قراءة في نبض الإبداع العربي: سلسلة تجارب حية – تجربة جميلة الشريف في قلب الأدب والتربية

د. آمال بوحرب
تندرج تجربة الكاتبة التونسية جميلة الشريف ضمن سياق الأدب العربي المعاصر الذي يعيد التعامل مع الأدب وسيلة تربوية وثقافية، لا مجرد فعل زائد عن الحياة. فهي تكتب رواية تعالج أزمات الذات والزمن، وتكتب قصة تختبر فيها حدود المتخيل، ثم تكتب للأطفال واليافعين، وتعلمهم كيف يكتبون وتؤطر ورشات الكتابة وتدخل بالإذاعة، لتجعل من الكتابة مشروعا ثقافيا عاما، لا حدثا فرديا . ـ ـ ـ تجربة تخيلية وفلسفية في الرواية والقصة
تشكل روايات جميلة الشريف، مثل “لو يبوح القمر” و”الحب زمن الإرهاب” و”بابونج”، محطات مركزية في تجربتها، إذ تقدم نوعا من التأمل في الذات الإنسانية في زمن متأزم، حيث تختل التوازنات ويتقلب العالم، ويهز العنف الأنسجة العائلية والاجتماعية.
في هذه الروايات، لا تختزل القصة في الحدث الخارجي فقط، بل تنصب نفسها في طيها ملفا نفسيا للشخصيات، يعيد قراءة العلاقات الحميمة في مواجهة اضطرابات العصر. ويذكر هذا النهج بقول توفيق الحكيم: “الفن ليس ترفا، بل هو الطريق إلى معرفة الذات والعالم».
هذا السياق يعد قربا من مدرسة تعيد صياغة الأدب كفضاء مفتوح للتأمل الذاتي، لا كوسيلة للإثارة أو السرد التوثيقي المجرد، ويُذكر في بعضه بمقولات فلسفية تشدد على أهمية العودة إلى الذات في زمن الانفراج والتشرذم في قصصها مثل “على أنفها تحملنا الدنيا” و”آمنا يعبر جسر الأناكوندا” و”بابونج”.
تصبح القصة مختبرا مكتفا، تختبر فيه الحدود بين اليومي والغرائبي، والواقعي والرمزي في تجربة تقربها من نزعة تريد أن تخضع القصة المعاصرة لاختبارات لغوية وبنائية، وتعيد قراءة السرد في إطار مفهومي أوسع، تقارب في مداها ما يسمى في بعض الأدبيات بالقصة المعرفية، أي القصة التي تختبئ في روايتها جملة أسئلة وجودية، لا اقتصارها على مجرد رواية مشاهد. وهذا يشبه ما فعله نجيب محفوظ في الثلاثية حين حول السرد إلى تأمل وجودي عميق.
أدب الطفل واليافع: تجربة تربوية وفلسفية
يعد اهتمامها بأدب الطفل واليافع، سواء في “الدمية” و”أنوشكا” ورواية “عازفة وراء الستار”، أحد أهم أعمدة التجربة، لأنه يحولها من كاتبة إبداعية إلى مربية ثقافية تحمل مسؤولية الوعي الجمالي منذ المراحل الأولى. في هذا المسار، تظهر شريف رفضها للخطاب الإخباري المباشر، وتحاول أن تبني قصتها على الاشتغال بالرمز والمفاجأة الفنية في محاولة تقرّب أفكار مدرسة تربط الأدب بالتنشئة، لكنها تعدلها في سياق حديث يعترف فيه بقدرة الطفل على التفكير المعقد، لا باعتباره فقط مستقبلا للقيم. وفي ذلك يحضر قول البرت أينشتاين «التعليم الحقيقي هو ما يبقى بعد أن تنسى كل ما تعلمته». مقاربة مع توفيق الحكيم
يمكن قراءة تجربة جميلة الشريف في فضاء أوسع إذا وضعت في حوار مفاهيمي مع تجربة توفيق الحكيم، التي تعد من الروافد الكبرى التي أعادت النظر في اعتبار الأدب وسيلة تأثير معرفي وفلسفي لا مجرد تسلية أو سرد لا منطقي. فالحكيم يجعل من الأدب مشروعًا فلسفيا – مسرحيا يتسلل إلى عمق الإنسان، فيعيد صياغة وعيه بالقيم، ويُعيد تشكيل علاقته بالمجتمع والزمان عبر مسرحيات وروايات ونصوص تفتتح في القارئ فجوة للتأمل، وتسقي فضوله بالسؤال عن معنى الحرية والعدالة والصلاح.
في هذا الإطار ينظر إلى الأدب عند الحكيم باعتباره “مدرسة” تمارس مهمة تربوية وفكرية، لكنها تمارسها في فضاء المسرح، وداخل النصوص المطبوعة، بعيدًا عن الإشراف المباشر على المدرسة أو الورشات التعليمية. وقد عبر الحكيم عن ذلك بقوله: «الأدب الحقيقي هو الذي يجعل الإنسان أكثر إنسانية».
أما جميلة الشريف فتعيد هذه الروح في سياق معاصر ومحلي، لكنها تحور مسار الاتجاه التعليمي فتنزل الأدب من فضاء المسرح إلى فضاء المدرسة، ومن الذائقة الثقافية العامة إلى الذائقة الجمالية للطفل واليافع، لتمارس التربوية في عمق الواقع المعيش، ليس لديها ما يقابل المسرح الحكيمي وإنما لديها ورشات الكتابة مثل “متطوعون”، وبرامج الإذاعة، وأدب الأطفال، وهي تحول القارئ إلى كاتب والكاتب إلى متعلم، والمتعلم إلى مثقف في حركة مستمرة تعيد تشكيل العلاقة بين النص والقارئ،وبين المدرسة والحياة، وبين التخيل والواقع.
إذا قيدت قراءة مقارنة بين التجربتين، يمكن القول إن تجربة الشريف تعد “تربوية تخيلية” تعيد بناء إنسان معاصر من خلال النص، بينما تعد تجربة الحكيم “فلسفية مسرحية” تعيد بناء الإنسان من خلال المسرح. فالحكيم يقدم الأدب كمرآة فلسفية للحياة، يعيد فيها صياغة أوضاع الإنسان، ويعيد التساؤل عن هويته في المجتمع، أما الشريف فتقدم الأدب كبستان تربوى يُزرع فيه الإنسان الجمالي، وتعلمه كيف يرى العالم بعين مبدعة، وتعيد له نظرة الطفل البكر في زمن يزدحم بالصور والصدمات. وبهذا التماثل في الروح، تقدم تجربة الشريف تجليا معاصرًا ومحليا لروح تجربة توفيق الحكيم، لكنها تمارسها في فضاء الطفل، وتأطير اليافع، وورشات الكتابة، وبرامج الإذاعة، في مسار يجعل الأدب وسيلة يومية حاضرة مباشرة في حياة الناشئة، لا مجرد تجربة أدبية معلنة في الكتب أو المسرح.
مقاربة مع “البؤساء” لفيكتور هوغو
يمكن قراءة تجربة جميلة الشريف في سياق أوسع من خلال مقاربتها مع رواية “البؤساء” لفيكتور هوغو، التي تعيد صياغة الأدب كوسيلة للتغيير الاجتماعي والفكري في رواية “البؤساء”، تقدم القصة كبحيرة تعيد تشكيل الوعي العام، وتجعل من الأدب وسيلة لتحرير الإنسان من أوضاعه المتأزمة، وتجعل من القارئ مشاركاً في بناء الإنسان الجديد.
في تجربة شريف تمارس هذه الروح نفسها، لكن في سياق معاصر وتربوي، تجعل من الأدب وسيلة لتحرير الإنسان من أوضاعه المتأزمة، وتجعل من القارئ مشاركاً في بناء الإنسان الجديد، مع التركيز على الطفل واليافع، وجعل الأدب وسيلة لبناء الإنسان الجمالي. وكما قال فيكتور هوغو: “الكتب هي أصدقاؤنا الصامتون، وأقوى سلاح التغيير المجتمع”.
مقاربة مع أدباء التأطير التربوي
يمكن قراءة تجربة جميلة الشريف في سياق ظاهرة أوسع في الأدب العربي المعاصر، وهي الكتاب المرشدون التربويون الذين يخرجون الكتابة من محيطها الجمالي الفردي إلى فضاء التأثير التربوي. هنا يستشف حضور خفيف لروح قريبة مما يمارسه أدباء مغاربة مثل مصطفى لغتيري في مسيرته التي تحاول إخضاع الأدب لـ “خدمة التربية”، وإن اختلفت أدواتهما ومساراتهما؛ فلغتيري يكتب نصا نظريا مباشرًا، بينما تجسد الشريف هذا المشروع عبر الرواية، وورشات الأطفال، والإذاعة. في نفس الإطار، يمكن ربطها بجهود مبدعي أدب الطفل في العالم العربي، الذين يوصفون بأنهم يحملون نوعا من “المسؤولية الأمومية” تجاه الناشئة، ويربطون القصص بالقيم وبناء الوعي، لا بالتسويق أو التسلية البحتة. لكن الشريف تذهب إلى أبعد من ذلك، فهي لا تعد أدب الأطفال وسيلة تزيين للقيم فقط، بل تحول الطفل نفسه إلى كاتب في ورشات مثل “متطوعون”، ما يُعد امتدادًا لأفكار مدرسة “الكتابة التعبيرية” و”النقد البناء للمتعلم” في التربوية النقدية العربية. تجربة جميلة الشريف وتراث الأدب السردي العربي
على مستوى التقاطع الأدبي، تظهر تجربة الشريف تعمقا في الاستفادة من التراث بالاستلهام الشكلي والرمزي في قصصها مثل “آمنا يعبر جسر الأناكوندا” و”بابونج”، تطفو حوارات حياتية مختلطة بين اليومي والمستنبط، تشبه تلك الأحاديث التي عرفها القارئ في القصص الشعبية وأمثال الأجداد، لكنها ترتدي حوامل حديثة ورؤى وجودية. أما شريف فتظهر نسخة مدنية وحديثة من هذا المشروع: تبقط الأدب بتراث القصص والحكاية، لكنها تدخله في فضاءات الحرية والانفتاح، وترمي إلى تنشئة قارئ ينظر إلى العالم بنظرة بكر، كما تقول في حواراتها الأدبية. تجربة جميلة الشريف وفلسفة الإبداع
على المستوى الفكري، تقدم تجربة جميلة الشريف قراءة خفيفة لفلسفة الإبداع كطريقة في الوجود وليس مجرد فعل زائد عن الحياة. فمثلاً الإشراف على ورشة “متطوعون” وتحويل كتابة التلاميذ إلى كتب منشورة، لا يعد توسيعا للرصيد الأدبي، بل يعبر عن قناعة فلسفية بأن الإبداع يتم في العين البريئة، ويعيش في الكلمة المبتدئة. هذا يقربها من نزعة تشبه ما يطرحه بعض المفكرين حول الإنسان المبدع كمشروع وجودي، حيث لا يكتفى بالكتابة، بل تؤسس للحياة التي تعاش كنص مفتوح. وفي هذا يأتي قول أينشتاين: “الخيال أهم من المعرفة”
ومن أفق فلسفي معين، يمكن رؤية تجربة شريف في “نقطة تلاقي” بين الفلسفة التربوية والفلسفة الجمالية. فتظهر في تجربتها أن الجمال لا يختزل في الشكل الأدبي، بل في العملية التعليمية التي تحول القارئ إلى كاتب، والكاتب إلى معلم. هذا يناسب مقاربة قريبة مما يطرحه فلاسفة التربية الحديثة، عندما يصورون التعليم كأداة لبناء الذات، وليس مجرد سلسلة من المهارات الفنية، وهو ما يوازي اهتمامها الإبداعي بتصوير الذات النفسية للشخصيات في رواياتها.
مقاربة في الزمن العنيف
في سياق زمني تسيطر فيه صور العنف والصراع على الخطاب الأدبي، يمكن قراءة تجربة جميلة الشريف كنقيض للفروسية الوجودية القصوى. فهي على خلاف بعض الأدباء الذين ينزلون النص على أرض المأساة دون مخرج، تحاول أن تمسك بين يديها الجد واللطف وتنقذ من بين ركام التوتر رؤية إنسانية تحافظ على الأمل، حتى في روايات تكتب في زمن الإرهاب، مثل “الحب زمن الإرهاب”. هذا يقربها من حيث النبرة من بعض المقاربات الفلسفية التي تعاكس التشاؤم الوجودي، وتدفع إلى إبقاء سؤال الأمل حيا في مواجهة الأحداث الرهيبة.
أخيرا، يجوز القول إن تجربة جميلة الشريف تعد مشروعا ثقافيا متكاملا، يعيد قراءة الأدب في علاقته بالتعليم، وبحيز الطفل، وبالقضاء العام، وبوسائل الإعلام، في مسار يذكر في روحه بالمقولات الفلسفية عن الإنسان المبدع، لكنه يجسدها في مسارات عملية، لا في نصوص نظرية معلنة. تحول الأدب إلى فعل حي يُمارس في المدرسة وفي الورشة، وفي القصة، وفي الإذاعة، وتعيد ترتيب أولوياته، فيصبح نضا مفتوحا يشارك القارئ في بناء معناه، ويجعل من الكتابة جزءًا من عملية بناء الإنسان الجمالي. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه معي في كل قراءة وهو: إلى أي حد تنقذنا هذه المساحات من التجارب الأدبية من معاناة الواقع والاغتراب الوجودي؟


