتجاوز أو الاستمرارـ تجعل العرض ينتهي على “انسداد دلالي”، وهو انسداد يتعارض مع وظيفة المسرح الموجه للطفل بوصفه أفقا للاكتشاف والطمأنة المعرفية و حب الحياة ، لا فضاء لتكريس العجز و الخوف .
ثانيا: الترهيب الديني بين القيمة والتوظيف.
لا خلاف في أن البعد الروحي يمكن أن يشكل موردا غنيا في بناء القيم، غير أن تحويله إلى أداة ترهيب مباشر يفقده عمقه الإنساني، ويحوله إلى خطاب تخويفي، فالطفل لا يحتاج إلى دين يخيفه بقدر ما يحتاج إلى معنى يرشده.
إن استثمار الدين دراميا يقتضي تقديمه كأفق للرحمة والاختيار والمسؤولية، لا كآلية لإنتاج الذنب والرهبة، وحين يبنى الصراع على ثنائية “الطاعة/العقاب” دون مساحات للفهم، فإن العرض ينزلق من الفن إلى الوعظ المباشر، ويفقد قدرته على الإقناع الجمالي.
ثالثا: خطورة إدراج خيار الانتحار.
يمثل إدراج الانتحار بوصفه مخرجا دراميا في عرض موجه للأطفال نقطة توتر قصوى، فحتى في أدبيات مسرح الكبار، يتعامل مع هذا الموضوع بحذر بالغ، فكيف إذا قدم لمتلقي لم تتبلور لديه بعد أدوات التمييز بين التمثيل والاقتداء؟
و حتى في مسرح الكبار يعد تقديم الانتحار كنهاية حاسمة، دون معالجة نقدية واضحة، خللا في المسؤولية الدرامية، لأنه يختزل الصراع في “نقطة انطفاء” بدل أن يفتحه على إمكانات الفهم والتجاوز ، فما بالك بمسرح يقدم للأطفال !!!
رابعاً: صورة المرأة بين التنميط والإقصاء.
تصوير المرأة بوصفها “سلاح الأشرار” خطاب درامي خطير يعيد إنتاج صور نمطية عن المرأة تعود للقرون الوسطى ، فالطفل، في هذه المرحلة، يبني تمثلاته الأولى عن الآخر (المرأة/الرجل)، وأي خطاب يقدم له يتحول إلى مرجع ضمني في فهم العلاقات الإنسانية.
خامسا: الخلل في التوازن السينوغرافي والانفعالي .
غالبا ما ترافق مثل هذه العروض لغة بصرية وصوتية مكثفة (إضاءة قاتمة، موسيقى ضاغطة، أداء مشحون)، ما يخلق حمولة انفعالية مرتفعة لا يقابلها تفريغ أو توازن ، و في مسرح الطفل، يعد الإيقاع النفسي عنصرا حاسما حيث ينبغي توزيع التوتر والارتخاء بما يسمح للمتلقي باستيعاب ما يشاهده دون إنهاك.
إن غياب هذا التوازن يجعل التجربة أقرب إلى “صدمة حسية” منها إلى تجربة جمالية متكاملة.
سادسا: نحو بدائل جمالية وتربوية.
لا يعني نقد هذا الاختيار الدعوة إلى تسطيح الموضوعات أو تجنب القضايا الصعبة، بل على العكس ، فمسرح الطفل يمكنه أن يقترب من الألم، الفقد، والخطأ، لكن عبر معالجات تفتح أفق المعنى، ومن بين البدائل الممكنة:
* تحويل النهاية المأساوية إلى نهاية مضيئةـ إن صح التعبير ـ تبقي على المعنى دون انسداد.
* تقديم البعد الديني بوصفه قيمة رحيمة تعزز الاختيار والمسؤولية
* معالجة الأزمات عبر إظهار إمكانات الدعم والتجاوز.
* تقديم شخصيات نسائية فاعلة، لا مختزلة في وظيفة رمزية سلبية.
وختاما ، إن جرأة الموضوع لا تقاس بحدة الصدمة، إنما بقدرة العرض على تحويل التجربة الإنسانية إلى معنى قابل للتلقي. ومسرح الطفل، بحكم طبيعته، يضاعف هذه المسؤولية، فهو لا يكتفي بعرض العالم، بل يساهم في تشكيله داخل وعي المتلقي الصغير، لذلك ، فإن كل اختيار جمالي داخله هو، في جوهره، اختيار و مسؤولية تربوية أيضا.
بوتجيم محمد
مؤطر ورشة الفنون المسرحية بمؤسسة التفتح الفني و الادبي المختار السوسي بطاطا .