بين تفاهة الشر وشرّ التفاهة أو إيقاعات التكيف والتحول بصيغة متحورة ، في زمن التطبيع والكولابس

مصطفى المنوزي
لم يعد الشر في الأزمنة المعاصرة يظهر دائمًا في صورته الصلبة أو الدرامية التي عرفتها المراحل الكلاسيكية للصراع السياسي والأخلاقي، بل صار يتخذ أشكالًا أكثر سيولة وهدوءًا، تتداخل فيها الإدارة بالتطبيع، والتدبير بالتسطيح، والتكيف بفقدان المعنى. لذلك يبدو أن السؤال لم يعد متعلقًا فقط بوجود الشر، بل بكيفية تحوله إلى وضع مألوف، يومي، وعابر للحساسية الجماعية. وفي هذا السياق، تكتسب ثنائية “تفاهة الشر” و**“شرّ التفاهة”** أهمية تفسيرية خاصة. فـ“تفاهة الشر” لا تعني تبرير الشر أو التقليل من خطورته، بل تشير إلى تحوله إلى ممارسة روتينية تُنفَّذ دون تفكير نقدي عميق، كما لو أن الفعل المؤذي أصبح مجرد وظيفة أو إجراء أو جزء من النظام العادي للأشياء. أما “شر التفاهة” فيتجاوز ذلك نحو اعتبار التفاهة نفسها بنية منتجة للتآكل الأخلاقي والضمور النقدي، لأنها تُفرغ الوقائع من معناها، وتحول القضايا المصيرية إلى مجرد محتوى استهلاكي أو مادة للفرجة والاستقطاب السريع ؛ ومن هنا يمكن فهم التحولات التي تعرفها المجتمعات والدول والسرديات من خلال أربعة إيقاعات متداخلة: التطبيع، التسوية، التعايش، والكولابس.
فالتطبيع ليس فقط اتفاقًا أو مصالحةً سياسية، بل هو قبل ذلك آلية ثقافية لتحويل الاستثناء إلى اعتياد. حين يتكرر الصادم يفقد بالتدريج قدرته على إثارة الرفض، ويصبح ما كان مرفوضًا جزءًا من الحياة اليومية. هكذا يبدأ الانتقال من الشر بوصفه حدثًا استثنائيًا إلى الشر بوصفه روتينًا عادياً، أي إلى “تفاهة الشر”.
أما التسوية، فهي عقلانية تدبيرية تسعى إلى احتواء التناقضات بدل حلها جذريًا. إنها منطق تقني لإدارة التوازنات وتقليل الكلفة السياسية والاجتماعية، غير أنها قد تتحول أحيانًا إلى مجرد تأجيل منظم للأزمات، خصوصًا حين تنفصل عن أفق العدالة والمعنى. عندها يصبح الاستقرار ذاته هشًا، لأنه قائم على إعادة إنتاج الاختلال بصيغ أكثر هدوءًا وأقل صخبًا ؛ ثم يأتي التعايش باعتباره محاولة للاستمرار رغم الجراح والتناقضات ، غير أن التعايش ليس دائمًا مرادفًا للاعتراف المتبادل؛ فقد يكون تعايشًا أخلاقيًا قائمًا على الوعي والعدالة، وقد يكون مجرد إنهاك جماعي يجعل الناس يتكيفون مع ما كان ينبغي مقاومته ؛ وفي هذه اللحظة بالذات تتحول التفاهة إلى قوة خطيرة، لأنها تنتج اللامبالاة وتُضعف الحساسية تجاه التآكل البطيء للمعنى والقيم.
أما الكولابس، أو الانهيار البنيوي، فلا يحدث غالبًا كصدمة مفاجئة فقط، بل كنتيجة تراكمية لمسارات طويلة من التطبيع والتسطيح وفقدان الأفق. فالأنظمة لا تنهار فقط بسبب قوة خصومها، بل أحيانًا بسبب عجزها الداخلي عن إنتاج معنى مقنع أو شرعية متجددة. وحين تصبح المؤسسات مجرد هياكل تدبيرية بلا روح، والسرديات مجرد أدوات تعبئة ظرفية، يتحول الانهيار إلى احتمال كامن داخل الروتين نفسه ؛ غير أن أخطر ما في هذه الدينامية ليس فقط تمدد الشر أو اعتياد التفاهة، بل تآكل القدرة على الإنصاف والاعتراف بوصفهما شرطين لإعادة بناء المعنى الأخلاقي والإنساني داخل المجتمع. فالشر، حين يُطبع معه، لا ينتصر بالقوة وحدها، بل أيضًا عبر نزع الاعتراف عن الضحايا، وتجريد الوقائع من بعدها الإنساني، وتحويل الألم إلى مجرد رقم أو ملف أو مادة للنسيان. وهنا يصبح الاعتراف فعل مقاومة ضد التفاهة، لأنه يعيد للمعاناة اسمها، وللذاكرة صوتها، وللإنسان فردانيته التي تبتلعها الإدارة أو السردية أو الضجيج الإعلامي.
أما الإنصاف، فلا يختزل في التعويض أو التهدئة الظرفية، بل يمثل محاولة لإعادة التوازن الأخلاقي داخل المجال العمومي. إذ لا يكفي أن تتعايش المجتمعات مع جراحها؛ بل تحتاج إلى عدالة رمزية ومؤسساتية تمنع تحويل التعايش إلى مجرد اعتياد على الاختلال، أو التسوية إلى إخفاء مؤقت للتوترات العميقة.
وفي هذا المعنى، يصبح غياب الاعتراف الحقيقي أحد شروط “شر التفاهة”، حين تُختزل القضايا المصيرية في سجالات سطحية، أو تتحول العدالة إلى تدبير تقني منزوع الحساسية الأخلاقية. فالتفاهة لا تقتل المعنى مباشرة، بل تستنزفه تدريجيًا، إلى أن يصبح الإنسان عاجزًا عن التمييز بين المأساة والفرجة، وبين الحقيقة والدعاية، وبين السياسة والتدبير البارد.
لذلك، فإن أخطر ما يهدد المجتمعات اليوم ليس الشر الصريح وحده، بل القدرة المتزايدة على التكيف معه دون الإحساس بثقله الأخلاقي. وهنا تتجلى مفارقة العصر:
فالشر قد يبدأ بالقوة، لكنه يستمر عبر التفاهة؛ والتفاهة قد تبدو سطحية أو بريئة، لكنها قد تتحول إلى البيئة الأكثر ملاءمة لإعادة إنتاج الشر بصورة ناعمة وموزعة ومطبع معها. ومن ثَمّ، فإن مقاومة الكولابس لا تبدأ فقط بإصلاح المؤسسات أو تغيير السياسات، بل أيضًا بإعادة بناء المعنى، واستعادة الحس النقدي، وتجديد القدرة على التمييز بين التعايش الواعي والتكيف المستسلم، وبين التسوية الضرورية والتطبيع مع الاختلال، وبين إدارة الواقع والاستسلام لتفاهته. كما أن الإنصاف والاعتراف لا يمثلان مجرد آليتين للمصالحة، بل شرطين لإبقاء الإنسان حاضرًا داخل الذاكرة والسياسة والعدالة، ومنع التحول البطيء للشر إلى أمر عادي، وللتفاهة إلى قدر جماعي صامت.




