ثقافة و فن
“امحمد التوزاني”.. شاهد مغربي من قلب نكسة العرب “حزيران/يونيه 1967”.
عندما تلقيت أمس نبأ رحيل الفقيد امحمد التوزاني، عاد إلى ذهني نص قديم أنجزته سنة 2018 بمناسبة صدور مذكراته، ظل حبيس الأدراج دون نشر. أستعيده اليوم بوصفه قراءة في شهادة ذاتية توثق لمرحلة معقدة من التاريخ السياسي المغربي والعربي، ولتجربة فردية حدث فيها تداخل الشخصي بالجماعي. ويأتي نشر هذه القراءة اليوم تكريما لذكرى الراحل، باعتباره أحد الأسماء التي ارتبط حضورها بسياقات سياسية وتاريخية لا تزال تثير النقاش والتأمل.

عن عمر يناهز الثمانين سنة، اختار المغربي “امحمد التوازني” أن يكتب مذكراته/ ذكرياته التي تعتبر سجلا لذاكرة جيل كامل منذ ما قبل استقلال العديد من الدول العربية وصولا إلى ما أسماه في مذكراته ب “النضال ضد الاستعمار الجديد”، والمتمثل حسبه وحسب العديد من رفاق دربه في التنظيمات السرية الرامية إلى قيادة كفاح مسلح بالمغرب ضد “الدولة الوطنية” التي تشكلت بعد الاستقلال، والتي يرون أنها خانت مطالب الاستقلال وأظهرت شراسة أكثر من الحماية ضد كل مطالب الحرية والديمقراطية، وأصبحت الكرامة الإنسانية أكثر دوسا وهدرا في واقع سياسي يتسم بالظلم والاضطهاد.
في كتابه الصادر بداية سنة 2018، عن مؤسسة “آفاق للدراسات والنشر والاتصال” بمدينة مراكش المغربية، والذي اختار له عنوانا رئيسيا “ثورة لم تكتمل”، وعنوانا فرعيا “من معسكر الزبداني بسوريا إلى معسكر السواني بليبيا إلى حمام بوحجار بالجزائر”، يروي لنا “الشهيد الحي” (حسب تعبير رفيقه أحمد الطالبي المسعودي) عن تجربة “العمل المسلح لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكواليس التحضير لانتفاضة 03 مارس 1973″، أحداث وتجارب وصفها ب “الثورة التي لم تكتمل” والتي قادها جيل قادته أحلامه الثورية إلى المنافي والمعتقلات وصولا إلى دفع الكثيرين حياتهم ثمنا لهذه الأحلام، وذلك في سياق تاريخي تميز بسيادة أيديولوجية “القومية العربية”، فوجد هذا الجيل نفسه “في مواجهة مفتوحة” مع نظام داخلي يتسم بالتناقض، حيث تحول بعض رفاق الأمس إلى جلادي اليوم، وتحول الحلم بالتحرر من نير الاستعمار إلى حلم بالتحرر من نظام له امتدادات متشعبة (سند تاريخي وديني يتمثل في المكانة الاعتبارية للملكية بالمغرب، وسند دولي يتميز بتحالفات لمواجهة المد الثوري الذي يتشكل بالاستناد إلى الأيديولوجية الماركسية…).
فضلا عن كون هذا الكتاب يقدم نفسه باعتباره “وثيقة تاريخية من قلب العمل المسلح” لحزب يهمه الداخل المغربي، ويعتبر “غوصا في أحداث وتجارب وأسرار ثورة لم تكتمل، بكل انتصاراتها وخيباتها ودروسها”، فإنه كذلك يعتبر مرجعا مهما لرصد أحداث تاريخية طبعت المنطقة العربية برمتها، على اعتبار أن مؤلفه يفصح منذ مقدمة الكتاب عن كونه يضع أمامنا “مذكرات تمتد من سنة سنة 1962 إلى سنة 1984 وتقدم معطيات عشتها خلال هذه الحقبة من الزمن، مساهمة مني في إنعاش الذاكرة واستحضار محطات هامة من تاريخنا السياسي المعاصر”، ومن بين المحطات الأساسية التي يقف عندها المؤلف بالكثيرة من التفصيل نجد “حرب 5 يونيو 1967” ناقلا إلينا عبرها شهادة من “أحداث الساحة”.
كيف انتقل التوزاني إلى المشرق العربي؟
ينطلق “امحمد التوزاني” في مذكراته من مدينة تازة حيث مولده ونشأته إلى حين انتقاله إلى مدينة فاس من أجل متابعة دراسته الابتدائية والثانوية رفقة عائلته، ويتحدث بكثير من الوصف الدقيق لمدينة تازة سنة 1948، ثم الأحداث التي عاشها بمدينة فاس إلى حين تخرجه سنة 1959 معلما من مدرسة المعلمين بفاس، ليعود إلى مدينة تازة مدرسا بإحدى مدارسها. ثم ينتقل بنا إلى ظروف انتمائه إلى حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” منذ تأسيسه وتأثره الشديد بشخصية الشهيد “المهدي بنبركة” الذي يعتبره بطلا وطنيا، وصولا إلى اعتقاله صيف 1963 لمشاركته في الحملة الانتخابية لمرشح حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمدينة “تازة”، وفي أواخر شهر “شتنبر” من نفس السنة سيتم إطلاق سراحه رفقة العديد من المعتقلين بشرط عدم مغادرة المدينة والذهاب كل يوم اثنين لمركز الأمن لتأكيد وجوده بالمدينة، لكنه سيقرر رغم ذلك السفر إلى مدينة الدارالبيضاء، مما سيمكنه من الاطلاع عن قرب وبشكل أكثر وضوحا على طبيعة ما سمي آنذاك بمؤامرة 1963 لقلب النظام بالمغرب. وقد كان السفر إلى الدارالبيضاء مجرد محطة لتدبير السفر إلى العراق من أجل متابعة الدراسة، وهناك سيتعزز نضاله ب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، وبعد قضائه لبضعة أسابيع متجولا ببغداد وتعرفه على “مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالعراق” سيتم إرساله في مهمة إلى سوريا، ولم يكن الأمر يتعلق بغير إجراء تدريبات عسكرية، لكن ستقع عدة أحداث تمنعه من اللقاء بالمسؤول عن هذا الموضوع بسوريا، وستعتبر المهمة التي من أجلها جاء إلى سوريا منتهية، ليقرر العودة إلى “بغداد”، لكنه سيفاجأ بإغلاق الحدود بين سوريا والعراق بسبب حدوث انقلاب بهذه الأخيرة. مما سيضطره للبقاء بسوريا ثم الالتحاق بالكلية العسكرية بوساطة من الرئيس السوري آنذاك “أمين الحافظ” بعد لقاء معه، وسيتخرج منها برتبة ملازم ثاني نهاية 1966.
نكسة حزيران/يونيو كما عاشها التوزاني
يروي “التوزاني” عن مشاهداته للفترة التي سبقت حرب 1967 بسوريا، حيث أن وسائل الإعلام السمعية والمكتوبة لم تتوقف عن استعراض قوة العرب، وخاصة القوات المصرية، غير أن الجبهة السورية، عمليا لم تكن مستعدة للحرب، كما أن القيادة السورية كانت تنتقد سياسة “جمال عبدالناصر”، حيث لمس “التوزاني” ذلك من خلال لقائه بعدد من العسكريين والمدنيين، وينقل لنا بأن البعض كان يعتبر مواقف “عبدالناصر” المرتبطة بالقضايا العربية غير مسؤولة، كما أنهم يوجهون انتقادات لاذعة ل “اللواء عبدالحكيم عامر” ويحملونه مسؤولية فشل مشروع الوحدة بين سوريا ومصر.
غير أن سوريا –حسب التوازني- سترغم على خوض الحرب في وقت غير مناسب، وفي ذلك يتجلى سبب توجه قواتها الرئيسية للجبهة اللبنانية، والدفع بالمقابل بالجنود الاحتياطيين للجبهة في الجولان، وقد استطاع الجيش السوري في البداية –حسب التوازني- اختراق الدفاعات الإسرائيلية، ودخل إلى أكثر من 17 كلم، معتقدا أنه حقق انتصارا. لكن “العدو له حساباته”، حيث سيفجر بحيرة طبرية، ويكتسح المياه الإقليمية، وبذلك ستتعطل كل الآليات العسكرية السورية، وسينتهي إلى علم الجيش السوري خبر تدمير القوات المصرية في مطاراتها، فكانت النتيجة انقطاع الاتصال بين مختلف الوحدات العسكرية، ليتم انسحاب الجيش السوري مخلفا أسلحته في 10 يونيو، ثم سيطرة إسرائيل على هضبة “الجولان”، وسقوط “القنيطرة” لتعلن سوريا –بعد تلك الأحداث- وقف إطلاق النار.
أسباب النكسة كما يراها “التوزاني”
يسترسل “التوازني” في سرده لأهم الأحداث التي عرفتها الحرب العربية الإسرائيلية من منطلق شخص عاشها ميدانيا، حيث يقول “في بداية الحرب، وضعت نفسي رهن الإشارة، وبالفعل تم تكليفي مع زملاء لي بحراسة جامعة دمشق، وتدريب الطلبة الجامعيين، وتجنيدهم للمهام المقبلة”، لكنه يردف “تألمت كثيرا لهذه النتائج التي لم يتصورها أحد، وكنت أرى الحزن على كل الوجوه التي أصادفها في دمشق، فقد تجرع الجميع مرراة الهزيمة والانكسار.”
وفي حديثه عن أهم أسباب الهزيمة، يجملها “امحمد التوازني” في عنصر “المباغتة”، حيث أن إسرائيل اعتمدت عنصر المفاجأة في الحرب، ولم يكن العرب يتوقعون هجوما مباغتا، وبالتالي فقدوا توازنهم، وتسبب ذلك في خسائر فادحة في صفوف القوات العربية، بالإضافة إلى ذلك تفوقت إسرائيل ب “تسلحها الجيد والحديث وخاصة سلاح الجو”، ثم مساندة الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا لإسرائيل عسكريا واقتصاديا ومخابراتيا، وأخيرا “اعتماد الجيوش العربية (القيادات العسكرية والسياسية) على الدور المصري في الحرب، وعندما انهار الجيش المصري انهارت معه بقية القوات العسكرية العربية”.
الرئيس الجزائري “الهواري بومدين” يدفع تكاليف الخسارة.. لماذا؟
يروي “امحمد التوزاني” في مذكراته بأن خطاب “جمال عبدالناصر” عقب الحرب وإعلانه تحمل المسؤولية في كل ما حصل، واستقالته وعودته إلى “صفوف الجماهير”، أثارت عاطفة كل العرب بما فيهم السوريين رغم أنهم كانوا يوجهون له انتقادات لاذعة قبل الحرب، وبذلك تم نسيان كل الخلافات السابقة وأصبحت الأغلبية متمسكة ب “القيادة الناصرية” ومطالبة “عبدالناصر” بالعدول عن قراره، وبعد توقف الحرب وتراجع “عبدالناصر” عن الاستقالة، تمت محاسبة وتوقيف بعض المسؤولين العسكريين، وبعد النقد الذاتي والنتائج المترتبة عنه، سارعت القوات المصرية إلى تنظيم نفسها من جديد. هنا سيظهر فاعل جديد على الساحة العربية لكن من عمقها “المغاربي”، حيث سيعمد الرئيس الجزائري “الهواري بومدين” إلى دفع كل التكاليف المالية المتعلقة بإعادة تسليح الجيش المصري من جديد، وتعويض كل ما دمرته إسرائيل من طائرات ودبابات. وسيصف “امحمد التوازني” هذا الموقف من الرئيس الجزائري ب “الشجاع” ويحسب له و “لابد من التنويه به”، غير أن “التوزاني” سيقدم تفسيرا لهذا الموقف على لسان “محمد الفقيه البصري” أحد رجالات الحركة الوطنية بالمغرب ومن أشرس المناهضين لنظام الملك الراحل “الحسن الثاني” آنذاك، والذي كان موزعا حينها بين الإقامة في “الجزائر” و “فرنسا”، حيث يقول بعد حديثه إلى “التوازني” عن تقديم الرئيس الجزائري شيكا على بياض لمصر، وسؤال “التوزاني” عن “سبب هذا الكرم الحاتمي”:
“ربما فعل ذلك من أجل فك العزلة الأجنبية والعربية التي وقع فيها، نتيجة انقلابه على السيد أحمد بن بلة الرئيس الشرعي”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
“امحمد التوزاني”.. شاهد مغربي من قلب نكسة العرب “حزيران/يونيه 1967”.
عن عمر يناهز الثمانين سنة، اختار المغربي “امحمد التوازني” أن يكتب مذكراته/ ذكرياته التي تعتبر سجلا لذاكرة جيل كامل منذ ما قبل استقلال العديد من الدول العربية وصولا إلى ما أسماه في مذكراته ب “النضال ضد الاستعمار الجديد”، والمتمثل حسبه وحسب العديد من رفاق دربه في التنظيمات السرية الرامية إلى قيادة كفاح مسلح بالمغرب ضد “الدولة الوطنية” التي تشكلت بعد الاستقلال، والتي يرون أنها خانت مطالب الاستقلال وأظهرت شراسة أكثر من الحماية ضد كل مطالب الحرية والديمقراطية، وأصبحت الكرامة الإنسانية أكثر دوسا وهدرا في واقع سياسي يتسم بالظلم والاضطهاد.
في كتابه الصادر بداية سنة 2018، عن مؤسسة “آفاق للدراسات والنشر والاتصال” بمدينة مراكش المغربية، والذي اختار له عنوانا رئيسيا “ثورة لم تكتمل”، وعنوانا فرعيا “من معسكر الزبداني بسوريا إلى معسكر السواني بليبيا إلى حمام بوحجار بالجزائر”، يروي لنا “الشهيد الحي” (حسب تعبير رفيقه أحمد الطالبي المسعودي) عن تجربة “العمل المسلح لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكواليس التحضير لانتفاضة 03 مارس 1973″، أحداث وتجارب وصفها ب “الثورة التي لم تكتمل” والتي قادها جيل قادته أحلامه الثورية إلى المنافي والمعتقلات وصولا إلى دفع الكثيرين حياتهم ثمنا لهذه الأحلام، وذلك في سياق تاريخي تميز بسيادة أيديولوجية “القومية العربية”، فوجد هذا الجيل نفسه “في مواجهة مفتوحة” مع نظام داخلي يتسم بالتناقض، حيث تحول بعض رفاق الأمس إلى جلادي اليوم، وتحول الحلم بالتحرر من نير الاستعمار إلى حلم بالتحرر من نظام له امتدادات متشعبة (سند تاريخي وديني يتمثل في المكانة الاعتبارية للملكية بالمغرب، وسند دولي يتميز بتحالفات لمواجهة المد الثوري الذي يتشكل بالاستناد إلى الأيديولوجية الماركسية…).
فضلا عن كون هذا الكتاب يقدم نفسه باعتباره “وثيقة تاريخية من قلب العمل المسلح” لحزب يهمه الداخل المغربي، ويعتبر “غوصا في أحداث وتجارب وأسرار ثورة لم تكتمل، بكل انتصاراتها وخيباتها ودروسها”، فإنه كذلك يعتبر مرجعا مهما لرصد أحداث تاريخية طبعت المنطقة العربية برمتها، على اعتبار أن مؤلفه يفصح منذ مقدمة الكتاب عن كونه يضع أمامنا “مذكرات تمتد من سنة سنة 1962 إلى سنة 1984 وتقدم معطيات عشتها خلال هذه الحقبة من الزمن، مساهمة مني في إنعاش الذاكرة واستحضار محطات هامة من تاريخنا السياسي المعاصر”، ومن بين المحطات الأساسية التي يقف عندها المؤلف بالكثيرة من التفصيل نجد “حرب 5 يونيو 1967” ناقلا إلينا عبرها شهادة من “أحداث الساحة”.
كيف انتقل التوزاني إلى المشرق العربي؟
ينطلق “امحمد التوزاني” في مذكراته من مدينة تازة حيث مولده ونشأته إلى حين انتقاله إلى مدينة فاس من أجل متابعة دراسته الابتدائية والثانوية رفقة عائلته، ويتحدث بكثير من الوصف الدقيق لمدينة تازة سنة 1948، ثم الأحداث التي عاشها بمدينة فاس إلى حين تخرجه سنة 1959 معلما من مدرسة المعلمين بفاس، ليعود إلى مدينة تازة مدرسا بإحدى مدارسها. ثم ينتقل بنا إلى ظروف انتمائه إلى حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” منذ تأسيسه وتأثره الشديد بشخصية الشهيد “المهدي بنبركة” الذي يعتبره بطلا وطنيا، وصولا إلى اعتقاله صيف 1963 لمشاركته في الحملة الانتخابية لمرشح حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمدينة “تازة”، وفي أواخر شهر “شتنبر” من نفس السنة سيتم إطلاق سراحه رفقة العديد من المعتقلين بشرط عدم مغادرة المدينة والذهاب كل يوم اثنين لمركز الأمن لتأكيد وجوده بالمدينة، لكنه سيقرر رغم ذلك السفر إلى مدينة الدارالبيضاء، مما سيمكنه من الاطلاع عن قرب وبشكل أكثر وضوحا على طبيعة ما سمي آنذاك بمؤامرة 1963 لقلب النظام بالمغرب. وقد كان السفر إلى الدارالبيضاء مجرد محطة لتدبير السفر إلى العراق من أجل متابعة الدراسة، وهناك سيتعزز نضاله ب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، وبعد قضائه لبضعة أسابيع متجولا ببغداد وتعرفه على “مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالعراق” سيتم إرساله في مهمة إلى سوريا، ولم يكن الأمر يتعلق بغير إجراء تدريبات عسكرية، لكن ستقع عدة أحداث تمنعه من اللقاء بالمسؤول عن هذا الموضوع بسوريا، وستعتبر المهمة التي من أجلها جاء إلى سوريا منتهية، ليقرر العودة إلى “بغداد”، لكنه سيفاجأ بإغلاق الحدود بين سوريا والعراق بسبب حدوث انقلاب بهذه الأخيرة. مما سيضطره للبقاء بسوريا ثم الالتحاق بالكلية العسكرية بوساطة من الرئيس السوري آنذاك “أمين الحافظ” بعد لقاء معه، وسيتخرج منها برتبة ملازم ثاني نهاية 1966.
نكسة حزيران/يونيو كما عاشها التوزاني
يروي “التوزاني” عن مشاهداته للفترة التي سبقت حرب 1967 بسوريا، حيث أن وسائل الإعلام السمعية والمكتوبة لم تتوقف عن استعراض قوة العرب، وخاصة القوات المصرية، غير أن الجبهة السورية، عمليا لم تكن مستعدة للحرب، كما أن القيادة السورية كانت تنتقد سياسة “جمال عبدالناصر”، حيث لمس “التوزاني” ذلك من خلال لقائه بعدد من العسكريين والمدنيين، وينقل لنا بأن البعض كان يعتبر مواقف “عبدالناصر” المرتبطة بالقضايا العربية غير مسؤولة، كما أنهم يوجهون انتقادات لاذعة ل “اللواء عبدالحكيم عامر” ويحملونه مسؤولية فشل مشروع الوحدة بين سوريا ومصر.
غير أن سوريا –حسب التوازني- سترغم على خوض الحرب في وقت غير مناسب، وفي ذلك يتجلى سبب توجه قواتها الرئيسية للجبهة اللبنانية، والدفع بالمقابل بالجنود الاحتياطيين للجبهة في الجولان، وقد استطاع الجيش السوري في البداية –حسب التوازني- اختراق الدفاعات الإسرائيلية، ودخل إلى أكثر من 17 كلم، معتقدا أنه حقق انتصارا. لكن “العدو له حساباته”، حيث سيفجر بحيرة طبرية، ويكتسح المياه الإقليمية، وبذلك ستتعطل كل الآليات العسكرية السورية، وسينتهي إلى علم الجيش السوري خبر تدمير القوات المصرية في مطاراتها، فكانت النتيجة انقطاع الاتصال بين مختلف الوحدات العسكرية، ليتم انسحاب الجيش السوري مخلفا أسلحته في 10 يونيو، ثم سيطرة إسرائيل على هضبة “الجولان”، وسقوط “القنيطرة” لتعلن سوريا –بعد تلك الأحداث- وقف إطلاق النار.
أسباب النكسة كما يراها “التوزاني”
يسترسل “التوازني” في سرده لأهم الأحداث التي عرفتها الحرب العربية الإسرائيلية من منطلق شخص عاشها ميدانيا، حيث يقول “في بداية الحرب، وضعت نفسي رهن الإشارة، وبالفعل تم تكليفي مع زملاء لي بحراسة جامعة دمشق، وتدريب الطلبة الجامعيين، وتجنيدهم للمهام المقبلة”، لكنه يردف “تألمت كثيرا لهذه النتائج التي لم يتصورها أحد، وكنت أرى الحزن على كل الوجوه التي أصادفها في دمشق، فقد تجرع الجميع مرراة الهزيمة والانكسار.”
وفي حديثه عن أهم أسباب الهزيمة، يجملها “امحمد التوازني” في عنصر “المباغتة”، حيث أن إسرائيل اعتمدت عنصر المفاجأة في الحرب، ولم يكن العرب يتوقعون هجوما مباغتا، وبالتالي فقدوا توازنهم، وتسبب ذلك في خسائر فادحة في صفوف القوات العربية، بالإضافة إلى ذلك تفوقت إسرائيل ب “تسلحها الجيد والحديث وخاصة سلاح الجو”، ثم مساندة الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا لإسرائيل عسكريا واقتصاديا ومخابراتيا، وأخيرا “اعتماد الجيوش العربية (القيادات العسكرية والسياسية) على الدور المصري في الحرب، وعندما انهار الجيش المصري انهارت معه بقية القوات العسكرية العربية”.
الرئيس الجزائري “الهواري بومدين” يدفع تكاليف الخسارة.. لماذا؟
يروي “امحمد التوزاني” في مذكراته بأن خطاب “جمال عبدالناصر” عقب الحرب وإعلانه تحمل المسؤولية في كل ما حصل، واستقالته وعودته إلى “صفوف الجماهير”، أثارت عاطفة كل العرب بما فيهم السوريين رغم أنهم كانوا يوجهون له انتقادات لاذعة قبل الحرب، وبذلك تم نسيان كل الخلافات السابقة وأصبحت الأغلبية متمسكة ب “القيادة الناصرية” ومطالبة “عبدالناصر” بالعدول عن قراره، وبعد توقف الحرب وتراجع “عبدالناصر” عن الاستقالة، تمت محاسبة وتوقيف بعض المسؤولين العسكريين، وبعد النقد الذاتي والنتائج المترتبة عنه، سارعت القوات المصرية إلى تنظيم نفسها من جديد. هنا سيظهر فاعل جديد على الساحة العربية لكن من عمقها “المغاربي”، حيث سيعمد الرئيس الجزائري “الهواري بومدين” إلى دفع كل التكاليف المالية المتعلقة بإعادة تسليح الجيش المصري من جديد، وتعويض كل ما دمرته إسرائيل من طائرات ودبابات. وسيصف “امحمد التوازني” هذا الموقف من الرئيس الجزائري ب “الشجاع” ويحسب له و “لابد من التنويه به”، غير أن “التوزاني” سيقدم تفسيرا لهذا الموقف على لسان “محمد الفقيه البصري” أحد رجالات الحركة الوطنية بالمغرب ومن أشرس المناهضين لنظام الملك الراحل “الحسن الثاني” آنذاك، والذي كان موزعا حينها بين الإقامة في “الجزائر” و “فرنسا”، حيث يقول بعد حديثه إلى “التوازني” عن تقديم الرئيس الجزائري شيكا على بياض لمصر، وسؤال “التوزاني” عن “سبب هذا الكرم الحاتمي”:
“ربما فعل ذلك من أجل فك العزلة الأجنبية والعربية التي وقع فيها، نتيجة انقلابه على السيد أحمد بن بلة الرئيس الشرعي”.
عبد اللطيف حاجي



