الحنبلي عزيز -متابعة
في مشهد يعكس استمرار التوتر السياسي والعسكري بين موسكو وكييف رغم الحديث عن هدنة مؤقتة، تعهّدت أوكرانيا رسميًا بعدم استهداف احتفالات “يوم النصر” التي تحييها روسيا سنويًا في التاسع من مايو، تخليدًا لذكرى هزيمة ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، بينما شددت موسكو على أنها لا تحتاج إلى “إذن من أحد” لتنظيم هذا الحدث الذي تعتبره جزءًا من هويتها الوطنية وذاكرتها التاريخية.
وأعلنت الرئاسة الأوكرانية أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي وقّع مرسومًا يضمن عدم توجيه أي هجمات أو أسلحة نحو الساحة الحمراء في موسكو، حيث يُقام العرض العسكري المركزي بمناسبة “يوم النصر”. وأوضح المرسوم أن القرار جاء عقب مشاورات مع الولايات المتحدة وضمن اعتبارات إنسانية مرتبطة بالهدنة المؤقتة وتبادل الأسرى بين الطرفين.
في المقابل، رد الكرملين سريعًا على الخطوة الأوكرانية، إذ أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف أن روسيا لا تستأذن أي جهة لإحياء هذه المناسبة الوطنية، محذرًا مما وصفه بـ”المزحات السخيفة” التي قد تستهدف الاحتفالات أو رموزها.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع إعلان موسكو وكييف موافقتهما على مبادرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقضي بوقف إطلاق نار مؤقت وتبادل ألف أسير بين الجانبين، على أن تمتد الهدنة من 9 إلى 11 مايو الجاري. كما سبق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أعلن هدنة يومي 8 و9 مايو بمناسبة احتفالات النصر.
وتُعد مناسبة “يوم النصر” من أكثر المناسبات رمزية في روسيا، حيث تحيي البلاد ذكرى انتصار الاتحاد السوفيتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية، وهي الحرب التي تعتبر الأكبر والأكثر دموية في التاريخ الحديث. وتمنح هذه الذكرى للسلطات الروسية فرصة لتعزيز الخطاب الوطني وربط الماضي بالحاضر، خاصة في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا منذ فبراير 2022.
هذا العام، حمل خطاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبعادًا سياسية وعسكرية واضحة، بعدما ربط بين “الحرب الوطنية العظمى” ضد النازية وما تسميه موسكو اليوم بـ”العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا. وأكد بوتين، خلال إشرافه على العرض العسكري الضخم في الساحة الحمراء، أن روسيا بأكملها تقف خلف قواتها المسلحة في المعركة المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.
وشهدت موسكو إجراءات أمنية مشددة خلال الاحتفالات، خصوصًا بعد الهجمات الأوكرانية الأخيرة التي استهدفت العاصمة الروسية. وترأس بوتين العرض العسكري بحضور قادة دول وشخصيات دبلوماسية وقدامى المحاربين، فيما قدّم وزير الدفاع الروسي أندريه بيلاوسوف تقريرًا عن جاهزية القوات المشاركة قبل انطلاق المراسم الرسمية.
وفي كلمته، شدد بوتين على أن الشعب الروسي “يقدّس تراث جنود النصر”، معتبرًا أن الحفاظ على ذاكرة الحرب العالمية الثانية يمثل “شرفًا وواجبًا وطنيًا”. وقال إن الاتحاد السوفيتي “أنقذ العالم من النازية”، مشيدًا بما وصفه بـ”التضحيات الجسيمة” التي قدمها الجنود الروس من أجل حرية أوروبا وكرامة شعوبها.
وأضاف الرئيس الروسي أن النازيين “أخطأوا في تقدير قوة الروح الروسية”، مؤكدًا أن وحدة الشعب الروسي كانت العامل الحاسم في هزيمة ألمانيا النازية. كما اعتبر أن مقاتلي “العملية العسكرية الخاصة” في أوكرانيا يستلهمون بطولات الجيل الذي انتصر في الحرب العالمية الثانية، مضيفًا أن القوات الروسية تواجه اليوم “عدوانًا مدعومًا من حلف شمال الأطلسي”.
وأكد بوتين أن النصر لا يتحقق فقط في ساحات القتال، بل أيضًا عبر جهود المدنيين والعاملين في الخطوط الخلفية، مشيرًا إلى أن روسيا تواصل تطوير أسلحة حديثة استنادًا إلى الخبرة القتالية الحالية، وأن الشعب الروسي “قادر على تجاوز كل المحن مهما كانت التحديات”.
زر الذهاب إلى الأعلى