اقتصاد

اختفاء 75% من الأصناف المحلية من القمح والشعير في المغرب خلال خمسة عقود

أحمد رباص ـ تنوير
كشف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي عن أزمة صامتة تهدد الأمن الغذائي، حيث أفاد بأن ما يقرب من 75% من أصناف القمح والشعير المحلية في المغرب قد اختفت خلال خمسة عقود نتيجةً لأساليب الإنتاج الموحدة، وانتشار الأصناف الهجينة، وممارسات الزراعة المكثفة.
وفي رأيه حول “التنوع البيولوجي في المغرب: نحو حوكمة متجددة من أجل تنمية إقليمية مستدامة”، يحذر المجلس من تراجع رأس المال البيولوجي الزراعي، مع تدهور ملحوظ في خصوبة الأراضي المزروعة. إذ لا يتجاوز متوسط ​​محتوى المادة العضوية في التربة الزراعية 1.3%، وهو مستوى أدنى من الحد الأدنى اللازم للحفاظ على خصوبتها بشكل مستدام.
ويشير المجلس إلى أن القطاع الزراعي، الذي يساهم بنسبة تتراوح بين 12% و15% من الناتج المحلي الإجمالي، ويوظف ما بين 30% و40% من القوى العاملة، يعتمد حاليًا على نموذجين متناقضين.
من جهة، حقق “نموذج الزراعة المكثفة”، الموجه نحو التصدير، عائدات بلغت أكثر من 85.8 مليار درهم في عام 2024، مما يساهم في تعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. مع ذلك، لا يزال هذا النموذج يركز بشكل كبير على عدد محدود من الأصناف، ويعتمد بشكل كبير على البذور الهجينة المستوردة، التي تشكل ما بين 70% و80% من محاصيل الخضراوات. كما يعتمد هذا النموذج على استهلاك مرتفع للمياه والطاقة، مما يضعف القدرة على الصمود البيئي للنظم الزراعية.
من جانبه، يعتمد “نموذج الزراعة الأسرية الغنية بالتنوع البيولوجي” على أنظمة إنتاج متنوعة، ويلعب دورًا حيويًا في الأمن الغذائي، والحفاظ على البذور المحلية، وصون الأصناف المتأقلمة مع الظروف المناخية. ومع ذلك، لا يزال هذا النموذج يفتقر إلى التقدير والدعم الذي يستحقه.
يؤكد المجلس أن استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030” تولي أهمية خاصة للزراعة العضوية، بهدف الوصول إلى 100 ألف هكتار مزروعة بحلول عام 2030. وفي عام 2025، تقترب المساحات المعتمدة من 13,300 هكتار، أي ما يقارب ثمانية أضعاف المستوى المسجل في عام 2010.
رغم أن الزراعة العضوية تُسهم في الحفاظ على التربة والموارد المائية، وتُقلل من استخدام المدخلات الكيميائية، إلا أن تطورها لا يزال دون مستوى طموحاتها المعلنة. ويعزو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ذلك تحديدًا إلى تعقيد إجراءات الاعتماد وتكلفتها، وضعف السوق المحلية، ومحدودية الوصول إلى الدعم الفني، والصعوبات التي يواجهها صغار المنتجين.
كما يُسلط التقرير الضوء على ضغط الأراضي والتوسع العمراني، اللذين يُسهمان في التراجع التدريجي للأراضي الزراعية الخصبة. وقد ارتفعت نسبة الأراضي المخصصة للتوسع العمراني من 51.4% عام 1994 إلى 62.8% عام 2024.
أما الأنواع الغازية الدخيلة، فتنسبب بدورها في اختلالات بيئية عميقة، إذ يُمكن أن تُؤدي إلى خسائر زراعية تتراوح بين 30% و70%، بل وتصل إلى 90% في بعض بساتين الزيتون. وهكذا تُشير عدة مؤشرات إلى مدى هشاشة هذه المناطق: تدهور أكثر من 17,000 كيلومتر مربع من المراعي في المنطقة الشرقية، وتراجع أنظمة الواحات التقليدية، وانهيار صناعة التين الشوكي بسبب غزو الدودة القرمزية، وتراجع تربية النحل، وتراجع العديد من النباتات العطرية والطبية.
في بعض مناطق إقليم سوس ماسة، تتجاوز خسائر التنوع البيولوجي 80%، نتيجةً لانتشار أساليب الإنتاج الزراعي التي تُفضّل الزراعة في البيوت المحمية. وفي هذا الصدد، يُشير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن التنوع البيولوجي الزراعي ما يزال غير مُدمج بشكل كافٍ في السياسات العامة. كما أن آليات رصد الأصناف المحلية والأنواع المُتكيّفة والتربة الصحية ما تزال محدودة وضعيفة التنسيق.
ويُلاحظ المجلس أيضًا غياب خريطة وطنية شاملة، وعدم وجود قائمة حمراء للنظم الإيكولوجية المغربية. تُحدّ هذه النواقص من القدرة على تحديد أولويات جهود الحماية والحفظ. ويُثير الوضع قلقًا بالغًا، لا سيما وأن أكثر من 80% من المناطق ذات الأهمية الكبيرة للتنوع البيولوجي للمياه العذبة تقع خارج المناطق المحمية رسميًا.
وتؤكد المؤشرات الدولية هذا الضعف. فبحسب مؤشر التنوع البيولوجي الزراعي لعام 2022، حصل المغرب على 54.1 نقطة من أصل 100. وهذه الحصيلة أعلى من متوسط ​​منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​البالغ 51 نقطة، ولكنها أقل من نقاط إسبانيا (63 نقطة) أو إيطاليا (66 نقطة).
مع ذلك، يُظهر التحليل أن هذا الأداء العام يُخفي اختلالات أعمق في الإنتاج، حيث لا تتجاوز نتيجة المغرب 41.6. وتعكس هذه النتائج انخفاض تنوع الأصناف المزروعة، ومحدودية دمج التنوع البيولوجي للتربة في السياسات والممارسات الزراعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى