وجهة نظر

من الفاعل المعرفي إلى المحتج المُفوَّض أو مفارقات احتجاج الأساتذة الجامعيين

مصطفى المنوزي
أثار احتجاج بعض الأساتذة الجامعيين أمام البرلمان، رفضًا لحالة التنافي بين الوظيفة الجامعية وممارسة مهنة المحاماة، نقاشًا يتجاوز حدود الملف المطلبي ذاته، ليطرح أسئلة أعمق حول طبيعة الفعل الاحتجاجي داخل الجامعة، وحدود العلاقة بين المعرفة والمؤسسة والسلطة.
فالمفارقة لا تكمن فقط في ضعف التأطير المؤسساتي للاحتجاج أو في الشعارات غير المتناسبة مع طبيعة ملف تشريعي دقيق، بل أيضًا في كون الدعوة إلى الاحتجاج صدرت، بحسب المتداول، عن وزير العدل نفسه خلال لقاء أكاديمي. وهنا يتحول الاحتجاج من تعبير مهني مستقل إلى ما يشبه “التفويض الاحتجاجي” الصادر من داخل السلطة ذاتها، بما يربك الحدود بين الترافع المستقل وصراعات التأثير داخل دوائر القرار.
وتبرز هنا مفارقة أعمق: كيف يتحول الأستاذ الجامعي، المفترض فيه إنتاج الخطاب النقدي والعقل المؤسساتي، إلى فاعل احتجاجي يفتقد أحيانًا أدوات التأطير والترافع التي يفترض أن تميزه عن غيره؟ فالمؤسسات لا تتفاعل مع الانفعال بقدر ما تستجيب للحجج والبدائل والصياغات الاقتراحية الدقيقة.
كما أن الاحتجاج خارج الأطر التمثيلية المؤهلة يطرح أسئلة تتعلق بالصفة والشرعية المهنية: من يمثل الجسم الجامعي؟ وبأي سند مؤسساتي؟ وهل يتعلق الأمر بإرادة جماعية مؤطرة أم بتحريك ظرفي محدود الأثر؟
ومع ذلك، فإن نقد أساليب الاحتجاج لا يعني إنكار وجود مطالب حقيقية مرتبطة بالاعتبار المهني والحكامة الجامعية. غير أن عدالة المطلب لا تكفي وحدها، إذا لم تُترجم إلى فعل تفاوضي مؤطر وقادر على إنتاج أثر مؤسساتي.؛ ولذلك فإن ما تكشفه هذه الواقعة، في النهاية، ليس فقط أزمة مطلب، بل أزمة وساطة وتمثيلية وحوكمة تشريعية؛ حيث تبدو بعض المؤسسات عاجزة عن تدبير الخلاف داخل قنواتها الطبيعية، إلى درجة اللجوء إلى التعبئة العمومية كامتداد لصراعات التأثير.، من هنا ، يبقى التحدي الحقيقي هو استعادة نموذج “الفاعل المعرفي المفاوض”، القادر على تحويل المعرفة إلى قوة اقتراحية، وربط المطالب الفئوية بقضايا الجامعة والمجتمع، بدل الانزلاق نحو احتجاجات ظرفية تستنزف الرصيد الرمزي للأكاديمي أكثر مما تعزز موقعه داخل المجال العمومي ؛ ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ما تزال الجامعة قادرة على إنتاج نموذج عقلاني في إدارة الخلاف والتفاوض، أم أنها بدأت تعكس، بدورها، أزمة الثقة والوساطة التي تطبع المجال العمومي . فمرحبا بالجميع ومقترحاتهم لكن وفق المعايير والأعراف ، وعبر القنوات المؤسستية وفي إطار القانون وسلطانه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى