بقلم الأستاذ: حسن تزوضى
لم تكتفِ وزارة التربية الوطنية بتوقيف الأساتذة خلال الحراك التعليمي، بل يبدو أنها قررت أن تجعل من العقوبة أسلوبَ تدبير، ومن الانتقام الإداري سياسةً طويلة الأمد..
فبعد التوقيفات والاقتطاعات والمحاكمات التأديبية، جاء اليوم دور الإقصاء من الترقية بالاختيار، وكأن الوزارة تريد أن تقول للأساتذة:
من يرفع رأسه مطالباً بالكرامة، سيدفع ثمن ذلك سنواتٍ من عمره المهني..
أيُّ منطق هذا الذي يحكم قطاعاً يُفترض أنه مسؤول عن تربية الأجيال على المواطنة والحقوق؟
وأيُّ رسالةٍ تُرسلها الدولة حين تعاقب أساتذة لأنهم مارسوا حقاً دستورياً وكونياً: الحق في الاحتجاج السلمي؟
لقد خرج الأساتذة إلى الشارع لا لأنهم هواة فوضى، ولا لأنهم يعشقون ملء الشوارع ضجيجا، بل لأن المدرسة العمومية كانت تختنق…وأن حقوقهم كانت مهضومة.
خرجوا بعدما تحولت المهنة إلى مساحةٍ للإهانة والتفقير والتهميش، وبعدما صار الأستاذ آخر من يُفكَّر فيه داخل منظومةٍ تتحدث كثيراً عن “الإصلاح”، بينما تعجز حتى عن حماية كرامة من يشتغلون داخل الأقسام..
كان الحراك التعليمي حدثاً استثنائياً في تاريخ التعليم المغربي..
حراكاً شاركت فيه الأغلبية الساحقة من نساء ورجال التعليم، من مختلف الفئات والانتماءات، لأن الشعور بالاحتقان كان أكبر من أن يُخفى خلف البلاغات الرسمية المليئة بلغة الخشب …
لكن الوزارة، بدل أن تفهم الرسالة، اختارت الطريق الأسهل دائماً:
القمع الإداري..
فجأة، صار الأستاذ الذي يطالب بحقوقه “متمرداً”، وصارت الوقفات السلمية “تهديداً للمرفق العمومي”، وتحولت المطالب الاجتماعية إلى ملفات تأديبية..
والأخطر من ذلك، أن الدولة تصرفت وكأن الدستور مجرد حبر على ورق…
فالحق في الاحتجاج ليس مِنّةً من وزير، ولا امتيازاً تمنحه الإدارة حين تكون في مزاجٍ جيد..
إنه حق دستوري وإنساني كوني، دفعت شعوب كثيرة أثماناً باهظة من أجل انتزاعه..
لكن يبدو أن بعض المسؤولين ما زالوا يفكرون بعقلية قديمة ترى الموظف مجرد كائنٍ وظيفي مطلوب منه الصمت والطاعة، لا مواطناً يملك حق الاعتراض..
ثم جاءت العقوبات التأديبية، لتكشف حجم العبث..
قرارات مرتبكة، متسرعة، فاقدة للسند القانوني المتين، حتى إن القضاء الإداري نفسه أكد عدم مشروعية عدد منها..
وهنا تبدأ الفضيحة الحقيقية..
حين تصدر المحاكم أحكامها، يفترض في الدولة أن تحترم القانون الذي تتحدث باسمه..
لكن ما وقع هو العكس تماماً..
مماطلة، التفاف، ومحاولات لربح الوقت، وكأن تنفيذ الأحكام القضائية أصبح اختياراً لا التزاماً..
أيُّ صورةٍ تبقى للمؤسسات حين يشعر الأستاذ أن القضاء ينصفه على الورق، بينما الإدارة تواصل معاقبته في الواقع؟
ثم جاء الفصل الأكثر بؤساً:
إقصاء عدد من الموقوفين من حقهم في الترقية بالاختيار..
وكأن الوزارة لم تكتفِ بمعاقبتهم مرة، فقررت أن تجعل العقوبة ممتدة، تتسلل إلى مستقبلهم المهني، وتلاحقهم حتى بعد سقوط المبررات القانونية والأخلاقية للعقوبات السابقة..
إنها عقلية الانتقام لا التدبير..
وعقلية تصفية الحسابات لا عقلية دولة المؤسسات..
فالترقية ليست هدية موسمية توزعها الوزارة على “المطيعين”، وليست مكافأة على الصمت..
إنها حق مهني تنظمه القوانين، وأي حرمان مبني على عقوبات فاقدة للمشروعية، هو استمرار للخرق نفسه بصيغة أخرى..
لكن الأخطر من كل هذا، أن الوزارة لا تدرك حجم ما تزرعه داخل المدرسة المغربية..
حين يشعر الأستاذ بالحكرة، وبأن كرامته قابلة للدوس كلما احتج، فإنه يفقد ثقته في المؤسسة..
وحين يفقد الأستاذ ثقته، تفقد المدرسة روحها..
ثم يتحدثون بعد ذلك عن “إصلاح التعليم”..
أي إصلاح هذا الذي يبدأ بإهانة الأستاذ؟
وأي مدرسة يمكن أن تُبنى بالخوف والترهيب والانتقام الإداري؟
الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها واضحة:
الأساتذة الموقوفون ليسوا مذنبين..
بل إن كثيرين منهم سيذكرهم التاريخ التعليمي باعتبارهم من دافعوا عن المدرسة العمومية في لحظة كان الصمت فيها أكثر راحة وأقل تكلفة..
أما الذين اعتقدوا أن العقوبات ستُخيف الجميع، فقد أخطأوا فهم طبيعة اللحظة..
لأن الأستاذ الذي خرج مطالباً بالكرامة، لم يكن يدافع فقط عن راتب أو ترقية، بل كان يدافع عن ما تبقى من معنى لهذه المهنة..
واليوم، تتحمل وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة المسؤولية الكاملة عمّا قد تؤول إليه الأوضاع..
لأن الإصرار على التعنت، ورفض تنفيذ الأحكام القضائية، والاستمرار في سياسة العقاب الجماعي، لا يصنع الاستقرار..
بل يصنع مزيداً من الغضب وفقدان الثقة والاحتقان..
وفي النهاية، قد تستطيع الوزارة أن تؤخر ترقية أستاذ..
لكنها لن تستطيع أن تمحو حقيقةً واحدة:
أن من عوقبوا لأنهم احتجوا سلمياً، كانوا أكثر وفاءً للمدرسة من كثيرين اكتفوا بمراقبة انهيارها من خلف المكاتب المكيفة..