نجح المغرب خلال العصور الوسطى، في بناء إمبراطورية عظمى، بالغرب الإسلامي، و لاسيما أيام المرابطين و الموحدين، الذين بلغوا من القوة و الازدهار و اتساع مدى السيطرة، ما هو معروف و مشهور، فمكن ذلك المغرب من لعب دور المنقذ لعدد من الأقطار الإسلامية من الحملات الصليبية، كالأندلس وإفريقية، و الشام…
و في هذا العصر الذهبي للحضارة المغربية، كانت الجزائر أو المغرب الأوسط خاضعا للدولة المغربية و سلطان مراكش. وذلك لمدة ليست باليسيرة. وعقب هزيمة الموحدين القاسية سنة 609ه أمام قشتالة، بدأت تظهر بوادر الضعف و التفكك. و للإشارة فالدولة الموحدية كانت الدولة الوحيدة، التي تمكنت من توحيد الغرب الإسلامي كله، من تخوم مصر شرقا إلى المغرب والأندلس غربا، وكنتيجة لذاك التفكك انفصلت عن الخلافة الموحدية عدة مناطق، بنيت فيها دول وإمارات جديدة متناحرة فيما بينها. منها: بنو الأحمر بالأندلس، و الحفصيون بإفريقية، و بنو عبد الواد بالمغرب الأوسط. هذا على الرغم من المحاولة الطموحة للخليفة الموحدي السعيد (640-646ه) لإعادة توحيد الغرب الإسلامي، حيث باءت بالفشل بعد مقتله في كمين نصبه له جيش يغمراسن بن زيان نواحي تلمسان سنة 646ه[1]
وفي غضون ذلك المخاض السياسي العسير بشمال إفريقيا، ظهر بنو مرين و اقتطعوا شمال المغرب عن الموحدين، و طاولوهم الحرب حتى أسقطوا خلافتهم سنة 668ه. والذي يجب أن يعلم هنا أن بني مرين و بني عبد الواد كليهما من قبيلة زناتة، وكان بينهما من التنافس و التدافع و الصراع ما يجري بين أبناء العمومة، فلما أفضيا إلى الملك و الإمارة انتقل هذا الصراع من القبيلة إلى الدولة فصار سياسيا و تجلى ذلك في عدة وقائع منها وقعة إيسلي نواحي وجدة سنة 648ه بسبب قصد يغمراسن مدينة فاس، وانتهت بانتصار بني مرين[2] و واقعة سجلماسة سنة 655ه حين قصد يغمراسنسجلماسة واستولى عليها لمدة قصيرة قبل أن يطرده بنو مرين منها في نفس السنة.
هذا ولم يقتصر عداء بني عبد الواد ملوك تلمسان والمغرب الأوسط، للدولة المرينية بالمغرب على التهديدات التوسعية و الحروب، بل شمل أيضا العلاقات الخارجية، كما وقع في حادثة نهب وفد الدولة المملوكية إلى السلطان المغربي، أثناء عودتهم إلى بلدهم[3] فكان رد المغرب على كل هذه التجاوزات هو حصار تلمسان و السيطرة عليها زمن السلطانين العظيمين أبي الحسن، و أبي عنان. ومع ذلك لم يحسم داء الشرق تجاه المغرب..
وبعد انهيار الدولتين الوادية و المرينية، صارت الجزائر ولاية عثمانية منذ 1518م، و التف المغاربة حول الأشراف السعديين، الذين وحدوا المغرب مرة أخرى، وأبعدوا الأطماع الخارجية عنه من جهة الشمال (الخطر الإيبيري) و جهة الشرق (الخطر العثماني) ولاسيما بعد الانتصار في معركة وادي المخازن سنة 1578م، وبنوا شرعيتهم السياسية على البيعة و النسب الشريف و إمارة المؤمنين، وتبنى بعدهم نفس الأسس الأشراف العلويون، فتحول ذلك العداء تجاه المغرب إلى توجس وحذر دون المغامرة بالمواجهة العسكرية المباشرة إلا لماما. واستمر هذا الوضع إلى أن استعمرت فرنسا الجزائر سنة 1830م، وبدلا من أن يسدل بذلك الستار على هذا العداء القادم من الشرق، تم غرس جذور أعمق للصراع، بتوسعات المستعمرة الفرنسية في أراض مغربية بالشرق، ظلت محاولة المطالبة بها بعد الاستقلال من طرف المغرب، كابوسا يؤرق نظام الحكم بالجزائر، و يدفعه إلى الاستمرار في المعاداة المجانية للمغرب و وحدته الترابية و السطو على تراثه الحضاري و الثقافي المعروف بغناه و تنوعه.
نعم المغرب بعمقه الجغرافي في اتجاه الصحراء، وقوته الحضارية، و انفتاحه على أوربا، ووجاهته الدينية المذهبية والصوفية في إفريقيا الغربية، وموارده المتنوعة، و قدراته الهائلة على التعايش و التسامح، و حفظ السلم و الاستقرار و الأمن القومي، تثير دون شك أو تحامل، حسد وغيظ كل متوجس خائف، إلا أن الحق لابد أن يبلغ مداه، ولابد للعداء و المؤامرات أن تعود بالويل على أصحابها. ولو تفكر صناع القرار بالجارة الشرقية قليلا، لعلموا أن مبررات العداء للمغرب لا ترقى إلى مستوى المصالح و المنافع، التي يمكن أن يجنوها من الانخراط في الوحدة المغاربية و المساهمة في البناء الحقيقي لاتحاد المغرب العربي.
[1]– البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب- قسم الموحدين- ابن عذاري، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط1، ص: 386، 387
[2]– العبر، ابن خلدون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، ج7، ص: 206، 207
[3]– العبر، مصدر سابق، ج7، ص: 268، 269
زر الذهاب إلى الأعلى