المرأة
العمل النسائي غير المرئي: وقود الاقتصاد الصامت- العمل المنزلي والرعائي، عمل بلا اجر ولا اعتراف-بيان صالح

بمناسبة يوم 1 ايار، اليوم العالمي للعمال والعاملات، من المهم تسليط الضوء على شكل من اشكال العمل الذي غالبا ما يهمش في النقاشات الاقتصادية والسياسية: «العمل النسائي غير المرئي».
يعد هذا المفهوم من الركائز الاساسية في التحليل النسوي الاشتراكي، حيث لا ينظر الى العمل المنزلي والرعائي كمهام فردية او «طبيعية»، بل كجزء اساسي من عملية اعادة انتاج قوة العمل التي يقوم عليها الاقتصاد ككل.
منذ بدايات الفكر النسوي الاشتراكي، تناولت المناضلة الكسندرا كولونتاي قضية تحرير المراة من عبء العمل المنزلي غير المدفوع، معتبرة ان المساواة الحقيقية لا يمكن ان تتحقق دون اعادة تنظيم جذري للعلاقات داخل الاسرة والمجتمع. لاحقا، طورت سيلفيا فيديريشي هذا التحليل، موضحة ان العمل المنزلي غير المرئي ليس هامشيا، هو اساس استمرار النظام الراسمالي نفسه.
الارقام تتكلم، حجم ظاهرة عالمية
على المستوى العالمي، تكشف البيانات ان هذا العمل ليس ظاهرة فردية بل بنية واسعة: فالنساء يقمن بحوالي 76% من اجمالي ساعات العمل غير المدفوع عالميا، ويقضين في المتوسط ساعات اطول يوميا من الرجال في الاعمال المنزلية والرعائية. كما يقدر ان هناك اكثر من 16 مليار ساعة يوميا من العمل غير المدفوع يتم انجازها حول العالم، وهي ارقام تكشف حجم اقتصاد كامل غير مرئي لكنه اساسي لاستمرار المجتمعات. ورغم هذا الحجم الهائل، تبقى مئات الملايين من النساء مقيدات بسبب مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، مما يحد من فرصهن في العمل الماجور ويعيد انتاج عدم وجود فرص متساوية للجنسين.
وفي بلد مثل الدنمارك، ورغم التقدم في سياسات المساواة وارتفاع مشاركة النساء في سوق العمل، تظهر الاحصائيات استمرار الفجوة في توزيع العمل غير المدفوع، اذ تقضي النساء حوالي 15.6% من يومهن في العمل غير المدفوع مقابل 11.3% للرجال، وهو ما يعكس بقاء عدم التوازن في اعمال الرعاية داخل الاسرة حتى في المجتمعات التي تعد من الاكثر تقدما في المساواة بين الجنسين.
ما هو العمل غير المرئي؟
في الواقع، تقوم المراة في معظم المجتمعات بالجزء الاكبر من العمل غير المرئي، مثل رعاية الاطفال، والاعمال المنزلية، والتنظيم اليومي للحياة الاسرية، اضافة الى ما يعرف بـ«العبء الذهني». هذا العمل، رغم ضرورته لاستمرار المجتمع، لا يعترف به اقتصاديا ولا يكافا ماديا.
لا يقتصر هذا النوع من العمل على المجال المنزلي فقط، يمتد ايضا الى بيئات العمل والمؤسسات. فغالبا ما تسند الى النساء مهام غير رسمية وغير معترف بها ضمن التقييم المهني، كتنظيم المناسبات والاجتماعات، ومتابعة التفاصيل اللوجستية، والقيام باعمال «دعم الفريق» والحفاظ على الانسجام داخل بيئة العمل.
ورغم اهمية هذه المهام في نجاح المؤسسات، الا انها نادرا ما تحتسب ضمن الانجاز الوظيفي او تؤثر في الترقيات، مما يعيد انتاج نفس منطق العمل غير المرئي داخل المجال العام ايضا.
الابوية والراسمالية: تحالف يرسخ على حساب المراة ويعيد انتاج تهميشها
ان هذا الوضع ليس طبيعيا ولا عرضيا، هو نتيجة تاريخية مقصودة لتقاطع النظام الابوي مع النظام الراسمالي. فالراسمالية لم تجد يوما حاجة لدفع ثمن العمل الذي يعيد انتاج قوة العمل، تربية الاطفال، رعاية المرضى، الحفاظ على تماسك الاسرة، طالما كان هذا العمل يقدم على انه «واجب انثوي» فطري لا يستحق اجرا. وهكذا يضمن النظام استمراريته باقل تكلفة ممكنة، على حساب المراة.
ما زاد الامر تعقيدا ان دخول المراة الى سوق العمل لم ينه هذا العبء، افضى في كثير من الحالات الى ما يعرف بـ«العمل المزدوج»، حيث تخرج المراة من المنزل الى وظيفة كاملة ثم تعود لتبدا وظيفة ثانية غير مرئية وغير مدفوعة. لم يتوزع العبء، تضاعف.
ولا يقتصر اثر هذا الوضع على الجانب الاقتصادي، يمتد عميقا الى البنية النفسية والاجتماعية للمراة. فاستمرار تراكم المسؤوليات غير المعترف بها يفضي الى:
-
ضغط ذهني مستمر وارهاق نفسي طويل الامد يصعب تسميته او الشكوى منه لانه «غير مرئي» هو الاخر
-
تقليص مساحة المشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية، اذ لا وقت ولا طاقة تتبقيان بعد انتهاء اليوم
-
تقليل قيمة المراة في محيطها حين يقاس «العمل» فقط بما يحمل اجرا، فتصبح مساهمتها الاكبر هي الاقل اعترافا
-
تعزيز علاقات غير متكافئة داخل الاسرة واعادة انتاج التبعية الاقتصادية جيلا بعد جيل




