ثقافة و فن

المعرض الدولي للنشر والكتاب: ندوة حول مجموعة شعرية لحسن نجمي مترجمة إلى الإسبانية ومتوجة بجائزة ابن عربي

أحمد رباص ـ تنوير
تحت عنوان “فوق البوديوم: دم على جناح طائر وقصائد أخرى”، تحقق، يوم الجمعة ثامن ماي الجاري، ما وعدت به وزارة الشباب والثقافة والتواصل ضمن البرنامج الثقافي الخاص بالنسخة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب المقام حاليا بالرباط.
يتعلق الأمر بكتاب ناطق بلغة سرفانتيس يضم مختارات من شعر حسن نجمي يأتي على رأسها ديوانه الموسوم بـ”دم على جناح طائر”. ترجم هذه القصائد المنتقاة إلى اللغة الإسبانية صديق حسن نجمي الشاعر المغربي خالد الريسوني، وهو من قام بتسيير هذه الندوة التي احتضنها رواق وزارة الشباب والثقافة وأطرها كل من حسن نجمي وصديقه الذي لم يلتق به منذ ثلاثين سنة خلت.
المقصود بهذا الرجل باسيليو رودريغيز كانيادا الذي سهر على إخراج هذه المجموعة الشعرية في حلة براقة تليق بسمعة دار النشر Pigmalion التي هو مديرها. ولابد من الاعتراف بأن عمل خالد الريسوني في الترجمة أضفى لمسةً فنيةً دقيقةً تُكمّل روعة النص، ناقلاً إلى الإسبانية عبق النص العربي الأصلي. ومن المناسب، في هذا المقام، الإشارة إلى أن مدير دار النشر الإسبانية أشاد، في صدارة الكتاب، بالعمل المُتقن لمترجم حسن، من العربية إلى الإسبانية، بدقةٍ وإتقان خالد الريسوني، الذي ترجم الأبيات الأصلية ببراعة الصائغ.
على ظهر غلاف هذا الكتاب نقرأ أن أشعار حسن نجمي تتجاوز تلك العتبة التي فيها تتحول الذاكرة إلى نفس، وتكشف التجربة اليومية عن رقتها وعمقها. في هذه القصائد، يتشابك الحميم والجماعي في صوتٍ يتأرجح بين النور والظلام، جامعًا أدق الإيماءات، والجروح الغائرة، والحنان الذي يبقى حيًا حتى وسط صخب العالم.
يقدم ديوان “دم على جناح طائر” خريطةً للزوال: المدينة كنبضٍ منهك، والجسد كأرضٍ للتناقضات، والحياة كمساحةٍ يتعايش فيها الحب والفقدان والوضوح العنيد الذي لا يزال يُساندنا. كتابة نجمي، المنتبهة دائمًا لما يُهدد بالزوال، تُحوّل أصغر الأشياء إلى كشفٍ، وتدعونا إلى إدراك ذواتنا في هشاشتنا.
في هذه المختارات، تُصبح الكلمة رمزًا للمقاومة والإصغاء. تفتح الأبيات عتبةً يتردد فيها صدى شكوكنا وظلالنا وأشواقنا، حيث يصبح الأبد صغيرًا بما يكفي ليناسب راحة اليد.
يمثل هذا الكتاب جسراً يربط بين التقاليد والحساسيات، ويتحاور حول جوهر الموضوع: البحث عن المعنى من خلال الكلمات. ويأمل الناشر أن يجد القارئ في هذه الصفحات نفس الدهشة التي رافقت نشره.
يقول الناشر في مقدمة الكتاب إن أشعار حسن نجمي تولد في تلك الفجوة حيث يتلاشى النهار ويعيد الليل تجميع شظاياه. تصعد كلماته من أعماق سحيقة، من عالم الوجود حيث تمتزج التجربة المعيشة والخيال لتشكلا جوهرًا واحدًا نابضًا بالحياة. يجذبنا صوتٌ يتحرك بين النور والظلام، صوتٌ يستكشف حدود ما يُمكن قوله، صوتٌ يتسرب كالماء الرقيق عبر شقوق الذاكرة. هناك، في تلك الأرض الغامضة، يتجلى الوجود كحقلٍ من الصدى حيث ينبض الحميم والجماعي بنبضٍ واحد.
يفتح شعر نجمي مساحةً تتلاقى فيها أصواتٌ متناثرةٌ لمن لا يزالون يشكّون، لمن يتساءلون أين يُخفون الألم، وأين يضعون الأمل كي لا يضيع. يُذكّرنا كتابها باختفائها، ولكنه يُقدّم لنا أيضًا ملاذًا قادرًا على إظهار أن الذاكرة أرضٌ متغيرة، جسرٌ دائمٌ بين خسائرنا وتطلعاتنا، لا يُمكن إلا أن يُفضي إلى بدايات جديدة. في ذلك المدّ والجزر، تستطيع الشاعرة أن تُحافظ على نفسها بكلماتٍ تحترق وتتلاشى، تنبت وتتمزق.
كل قصيدةٍ من قصائد المجموعة شقٌّ يتسرّب من خلاله ما لم نكن نعلم أننا فقدناه. إنها أجنحةٌ مُنهكة، حتى وإن انكسرت، تُواصل محاولة الحفاظ على تحليقها. أجنحةٌ تُدرك خطر السقوط، لكنها تُصرّ على التحليق في السماء، لأنّ من هناك فقط يُمكننا التأمّل في لحظة انكشاف الوجود، ولو لثانيةٍ خاطفة، كالمشهد الطبيعي الذي يسمح بالتأمل ثمّ يعود إلى غموضه. جنّة نجمي ليست واسعةً ولا آمنة: إنّها وميضٌ ضيّقٌ هشٌّ يظهر ويختفي فجأةً، كنبض الأبدية الكامن في الصغير.
ويضيف باسيلو رودريغيز أن قصائد هذه المختارات هي بذور سمٍّ حلو: تهزّ، تُطهّر، تُمزّق، وتُعلن. فيها، يتّخذ الليل شكل شجرةٍ تُفرد أغصانها في وعينا، والحجارة على الدرب تحمل آثارًا لم نكن نعلم أنّها لنا. قراءة نجمي هي جمع هذه الشظايا، حجارة الذاكرة التي تنطق حتى وهي ساكنة. يُحوّل الشاعر أصغر الأشياء إلى وحي؛ ما نلمسه دون انتباه يُصبح يقينًا.
على الرغم من قسوة العالم، يواصل الناشر، إلا أنه يبقى مكانًا تُخلق فيه الكلمات المعنى. يغوص صوته في أعماقنا ليُوقظها، ويستحضر ما نُخفيه، ويُنير ما يغفو، ويُغلف ظلالنا بنوره الخاص.
في هذه الأبيات، نُدرك ذواتنا ككائنات منفتحة وهشة، سكانًا على حافةٍ مُعرّضة للانهيار أو الولادة من جديد. في هذا المكان، حيثُ يتلاقى الريح والروح، وحيثُ تُصبح العين ينبوعًا، يُتيح لنا حسن نجمي إمكانية الاستماع إلى أنفسنا من مكانٍ آخر: مكانٌ خفيّ، يكاد يكون سريًا، حيثُ تُصبح الأبدية صغيرةً بما يكفي لتُحمل في راحة اليد.
لذا، فإنّ هذا العمل الذي تم تقديمه بين الساعة الثانية والنصف والثالث والنصف من زوال نفس اليوم يُمثل اندماجًا وتناغمًا بين تراثين ثقافيين وأدبيين يلتقيان في جوهرهما، كما يختم رودريغيز.
في ختام هذه الندوة، تفضل حسن نجمي بإلقاء كلمة شكر وجهها إلى الناشر والمترجم كليهما، منوها بما بذله الأول من مجهود أفضى إلى تقديم هذا الإصدار الجديد للجنة مشكلة من شعراء جمعهم الشعر وفرقتهم الجغرافيا وانفقوا بالإجماع على منح أبي ريم جائزة ابن عربي للأدب العربي.
بهذه المناسبة، فتح حسن نجمي قوسا ليحدث الحضور عن ابن عربي كمتصوف وحكيم جاء إلى هذا العالم نتيجة زواج أبيه الأندلسي بأمه الأمازيغية، وعاش متنقلا بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط إلى أن قرر الذهاب إلى الشرق وعاش هناك ما تبقى له من حياة إلى أن مات ودفن بدمشق التي ما أن وطأ حسن نجمي أرضها حتى أسرع الخطى نحو الضريح الذي ترقد فيه رفات مؤلف “الفتوحات المكية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى