ثقافة و فن

قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع)

أحمد رباص ـ تنوير
يقول باحدو عبد الجليل في مطلع الصفحة (293): “(…) كلما حللت بباريس لزيارة ابنتي ابتسام، التي استقرت بمدينة الأنوار…” هذا الجزء من جملة طويلة يشكو من عيبي الإطناب والتكرار. ذكرت فيه العاصمة الفرنسية مرتين: من خلال اسم العلم (باريس) ومن خلال وصف دال عليها (عاصمة الأنوار). لو أراد الكاتب تجنب هذا الإطناب وتفادي هذا التكرار، ولو نشد الاقتصاد في الكلام، لاكتفى بالقول: “(…) كلما زرت ابنتي في باريس التي استقرت بها…”
تبدأ الفقرة الرابعة من الصفحة (269) هكذا: “عند لقائي بأبو الزين…” الملاحظ هنا أن الكاتب أهمل إعراب الأسماء الخمسة التي ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء. وبناء على هذه القاعدة، نقول: “عند لقائي بأبي الزين”. ويمكن الاحتفاظ بالواو في حالة واحدة تستدعي الميتالغة كأن تشير “أبو الزين” إلى اسم مكان أوتكون ضمن اسم شركة أو منظمة، أو ضمن عنوان لكتاب أو فيلم أو مسرحية، إلخ…
في السطر الأول من الصفحة (270)، خص الكاتب ابن عم الملك بهذا المركب الاسمي: “الأمير مولاي هشام”، مع أن الرجل الذي كان يعرف بهذا الاسم سبق له أن أعلن في مناسبات عدة عن رغبته الصريحة والعلنية في التخلي عن لقبه الأميري ليصبح مواطنا عاديا تحت اسم “هشام العلوي”؛ وذلك لأسباب سياسية وشخصية.
فقد كشف في حوار تلفزيوني أنه تقدم بطلب رسمي إلى الملك محمد السادس ليعفيه بصفة نهائية من لقب “الأمير”، وإلغاء كلمة “مولاي” التي تسبق أسماء العائلة الملكية. كما أكد على رغبته في الترفع عن أي تصنيف يضعه في خط خلافة العرش أو يربطه بالوراثة، مشددا على تفضيله للتعريف باسمه كباحث جامعي ومواطن عاد. من هذه الملاحظة أخلص إلى نصيحة أسديها لسي باحدو، وهي أن الكاتب مطالب بتحيين معلوماته وتكييفها مع المستجدات.
قال سي باحدو في نهاية الفقرة الثالثة من الصفحة (272) إن احمد الصبار “سهر على القسم الرياضي في جريدة ‘المحرر’ من سنة 1974 إلى 1982”. والواقع أن هذه المعلومة صحيحة في شقها الأول، وخاطئة في شقها الثاني؛ ذلك أن جريدة “المحرر” توقفت عن الصدور بشكلها السابق في يونيو 1981؛ وذلك بعد أن تعرضت للحظر على إثر الإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. وما لبث الكاتب أن عاد إلى رشده في الصفحة (276) حيث تدارك الأمر.
في وسط الفقرة الأخيرة من نفس الصفحة، نصادف هذه العبارة: “سراويل بدون جيوب”. يصعب تصور سراويل من هذا الصنف. وفي المقابل، يسهل، بل يمكن تصور الجيوب بدون نقود. ولعلمك، يا أخي عبد الجليل، الجيوب ليست ضرورية حتى يكون المال موجودا، ولا توفر المال يقتضي بالضرورة وجود جيوب في السراويل!!
في الفقرة الأولى من الصفحة (286)، يقول الأخ باحدو إن محمد البصري “بعث رسالة” إلى المؤتمر الاستثنائي الذي انبثقت عنه إعادة تسمية الحزب بـ”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”. وفي قوله ذاك، استعمل الكاتب فعل “بعث” كفعل متعد، في حين كان عليه استعماله كفعل لازم متبوع بحرف الجر (بِ)؛ لأن الفعل إياه إذا لم يتبع مباشرة بحرف الجر فيعني “أحيى” كما في قولنا: “بعث الله الخلق”؛ أي أحياهم بعد موتهم.
وفي الفقرة الأولى من الصفحة (293)، يقول سي باحدو: “(…) اكتفى (إدريس لشگر) بدعم الدولة للجريدة بمبلغ 350 مليون (سنتيم أم درهم؟!), وبوضع صورة عمر شهيد الصحافة الاتحادية على الصفحة الأولى للجريدة!” في الحقيقة، ينطوي هذا الكلام على تزوير لحقيقة مؤكدة؛ وهي أن وضع صورة الشهيد في أعلى الصفحة الأولى للجريدة لم يتم في عهد تحمل إدريس لشگر لمسؤولية الأمانة العامة للحزب، بل جرى منذ العدد الأول من جريدة “الاتحاد الاشتراكي” التي كان محمد البريني يشرف على إدارة شؤونها إلى أن عاد المرحوم عبد الرحمن اليوسفي من منفاه ليتقلد منصب الأمانة العامة ويتحمل مسؤولية إدارة الصحافة الاتحادية بقسميها العربي والفرنسي؛ الشيء الذي أغضب البريني وصحبه، فما كان منهم إلا السعي إلى تأسيس جريدة “الأحداث المغربية” بشارع لاجيروند اعتمادا على عشرات ملايين السنتيمات المهربة من ريع الجريدة الأولى.
من باب إنصاف الكاتب، لابد من الاعتراف بأنه تناول شهادات وتحليلات حول شخصية عمر بنجلون، أحد قادة الحركة الاتحادية المغربية، وظروف اغتياله، بالإضافة إلى دور بعض الشخصيات السياسية في تلك الفترة، مثل محمد البريني، عبد الرحيم بوعبيد، عبد الواحد الراضي، وغيرهم، مع إشارات إلى تدخلات المخزن (الجهاز الأمني والسياسي في المغرب) وتأثيره على الأحداث السياسية.
هكذا نجد أن محمد البريني تعهد بالكشف عن معطيات ووقائع جديدة لم تُكشف من قبل، لكنه لم يفعل ذلك بسبب ما يوصف بـافتقاده إلى”الشجاعة الأدبية” أو عدم امتلاكه الجرأة لنشرها. وذكر الكاتب أن انتماء البريني السياسي إلى الجناح اليميني في الحزب كان واضحا لا غبار عليه.
هناك تلميح آخر إلى البريني مفاده أنه لم يستحضر شهادة عمر بنجلون أو لم ينشرها خوفًا من أن يُحسب ذلك على جناح عمر أو جناحه الخاص.
بعد اجتماع بنسليمان، حضر إدريس السلاوي، الذي كان متهمًا في بعض الأخبار بالتواطؤ في التخطيط للانقلاب على الملك، بالتعاون مع عبد الرحيم بوعبيد. وكانت هناك إشارات إلى أن المخزن كان يراقب تلك التحركات، وكانت هناك تهديدات وتحذيرات غير مباشرة لأعضاء الحزب.
لم يخبر عبد الرحيم بوعبيد عمر بنجلون مباشرة عن رسالة القصر أو التهديدات التي تلقاها، بل حاول إقناعه بالسفر إلى باريس قصد أخذ قسط من الراحة. وكان بوعبيد يغادر المغرب في أوقات الأزمات السياسية، مما يشير إلى دور غير مباشر أو محاولة لتجنب المواجهة.
وفي الذكرى الخمسين لاستشهاد عمر بنجلون، أشار محمد البريني إلى قسوة هذه الواقعة، وأن أصدقاء عمر لم يضمنوا قدرا من الحماية لفائدته، بل اكتفوا بالتغيير عن خوفهم من استهدافه.
كما أن هناك تساؤلات حول من كان المخبر الذي نقل مضمون اجتماع المكتب السياسي إلى القصر الملكي. عبد الواحد الراضي، الذي كان له ارتباط وثيق بالمخزن والقصر الملكي، يُطرح اسمه كمرشح محتمل لهذا الدور. في مذكراته لم يخصص سوى سطور قليلة لعمر بنجلون، رغم قربه من الأحداث، مما يثير الشكوك حول موقفه الحقيقي.
كان عمر بنجلون يعارض بعض التيارات داخل الحزب، وكان هناك من يسعى إلى تعطيل نشاطه وطموحاته. فبعض أعضاء الحزب كانوا يفضلون استمرار الوضع الراهن الذي يسمح لهم بالاستفادة من المناصب والمنافع، على حساب نضالات عمر بنجلون.
دافع المهدي العلوي في مذكراته عن النظام ونفي تورطه في اغتيال عمر بنجلون، ونسب الاغتيال إلى منظمة الشبيبة الإسلامية بقيادة عبد الكريم مطيع. واستخدم هذا التبرير لتبرئة النظام من المسؤولية المباشرة، لكنه عكس الانقسامات والتوترات داخل الحركة الاتحادية.
كخلاصة، عكست هذه الصفحات تعقيدات المشهد السياسي المغربي في فترة السبعينيات، خاصة داخل الحركة الاتحادية، حيث تداخلت الصراعات الداخلية مع تدخلات المخزن والسلطات الملكية. وظهر عمر بنجلون كشخصية نضالية حقيقية تعرضت للاستهداف والاغتيال بسبب مواقفها السياسية، بينما هناك شخصيات أخرى مثل محمد البريني وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الواحد الراضي لعبت أدوارًا متباينة بين الدعم، التواطؤ، أو الحياد السلبي.
كما سلطت تلك الصفحات الضوء على غموض بعض الأحداث، خصوصًا من حيث من كان المخبر داخل الحزب، ومن كان وراء اغتيال عمر بنجلون، مع تأكيد أن الروايات الرسمية أو بعض الشهادات تحاول التهرب من تحميل النظام المسؤولية المباشرة.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى