هناك مشاهد لا ينبغي أن يمر عليها الإنسان المسلم والمتدين بعين الاعتياد، ولا أن يسكت عنها العالم بحجة المحافظة على مشاعر الناس، ولا أن تُمنح حصانة دينية لمجرد أنها ارتبطت بزاوية أو شيخ أو طريقة.
من أقبح ما يمكن أن يراه المرء أن يقف إنسان أمام إنسان مثله، فينحني له، أو يقبل رجليه، أو يتهافت على يديه، أو يتذلل أمامه تذللا يخرج عن حدود الأدب المشروع، ثم تُلبس هذه الأفعال لباس التبرك والمحبة والولاية والصلاح.
هنا لا بد من وضع الأمور في نصابها الشرعي، بلا مواربة ولا تزويق.
التعظيم شيء، والعبادة شيء آخر، والتبرك شيء ثالث، والغلو باب رابع. ومن لا يميز بين هذه المقامات فقد خلط في الدين خلطا خطيرا.
فالله سبحانه وتعالى يقول:
وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا.
ويقول جل وعلا:
قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له.
ومقتضى التوحيد أن تكون غاية الخضوع والذل والافتقار والرجاء والاستعانة والعبادة لله وحده. أما البشر، مهما علت منزلتهم في العلم أو الصلاح أو النسب أو الانتساب إلى طريقة، فهم عباد لله، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا، ولا يشاركون الله في شيء من خصائص ربوبيته أو ألوهيته.
ولهذا فإن تقبيل اليد ليس عبادة في ذاته، ولا يجوز أن يُجعل دليلا على الشرك بمجرده، فقد ورد في بعض الآثار ما يدل على جواز تقبيل يد العالم أو الوالد في سياق الاحترام. لكن الفقه لا يُبنى على الحركة المجردة وحدها، وإنما على القصد والهيئة والسياق والمعنى الذي تحمله الممارسة.
أما حين يتحول الأمر إلى تقبيل الأرجل، والانحناء المذل، والتهافت على الشخص، واعتقاد أن ذاته مصدر للبركة أو أنه يملك من الخصائص ما لا يملكه سائر البشر، فهنا يصبح السكوت عن الظاهرة ضربا من العبث بالدين.
والأخطر من الفعل الحسي هو العقيدة التي قد تُبنى وراءه.
فإذا اعتقد الإنسان أن مخلوقا يملك بذاته جلب النفع أو دفع الضر أو التصرف في الكون أو إجابة الدعاء أو تفريج الكرب استقلالا عن الله، فهذه مسائل تمس أصل التوحيد، وقد تدخل في الشرك الأكبر بحسب الاعتقاد والقصد، والحكم على الأعيان في ذلك له ضوابطه وشروطه وموانعه، ولا يحق لكل متحمس أن يوزع أحكام التكفير على الناس.
لكن هذه الدقة العلمية لا ينبغي أن تتحول إلى جبن علمي.
نقول الفعل باطل أو محرم أو غلو حيث يقتضي الدليل ذلك، ونقول الاعتقاد شركي إذا تضمن صرف خصائص العبادة لغير الله، ونترك تكفير المعين للقضاء العلمي الشرعي المستجمع لشروطه.
هذه هي الدقة التي يقتضيها العلم.
أما أن نرى إنسانا يطأطئ رأسه لإنسان، ويقبل رجليه، ويتذلل له، ثم نقول له: هذا كله من المحبة والتبرك، فهذه ليست فقها، وإنما هي مصادرة للعقل باسم الدين.
والأدهى من ذلك أن بعض من يُقدَّسون يرضون بهذه المظاهر، بل قد تتحول حولهم إلى منظومة اجتماعية من الهيبة المصطنعة والطاعة العمياء، حتى يصبح الشخص في وعي أتباعه فوق السؤال والمراجعة والنقد.
وهنا يجب أن يقال بوضوح:
لا عصمة لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا شيخ، ولا فقيه، ولا إمام، ولا صاحب زاوية، ولا صاحب نسب، ولا صاحب طريقة.
العالم يُحترم بعلمه، ولا يُعبد بعلمه.
والصالح يُحب لصلاحه، ولا يُرفع إلى مقام العصمة.
والشيخ يُوقر ما دام في حدود الشرع، ولا يصبح بمجرد الانتساب إلى طريقة مالكا لقلوب الناس وعقولهم.
إن صناعة الأشخاص المقدسين أخطر من مجرد المبالغة في الاحترام، لأنها تنتهي إلى تعطيل ملكة النقد، وإلغاء العقل، وإنتاج التبعية، وربط التدين بالأشخاص بدل ربطه بالوحي.
والفقه الإسلامي نفسه قائم على تحرير الإنسان من سلطان الأشخاص؛ فليس في الإسلام كهنوت، ولا طبقة رجال دين تمتلك مفاتيح الغفران، ولا بشر يحتكرون الطريق إلى الله.
أما الصمت الذي يمارسه بعض الأئمة والوعاظ وأهل العلم أمام هذه المشاهد، فهو يحتاج إلى وقفة أشد صراحة.
ماذا يفعل العلم إذا كان العالم يرى الغلو ثم يصمت؟
وماذا تفعل المنابر إذا كانت ترى الإنسان يُذل أمام الإنسان ثم لا تقول له إن كرامتك ليست ملكا لأحد؟
وماذا يفعل الوعظ إذا كان يخشى أن يخسر رضا أصحاب النفوذ الروحي والاجتماعي أكثر مما يخشى أن يترك الناس أسرى لممارسات لا يقرها الشرع؟
إن العالم الذي يعرف خطورة الغلو ثم يسكت عنه، بحجة أن السكوت يجمع القلوب، يحتاج إلى أن يتذكر أن جمع القلوب على الخطأ ليس من مقاصد الشريعة، وأن المجاملة في أبواب العقيدة ليست ورعا، وأن مداهنة الناس في الباطل ليست حكمة.
لقد كان القرآن شديدا في التحذير من الغلو، فقال تعالى:
يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق.
والغلو لا يبدأ دائما بعبادة صريحة؛ قد يبدأ بمبالغة في التعظيم، ثم صناعة هالة، ثم تعطيل النقد، ثم نسبة خصائص استثنائية إلى الشخص، ثم يصبح مع الزمن تقليدا اجتماعيا يرفض الناس مساءلته لأنهم وجدوا آباءهم عليه.
وهنا تكمن الكارثة.
حين يصبح الموروث أقوى من الدليل، والشخص أقوى من النص، والعاطفة أقوى من العقيدة، تتحول الممارسة الدينية إلى حصانة اجتماعية تمنع الإصلاح.
ولا يعني هذا الطعن في الزوايا جميعها، ولا إنكار دور التصوف السني في التربية والسلوك، ولا الإساءة إلى العلماء والصالحين. بل العكس تماما؛ فإن الدفاع عن الدين يقتضي تنقية التدين من كل ما علق به من غلو وخرافة واستغلال وتقديس للأشخاص.
فالزاوية التي تربي على القرآن والسنة والتزكية والأخلاق والصدق والتواضع، شيء.
والزاوية التي تجعل الشيخ مركزا تدور حوله القلوب، وتُستباح أمامه كرامة المريدين، ويصبح فيها التذلل للبشر علامة على التدين، شيء آخر تماما.
ليس من التوحيد أن تهدم صنما من حجر ثم تصنع صنما من بشر.
وليس من السنة أن تستبدل عبودية الله بعبودية الأشخاص.
وليس من العلم أن تسكت عن الغلو خوفا من غضب المريدين.
وليس من الحكمة أن ندفن الأسئلة الشرعية تحت ركام العادات والتقاليد.
إن الأمة التي تريد حماية عقيدتها مطالبة بأن تفرق بين التوقير والتقديس، وبين التبرك المشروع والغلو، وبين المحبة والعبودية، وبين احترام العالم وإلغاء العقل أمامه.
وما لم تُفتح هذه الملفات بجرأة علمية ومسؤولية فقهية، فإن بعض مظاهر التدين ستظل تنتج إنسانا يخفض رأسه أمام بشر، بينما يرفع شعار التوحيد بلسانه.
وهذه، في تقديري، واحدة من أكثر المفارقات إيلاما في الوعي الديني المعاصر.