وجهة نظر

الحفر بالفأس لانتزاع الأمل والصبر على الملل

نجيب خياط
وجدت عاملاً في بداية ورشة بناء. من خلال الآلات المنتشرة في الموقع، بدا المشروع ضخماً. كان يحفر بفأسه بلا مبالاة، متتبعاً مساراً مرسوماً. اقتربت منه وسألته:
— ماذا ستبنون هنا؟
أراح الفأس على الأرض والتقط أنفاسه المتعبة قبل أن يجيب:
“والو، قالوا لي احفر، وأنا أحفر.”
كان الصباح لا يزال في بدايته، لكن التعب كان قد رسم خطوطه على وجهه. ثم أضاف مبتسماً:
“لو سألت كل العمال الذين تراهم هنا، حتى واحد منهم لن يعطيك جواباً صادقاً. كل واحد سيخبرك بقصته؛ هذا يشرق بحديثه وذاك يغرب به. حتى واحد لن يعطيك الحقيقة كاملة.”
ضحكت وقلت له:
— لكن الجميع يعمل هنا.
فقال:
“إيوه… الكل يعمل، ولكن كل واحد يعمل من أجل لقمة العيش، من أجل التامارا… وهذا كل ما في الأمر.”
لأنني أكبر منه سناً، وجدت نفسي – دون وعي مني – أتحدث إليه كأب. ولو أنني فكرت قليلاً قبل الكلام، لما قلت ما قلت. سألته:
— إذا كان هذا العمل لا يرضيك، فلماذا لا تغيّره؟
تماسك قليلاً، وكأن كلمتي مسّت شيئاً من كبريائه، ثم قال:
“اسمع يا سيدي… أنا جئت من نواحي بني ملال، من قلب الجبال، إلى المحمدية أبحث عن عمل. وعندما انتهى العمل في الورشة الأولى، جئت إلى وزان لعلي أجد حظي. أنا مثل عباد الله، أنتظر حتى يحنّ الله.
اسمع يا سيدي… أنا حاصل على إجازة في الفلسفة. تقدمت لمسابقتين في التعليم، ولم يكتب الله لي النجاح. فقلت لا يمكن أن أبقى مكتوف الأيدي.”
لو لم أتمالك نفسي لطلبت منه الصفح عن تسرعي في الحكم عليه. في لحظة واحدة تغيّر المشهد كله أمامي. لم يعد ذلك الرجل مجرد عامل يضرب الأرض بفأسه، بل إنسان يحمل في داخله قصة كاملة من الترقب والمحاولات والإخفاقات.
في تلك اللحظة تذكرت صديقاً درس في الاتحاد السوفياتي في منتصف السبعينيات. كان يحدثني أن كثيراً من حملة الشهادات العليا هناك كانوا يعملون بالمعاول في ورشات البناء. يومها استغربت كثيراً، بل ربما لم أستوعب كلامه تماماً.
لكن وأنا أنظر إلى هذا الشاب، والفأس في يده، أدركت فجأة أن الطريق بين الفكر والعمل ليس مستقيماً دائماً كما نتصوره… وأن الحياة كثيراً ما تجبر الإنسان على أن يحمل بيد كتاباً، وباليد الأخرى فأساً.
ومع ذلك، يبقى العمل، مهما كان نوعه، أحد دعائم الحياة الأساسية. وكما قال فولتير:
“العمل يبعد عنا ثلاثة أخطار: الملل، والرذيلة، والحاجة.”
لكن يبدو أن مشكلتنا ليست في العمل بحد ذاته، بل في المعنى الذي نمنحه له. فعندما يتحول العمل إلى مجرد تامارا مادية، وإلى انتظار دائم للقمة العيش، يفقد قدرته على درء الملل، وقد لا يستطيع حتى أن يمنحنا الكرامة التي خُلق العمل من أجلها.
كان لقائي بهذا الشاب محملاً بالكثير من العبر. فمن ناحية، يذكّرنا بأن العمل واجب وأمانة، بل عبادة كما نقول دائماً؛ عبادة تمنع الإنسان من الغش والتقصير، وتدعوه إلى الإتقان وتحمل المسؤولية.
ومن ناحية أخرى، بدا لي العمل أيضاً شكلاً من أشكال المقاومة: مقاومة الفراغ، ومقاومة اليأس، ومقاومة السقوط في العجز والانتظار العقيم.
ولعل هذا ما تتفق عليه أقوال الحكماء جميعاً، كلٌّ بطريقته الخاصة؛ فالعمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو أيضاً وسيلة للحفاظ على إنسانيتنا. إنه لا يبعد عنا الملل والرذيلة والحاجة فحسب، بل يمنح لحياتنا معنى… عندما نعرف لماذا نعمل، وعندما نشعر أن كل ضربة فأس، وكل جهد صغير، يساهم في بناء شيء أكبر منا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى