المعرض الدولي للنشر والكتاب: رواق دار الثقافة ينظم وقفة رمزية تكريما لروح الفقيد عبد النبي دشين

أحمد رباص ـ تنوير
نظمت دار الثقافة للنشر والتوزيع في رواقها الحامل رقم D48، في المساحة الزمنية الفاصلة بين الثانية و الثالث من زوال العاشر من ماي الحالي، وقفة رمزية وفاء لروح الكاتب الفقيد عبد النبي دشين (1959-2026).
سير اشغال هذه الوقفة الشاعر والكاتب حسن نجمي الذي نوه في البداية بعلاقة دشين الوطيدة بدار الثقافة، هذا البيت الرمزي الذي كان الكاتب الراحل يعتبر نفسه فردا من أفراد عائلته، بحيث كان لا يبرح مقهى ابن بطوطة المقابلة للدار التي يعود الفضل في تأسيسها إلى المرحومين الشريف القادري، والد مديرها الحالي هشام، ومحمد الكتاني.
وأشار حسن نجمي إلى مساهمات الأستاذ دشين في مجالات القصة القصيرة والنقد السينمائي، وإلى مسؤولياته العديدة في التدبير الثقافي واشتغاله مع أعضاء اتحاد كتاب المغرب على المستوى المركزي وعلى صعيد فرعه المحلي بالدار البيضاء.
في كلمته الافتتاحية، شكر مؤلف “حياة صغيرة” الحضور الوازن لثلة من الوجوه الثقافية المرموقة، مبررا حرصهم على التواجد في هذه اللحظة بأخلاقية الفقيد العالية والتي تجسدت من خلال إمداده للكتاب الجدد والكاتبات الجديدات بالأمل في مواصلة المشي على درب الكتابة. كما لم يفته التوجه بالشكر الجزيل إلى أصدقاء دار الثقافة نظير حرصهم على تأثيث هذه اللحظة بحضورهم الجسدي والروحي على حد سواء.
كان أول المتدخلين هشام القادري، صديق دشين الراحل، الذي قدم كلمة وفاء في وداعه وهو الغائب الحاضر، وفي ما يلي نصها الكامل
“نقف اليوم في لحظة وداع مهيبة بقلوب ملؤها مزيج من لوعة الحزن وعمق الامتنان، لنؤبن قامة من قامات العطاء العامة، بل نبيلاً نقش حروفا من نور في سجلات مدار الثقافة.
كان الفقيد (رحمه الله) من طينة أولئك الكبار الذين آمنوا بأن الضوء يصنع في الخفاء، فاشتغل في صمت المبدعين، وكان الجسر الذي عبرت عليه العديد من الأسماء والتجارب إلى الوجود. لم يكن يرى في خدمة الكتاب والمثقفين مجرد واجب وظيفي، بل اعتبر تلك الخدمة رسالة وجودية تسبق العمل، وغاية تسمو فوق كل اعتبار. وتميز الراحل بخصال قل نظيرها في زمننا هذا، حيث كان عنوانا لنكران الذات إذ كان يغلب المصلحة العامة دائماً، ويؤثر نجاح المؤسسة على ظهوره الشخصي. كما عمل من التواضع منهجاً، ومن الوفاء مسارة وكانت العلاقة العالية هي اللغة التي يتحدث بها مع الجميع.
كان منارة مهنية، وساهم في بناء صرح دار الثقافة بإنجازات ملموسة، تركت أثراً لن يمحوه الغياب.
نم أيها العزيز قرير العين، فما زرعته من قيم المحبة والإخلاص لن يذبل. شكراً لك على تلك الروح النبيلة التي غمرت بها ساعتنا الثقافية. إن غاب جسدك، فإن أثرك الطيب سيظل حياً في الذاكرة، حاضراً في كل رف من رفوف هذه الدار، وفي كل نبضة وفاء يحملها لك زملاؤك وأصدقاؤك.
سنذكرك دائماً بابتسامتك الصادقة التي كانت تفتح أبواب الأمل، وبإخلاص الذي كان يذلل الصعاب، وبنقائك الذي جعل منك إنساناً استثنائياً بكل ما للكلمة من معنى.
ختاما، باسم إدارة وموظفي وكافة طاقم دار الثقافة، تتقدم بأسمى عبارات التعازي والمواساة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل كل ما قدمه من فكر وعمل في ميزان حسناته، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصالحين والأبرار”.
في الفقرة الثالثة من هذه الوقفة، تقدم الشاعر مراد القادري، ممثلا لبيت الشعر، ليدلي بشهادته في حق الفقيد. بدأها بكلمة شكر لفائدة دار الثقافة التي نظمت واحتضنت هذه الوقفة الرمزية، مؤكدا على أن الراحل كان حريصا على أن يبث بين ثنايا متنه القصصي جملا مموسقة تنم عن وجود إيقاع شعري، وبرهن بالتالي عن كون الشعر يوجد في اتجاهات متباينة ومتنوعة.
وأضاف القادري أن المرحوم دشين استطاع بحسه الإنساني أن يكون شاعرا من زاوية السرد والنقد والسلوك الإنساني القويم. وشهد المتحدث بأن الفقيد راكم، قيد حياته، إسهامات ثرة في جميع القطاعات، خاصة قطاع التعليم الذي تدرج فيه من مدرس إلى أستاذ.
أما الفقرة الرابعة فقد خصصت للشاعر إدريس الملياني الذي ارتجل كلمة لم يخل إلقاؤها من تأثر عميق نابع من أساه وحزنه على موته المفاجئ. والملاحظ أن إدريس الملياني التقى مع مراد القادري عندما اعتبر الراحل شاعرا حقيقيا لأن قصصه القصيرة يتخللها إيقاع شعري، مقترحا نشر بعض كتاباته في جنس الشعر بدلا من جنسها الأصلي.
ووقف الملياني أن الراحل لم يكن يهاب الموت حيث أتى على ذكره في نصوصه، وحتى أثناء مرضه الأخير كان يستشعر دنو أجله. وإنصافا لروحه، اقترح المتدخل على الدار التي نتواجد الآن في رواقها أن تنشر أعماله في مجلد واحد. وختم الملياني كلمته بتذكير الحضور بأن كتاب دشين “لا أحد ينتظرني” حظي بجلستين: الأولى في الرباط والثانية في الدار البيضاء.
ثم حان أوان إدلاء الشاب المبدع أنيس الرافعي بشهادته في حق هذا الرجل الذي اجتمعنا اليوم لإحياء ذكراه بهذه الوقفة الرمزية.
قال أنيس في مستهل كلمته إن أثر دشين راسخ وحاضر في الذاكرة والوجدان، مخبرا الحاضرين بأنه ساءل نفسه عند تكليفه بإعداد شهادته في حق الفقيد: كيف أستعيده؟ ثم أجاب بأنه يستعيده مثل ومضات ومشاهد سينمائية.
وتذكره الرافعي قارئا ومواكبا لكل المستجدات ومستشار لدار الثقافة. كما استرجع في هذا المقام تلك المآخذ التي كان يوجهها باحترام إلى كتاب جيل الشباب والتي انصبت بالأساس على الإكثار من الصور والإنتاج.
في نظر الرافعي، كان دشين من كتاب الكهوف والأغوار السحيقة، موثرا الظل والمناطق التي تكتفي بأن تضاء بشمعة فقط.
وأسر الرافعي للحضور بأن دشين كان يخبره بأنه يكتب ولا ينشر؛ لأن التراكم لا يهمه، بقدر ما يهمه إنتاج نص يشبهه. والمؤسف، كما يقول المتحدث، أن أصدقاءه أرادو عقد لقاء بإخراج جميل يواتي شخصه الكريم بالدار البيضاء، لكنه في آخر لحظة أخطر الفقيد صديقه الرافعي بأنه لن يلتحق قائلا: أنا أحس بأني سأمضي قبل الموعد. وهكذا أحس الرجل في تلك الآونة بدنو رحيله. وفي ختام مداخلته، اقترح أنيس تثبيت صورة لدشين على واجهة مكتبة دار الثقافة إلى جانب محمد عابد الجابري ومحمد عزيز الحبابي.
في الأخير، تقدمت المذيعة سعاد الزعتراوي بكلمة استهلتها بإهداء كتابها الجديد “بورتريهات.. من المشاهد إلى القارئ” الصادر عن دار الثقافة والذي جمعت فيه حوارات أجرتها مع كتاب عديدين من بينهم عبد النبي دشين. وأرى أنه من المفيد إدراج إعدائها كما أنزل:
“إلى الكاتب عبد النبي دشين الذي آمن بأن الأثر ليس مجرد كلمة، بل حياة تُروى، وفكرة تبعث فجعل من بذرتها حقيقة”. ولم تنس الكاتبة الاعتراف باليد البيضاء التي أسداها الفقيد لهذا الكتاب من ألفه إلى يائه.



