الحنبلي عزيز -متابعة
استعاد الكاتب والصحافي لحسن العسبي، في شهادة مؤثرة، تفاصيل أول سهرة فنية حضرها لمجموعة ناس الغيوان، وهو في سن الخامسة عشرة، وذلك خلال خريف سنة 1979، وبالضبط يوم 10 نونبر، بالمسرح البلدي الراحل بشارع لالة الياقوت بمدينة الدار البيضاء.
ويقول العسبي إن تلك السهرة ظلت محفورة في ذاكرته بتفاصيلها الدقيقة، قبل أن يعيد إليها اكتشاف تسجيل قديم لسهرة لناس الغيوان، رجّح بقوة أنه يعود إلى تلك الليلة ذاتها. وما عزز يقينه، حسب شهادته، هو أصوات الجمهور وحماسه، إضافة إلى الشعارات السياسية التي ردّدها الحاضرون داخل المسرح، والتي تركت أثراً عميقاً في نفسه وهو في ذلك العمر.
وكان العسبي قد علم بتنظيم تلك السهرة من خلال جريدة “المحرر”، التي كان والده الراحل عبد الله العسبي يقتنيها يومياً. وقد نظمت إدارة جريدتي “المحرر” و**“ليبراسيون”**، لسان حال حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حفلاً فنياً خُصص مدخوله لفائدة عائلات الجنود والضباط من القوات المسلحة الملكية الذين استشهدوا في الصحراء المغربية. وشارك في هذا الحفل كل من الثنائي الساخر بزيز وباز، ومجموعة ناس الغيوان.
ويشير العسبي، في سياق استحضاره لتلك المرحلة، إلى مبادرة الجماعة الحضرية لعين الذئاب، التي كان يرأسها آنذاك الاتحادي الراحل مصطفى القرشاوي، إلى بناء عمارة قرب مستشفى الصوفي، خصصت لعائلات شهداء القوات المسلحة الملكية بالصحراء، وهي بناية لا تزال قائمة إلى اليوم بمحاذاة مسجد الحسن الثاني.
وفي تلك الفترة، كان لحسن العسبي تلميذاً بإعدادية ابن ماجة التابعة تنظيمياً لثانوية ابن زيدون بحي عين الشق، ومنخرطاً ضمن ما كان يعرف بتيار “نقابة التلاميذ” اليسارية. كما كان مسؤولاً عن “السبورة التلاميذية”، التي كان ينشر فيها يومياً “حكمة اليوم” وأخباراً تعليمية وثقافية، بدعم غير مباشر من مدير المؤسسة الأستاذ أحمد الحيمر، الذي يصفه العسبي بالرجل الفاضل والمربي النزيه والوطني الكبير.
ويحكي العسبي أنه ألحّ كثيراً على والده كي يسمح له بحضور تلك السهرة. ورغم أن والده كان يستمع إلى حججه دون أن يجيب، فقد فاجأه يوم الحفل باقتناء تذكرتين، قائلاً له: “سنذهب أنا وأنت إلى المسرح البلدي”. كانت تلك اللحظة، كما يروي، مصدر فرح كبير بالنسبة لذلك الفتى المتحمس.
وعند وصوله إلى المسرح، اكتشف العسبي جانباً آخر من شخصية والده، الذي كان قليل الكلام ولا يشرك أبناءه في تفاصيل مواقفه السياسية أو مسؤولياته النقابية. فقد فوجئ بأن عدداً من الشخصيات السياسية والثقافية المعروفة، التي كان يراها في صور الصحف، يعرفون والده ويقدرونه. وهناك، قدمه والده إلى أسماء بارزة مثل محمد اليازغي، محمد عابد الجابري، مصطفى القرشاوي، الطاهر وديعة، محمد البريني، عبد الله بوهلال، وغيرهم.
ويصف العسبي تلك السهرة بأنها كانت لحظة استثنائية في علاقته بوالده. فقد جلسا معاً في شرفة المسرح، بينما لم يستطع هو البقاء جالساً من شدة الحماس، مردداً أغاني ناس الغيوان عن ظهر قلب، ومندمجاً مع أجواء القاعة وشعارات الجمهور.
ويختم لحسن العسبي شهادته بالتأكيد على أن شيئاً ما تغيّر في علاقته بوالده منذ تلك الليلة. فسهرة ناس الغيوان لم تكن مجرد حفل موسيقي بالنسبة إليه، بل كانت لحظة اكتشاف للذات، وللأب، ولزمن سياسي وثقافي كامل طبع ذاكرة جيل بأكمله.