وجهة نظر

بين اليقين والسخرية: كيف يُنتج خطاب بنكيران الإقصاء السياسي؟ بوشعيب شكير

  لا تكمن أهمية رد عبد الإله بنكيران على تصريحات الأستاذ محمد عبادي في مضمونه السياسي فحسب، بل في البنية الخطابية التي تحكم منطقه وآليات اشتغاله. فحين يقول إن “الزمن أثبت أننا كنا على صواب”، ثم يضيف أن “العدل والإحسان غير موجودة سياسيًا إلا في المناسبات”، فإنه لا يكتفي بالدفاع عن خيار المشاركة السياسية، بل ينتقل إلى إعادة رسم حدود الشرعية السياسية نفسها: من يحق له الحديث باسم السياسة؟ ومن يملك حق تقييم التجارب؟ ومن يُعترف به أصلًا فاعلًا سياسيًا؟
غير أن أول ما يفرض نفسه قبل الخوض في هذه الأحكام هو ملاحظة منهجية لا تقل أهمية عن مضمون النقاش نفسه. فالتصريح الذي بُني عليه رد بنكيران لم يصدر، في أصله، في سياق سجال انتخابي أو مواجهة سياسية مباشرة، بل ورد ضمن حوار توثيقي يستعيد محطات من المسار الشخصي والحركي، وعند استحضار أحداث سنة 2011 أُشير، في سياق تاريخي، إلى الرسالة التي كانت جماعة العدل والإحسان قد وجهتها آنذاك إلى حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، متضمنةً تقديرها لخيار المشاركة. ومن ثم، فإن نقل هذا الكلام من سياقه التاريخي إلى معركة سياسية آنية يغيّر موضوع النقاش، ويؤسس لرد على دلالة لم تكن هي محل الحديث أصلًا.
بعد ذلك، يبرز أول مرتكز في خطاب بنكيران، وهو تحويل السياسة من مجال للاجتهاد إلى مجال لامتلاك الحقيقة. فعبارة “كنا على صواب” لا تُقدم باعتبارها تقييمًا سياسيًا لتجربة معينة، بل بوصفها حكمًا نهائيًا يفصل في الخلاف. غير أن السياسة، بخلاف الرياضيات أو المنطق الصوري، ليست مجالًا للأحكام المطلقة، وإنما فضاء للاجتهاد، وتقدير المصالح، وقراءة موازين القوى، وتقييم النتائج. ولذلك، فإن أي تجربة سياسية تبقى قابلة للنقد والمراجعة، ولا يملك أي فاعل أن يحتكر الحقيقة أو ينصب نفسه حكمًا نهائيًا على التاريخ.
ومن هذا الادعاء باليقين، ينتقل الخطاب إلى خطوة ثانية تتمثل في احتكار تعريف السياسة نفسها. فوفق هذا المنطق، لا يكون الفاعل السياسي إلا من يشارك في الانتخابات ويتولى المسؤولية داخل المؤسسات، أما من اختار المقاطعة فليس موجودًا سياسيًا. لكن هذا التعريف ليس حقيقة موضوعية، بل تصور سياسي قابل للنقاش. فالسياسة لا تختزل في الانتخابات ولا في تدبير المؤسسات، وإنما تشمل أيضًا إنتاج الأفكار، والتأثير في الرأي العام، وصناعة البدائل، والاحتجاج، والضغط المجتمعي، وإعادة تشكيل الوعي السياسي. ولولا هذا المعنى الواسع، لما اعتُبرت كثير من الحركات الاجتماعية والتحررية والحقوقية فاعلًا سياسيًا في التاريخ.
وهنا تظهر أولى المفارقات في الخطاب. فمن يصرح بأن خصمه “غير موجود سياسيًا”، هو نفسه من يخصص له خطابًا مطولًا، ويرد على مواقفه، ويدعوه إلى تقديم مشروع بديل. ولو كان هذا الخصم فعلًا بلا أثر سياسي، لما استحق كل هذا الجهد في الرد عليه. إن مجرد تخصيص هذا الحيز من الخطاب له يُعد اعترافًا ضمنيًا بأنه حاضر في المجال العمومي، وأن تأثيره يفرض نفسه، حتى وإن كان محل خلاف.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يكشف الخطاب عن آلية أخرى تتمثل في مصادرة حق المخالف في تقييم التجربة. فبدل مناقشة مضمون النقد الموجه إلى تجربة المشاركة السياسية بعد سنة 2011، انتقل النقاش إلى سؤال آخر: “أين مشروعكم البديل؟”. غير أن هذا الانتقال يمثل مغالطة حجاجية معروفة؛ لأن مشروعية النقد لا تتوقف على امتلاك الناقد لمشروع بديل. فمن حق أي فاعل سياسي أو مدني أن يقيم تجربة قائمة، وأن ينتقد نتائجها، سواء شارك فيها أم اختار موقعًا آخر.
وبالمنطق نفسه، فإن الاحتكام إلى أن “الزمن أثبت” صحة خيار المشاركة يحتاج هو الآخر إلى مساءلة. فما معيار هذا الإثبات؟ هل مجرد الوصول إلى الحكومة؟ أم تحقيق الإصلاحات التي وُعد بها المغاربة؟ أم الحد من الفساد والاستبداد؟ أم توسيع مجال الحريات؟ أم تعديل موازين القوة داخل الدولة؟ إن مثل هذه الأسئلة لا تجيب عنها الخطب، وإنما تجيب عنها حصيلة التجربة نفسها، وهي حصيلة ما تزال، إلى اليوم، موضوع نقاش سياسي وفكري مشروع.
غير أن أكثر ما يستوقف في هذا الخطاب ليس مضمونه فقط، بل لغته أيضًا. فمن الطبيعي أن تنفلت بعض العبارات في سجالات الأنصار أو في لحظات الاحتقان، لكن الأمر يختلف حين تصدر عن قيادة سياسية يفترض أن تؤسس لثقافة الحوار والاختلاف. ولذلك، فإن استعمال تعبير من قبيل “قريت المقال فالحمام” لا يمكن اعتباره مجرد دعابة عابرة، لأنه ينقل النقاش من مستوى الأفكار إلى مستوى التنقيص من صاحبها.
والواقع أن السخرية هنا ليست مجرد أسلوب بلاغي، بل تؤدي وظيفة سياسية واضحة؛ فهي تعفي المتكلم من عناء مناقشة الحجة بالحجة، وتستبدل البرهان بالاستهزاء، وتحوّل النقاش من مساءلة الأفكار إلى التقليل من شأن أصحابها. والأخطر من ذلك أن اللغة التي تنتجها القيادات لا تبقى حبيسة المنابر، بل تتحول إلى نموذج يحتذي به الأنصار، فتتراجع ثقافة الحوار لتحل محلها ثقافة التهكم والتصنيف والإقصاء.
ومن ثم، فإن المشكلة لا تكمن في دفاع بنكيران عن تجربته، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما في الكيفية التي يُدار بها هذا الدفاع. فعندما يتحول الدفاع عن تجربة إلى ادعاء امتلاك الحقيقة، ويتحول الاختلاف في التقدير إلى نفي للوجود السياسي، وتتحول الحجة إلى سخرية، فإننا لا نكون أمام نقاش سياسي صحي، بل أمام خطاب يسعى إلى احتكار الشرعية وإقصاء المخالف رمزيًا.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس: من كان على صواب؟ بل: ماذا أنتج كل خيار سياسي؟ ماذا حققت المشاركة؟ وما الذي أخفقت فيه؟ وكيف أثرت في مسار الإصلاح، وفي موازين السلطة، وفي واقع الحقوق والحريات؟ تلك هي الأسئلة التي تغني النقاش العمومي، أما إعلان امتلاك الحقيقة، فلا ينتج سوى يقين مغلق، يرفض المراجعة، ويعامل الاختلاف باعتباره خطأً ينبغي نفيه لا رأيًا ينبغي محاورته.
فالسياسة ليست عقيدة تُقسِّم الناس إلى ناجين وهالكين، ولا محكمة يصدر فيها السياسي أحكامًا نهائية على التاريخ. إنها مجال مفتوح للتعدد، والتدافع، والمراجعة، وتنافس الرؤى. وكل خطاب يبدأ بادعاء احتكار الحقيقة، وينتهي إلى نفي شرعية المخالف، يكون قد غادر روح السياسة، ودخل منطق الهيمنة الرمزية، حيث يُستبدل الحوار بالإقصاء، والحجة باليقين، والاختلاف بالتصنيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى