إشكالية التنافي بين المقاربة النقدية والمقاربة النفعية

مصطفى المنوزي
يثير النقاش المرتبط بالجمع بين مهنة المحاماة ومهنة التدريس الجامعي إشكالًا يتجاوز مجرد الخلاف القانوني أو المهني، ليكشف عن تنازع عميق بين مقاربتين مختلفتين في فهم المهنة والوظيفة والمعرفة: مقاربة نفعية تؤسس موقفها على منطق المردودية والانفتاح الاقتصادي، ومقاربة نقدية تنظر إلى المسألة من زاوية الحكامة والتوازنات الرمزية وأخلاقيات الوظيفة العمومية ؛ فالمقال موضوع النقاش ( مقال لأستاذ جامعي منشور في جريدة بيضاوية ) اعتمد أساسًا على منطق نفعي يقوم على تفكيك الحجة القائلة إن السماح للأساتذة الجامعيين بولوج مهنة المحاماة سيؤدي إلى الإضرار بالمحامين الشباب أو إغراق السوق المهنية. واستند الكاتب إلى أرقام وإحصائيات ومقارنات دولية لإثبات أن عدد الأساتذة المعنيين يظل محدودًا، وأن دولًا متقدمة تسمح بالجمع دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار المهنة أو تراجع جاذبيتها ؛ غير أن هذا البناء الحجاجي، رغم تماسكه الظاهري، يكشف نوعًا من الاختزال للإشكال، لأنه يحصر النقاش في بعده الكمي والاقتصادي، بينما قضية التنافي في أصلها ليست دائمًا قضية “عدد” أو “سوق”، بل قد تكون قضية مرتبطة بطبيعة السلطة المهنية وحدود التداخل بين الوظائف ومخاطر تضارب المصالح واختلال موازين النفوذ داخل الحقول المهنية.
فالمقاربة النفعية تنطلق من سؤال: “ما الفائدة الاقتصادية والمهنية من السماح بالجمع؟” ؛ بينما المقاربة النقدية تطرح سؤالًا مختلفًا: “ما أثر هذا الجمع على العدالة المهنية وتوازن الحقل واستقلالية الوظيفة الجامعية وجودة الأداء؟”
ومن هنا يظهر أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط بنسبة الأساتذة الذين قد يلتحقون بالمهنة، بل أيضًا بما يمتلكه الأستاذ الجامعي من رأسمال رمزي ومعرفي ومؤسساتي قد يمنحه امتيازًا ضمنيًا داخل سوق يفترض فيه تكافؤ الفرص، خاصة بالنسبة إلى المحامين الشباب في بداياتهم المهنية.
كما أن المقارنة مع دول أوروبية، رغم أهميتها التفسيرية، لا تكفي وحدها لبناء استنتاجات حاسمة، لأن الأنظمة المهنية والقضائية تختلف من حيث: البنية الاقتصادية وثقافة التقاضي، وحجم السوق القانونية وآليات التأطير ونوعية التكوين، وطبيعة العلاقة بين الجامعة والمهن الحرة . وبالتالي، فإن استدعاء التجارب الأجنبية دون تفكيك شروطها التاريخية والمؤسساتية قد يؤدي إلى نوع من “القياس الانتقائي” الذي ينقل النتائج دون مساءلة السياقات المنتجة لها. ومن زاوية أخرى، فإن الخطاب الذي يربط الانفتاح دائمًا بالتقدم، ويعتبر القيود المهنية مجرد تعبير عن الخوف أو الانغلاق، يبقى خطابًا يحتاج بدوره إلى مراجعة نقدية؛ لأن كل تنظيم مهني يشتغل أيضًا بمنطق حماية التوازنات الأخلاقية والمؤسساتية، لا فقط بمنطق التحكم في السوق.
لذلك، فإن النقاش حول التنافي لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة تبسيطية بين “أنصار الحداثة والانفتاح” و”أنصار الانغلاق والمحافظة”، لأن هذا التصنيف الثنائي يخفي تعقيد المسألة. فحتى المدافع عن التنافي قد ينطلق من هاجس حماية استقلالية الجامعة أو ضمان التفرغ الأكاديمي، وليس بالضرورة من نزعة إقصائية أو نقابية ضيقة.
كما أن المقال، في بعض مقاطعه، غادر لغة التحليل الأكاديمي نحو لغة التبخيس الخطابي من خلال توصيف الرأي المخالف بكونه “تافهًا” أو “لا قيمة له”، وهو ما يضعف الطابع الحواري للنقاش، لأن الفكر النقدي لا يكتفي بنقض الحجج، بل يسعى أيضًا إلى فهم دوافعها وسياقاتها الاجتماعية والمؤسساتية.
ولهذا ، إن جوهر الإشكال، في النهاية، لا يكمن فقط في سؤال السماح أو المنع، بل في طبيعة النموذج المهني الذي يراد بناؤه:
هل نريد مهنًا مفتوحة بلا ضوابط؟ أم قطاعات مغلقة بمنطق الامتيازات؟ أم صيغة وسطى تقوم على الانفتاح المؤطر بالحكامة والشفافية وتدبير تضارب المصالح والتوازن بين الحق في الممارسة وواجب التفرغ والمسؤولية المهنية؟
ذلك أن التنافي الحقيقي ربما لا يوجد فقط بين المحاماة والتدريس، بل بين رؤيتين للمعرفة نفسها: معرفة تعتبر المهنة امتدادًا للمنفعة والتوسع والنجاعة، ومعرفة ترى أن للوظائف العمومية والرمزية حدودًا أخلاقية ومؤسساتية ينبغي التفكير فيها بمنطق نقدي لا بمنطق السوق وحده. وأخيرا وليس بآخر علينا أن نجيب عن أسئلة مركزية : هل هيئة التدريس والبحث العلمي مستقلة عن الوظيفة العمومية المؤطرة بالقانون وليس بالتعاقد ؟ ألا يجب تغيير مقتضى ” حالة التنافي ” الواردة في قانون الوظيفة العمومية ، قبل التفكير في إلغائها في قانون المحاماة ؟ وهل يجوز الإتفاق على مخالفة حكمة المشرع الدستوري فيما تقتضيه المصلحة العامة والنظام العام ؟
إن الحوار يستدعي ، بالنسبة للقانونيين ، هنا وهناك ، أنه من حق المواطنين المطالبة بتحسين وضعهم المادي والمعنوي من خلال المطالبة بتجويد النصوص القانونية ذات الصلة بالتنظيم الذاتي ، والذي ينبغي أن يتلاءم مع الدستور والقوانين التنظيمية والعامة ؛ لكن في السياق الحالي، أن يطالب أساتذة القانون برفع التنافي، مع الإبقاء على منع الجمع في قانون الوظيفة العمومية ؛ فهذا ، موضوعيا وواقعيا ، يخلق “تعارضاً تشريعياً” يمنع الموظف فعلياً من الممارسة، وذلك للأسباب التالية:سمو قانون الوظيفة العمومية ، وابذي يُعتبر نظاما أساسيا العام للوظيفة العمومية (المادة 15) ، فهو القانون العام الذي يحظر على الموظف مزاولة أي نشاط مهني حر (من ضمنه المحاماة) يدر دخلاً، والجمع بينه وبين وظيفته.مشروع قانون المحاماة 66.23: بينما يقترح مشروع قانون المحاماة تعديلات لفتح المهنة، لأن الأستاذ الجامعي يظل موظفاً، ويشترط قانون الوظيفة العمومية التفرغ. وبالتالي ينشأ تناقض عملي إذا تم رفع التنافي في قانون المحاماة وبقي في قانون الوظيفة العمومية، وسيظل الموظف (الأستاذ) مهدداً بعقوبات تأديبية من إدارته، رغم كونه مرخصاً له من قبل هيئة المحامين على أساس قانونها !


