وجهة نظر

ما وراء أجهزة كشف الغش في امتحانات الباكالوريا بقلم الأستاذ: حسن تزوضى

  في إطار تنظيم الاستحقاقات الوطنية لهذه السنة، جندت وزارة التربية الوطنية مختلف الوسائل التقنية واللوجستية لضمان السير العادي لامتحانات الباكالوريا وحماية مصداقيتها، وكان من بين أبرز هذه الوسائل جهاز لكشف وسائل الغش الإلكترونية، وقد قُدِّم هذا الجهاز باعتباره الحل المطلق لمعضلة الغش التي باتت تؤرق الجميع.
لكن خلف هذا الإجراء التقني تختبئ أسئلة أكثر عمقاً من مجرد محاربة الغش.
إن مشهد دخول قاعات الامتحانات بأجهزة متطورة – تبدو على الأقل من حيث الشكل وكأنها مستوحاة من أفلام الخيال العلمي- يثير الكثير من التأمل الممزوج بالأسى والأسف لما آلت اليه المدرسة المغربية، لأنه حقيقة، هذا الوضع لا يبشر بخير ولا يمكن أن يسعد أحدا، فمع مشهد إخضاع التلاميذ ومعهم كل من يلج مركز الامتحان لإجراءات كشف دقيقة تشبه في بعض تفاصيلها ما يحدث عند المعابر الحدودية أو في السدود الأمنية، يتحول فضاء المدرسة من فضاء للتعلم وتقويم التعلمات إلى فضاء للمراقبة والاشتباه والاشتباك، حيث تصبح التكنولوجيا هي الضامن الأول للنزاهة بدل أن يكون الضمير والقناعة الأخلاقية هما الحارسين الطبيعيين لها، تصبح المدرسة حقلا لمفاهيم أمنية جنائية ضبطية أكثر مما هي فضاء للغة التربية والتعلم وبناء الإنسان.
لا يتعلق الأمر هنا بالاعتراض على استعمال الوسائل التقنية، فالغش الإلكتروني أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن ما يثير الانتباه هو الدلالة العميقة لهذا المشهد، فحين تضطر المدرسة إلى الاستعانة بكل هذه الوسائل للكشف عن المخالفين ، فإن ذلك يكشف عن فشلها و حدود نجاحها في بناء الوعي الأخلاقي لدى المتعلمين.
فبعد أكثر من ستين سنة من التعليم الوطني، كان من المفترض أن تكون المدرسة قد نجحت في إقناع التلميذ بأن الغش لا يجوز أخلاقياً قبل أن يكون ممنوعاً قانونياً؛ وكان من المفترض أن تكون قيم النزاهة والاستحقاق جزءاً من التكوين التربوي للمواطن. غير أن الواقع يوحي بأننا انتقلنا من التربية على القيم إلى إدارة المخالفات والتجاوزات ، ومن بناء الضمير إلى تطوير وسائل المراقبة.
هكذا أصبحت قاعات الامتحان مسرحا للضبط أكثر من مماهي مجالا للتعلم والتربية وتصريف القيم النبيلة، قيم الشفافية والمصداقية والمنافسة الشريفة. فبدل أن يكون الامتحان مناسبة لإبراز ما اكتسبه التلميذ من معارف وقدرات، يتحول إلى مواجهة صامتة بين وسائل الغش ووسائل كشفه. وكلما تطورت أدوات التحايل، سارعت الإدارة إلى تطوير أدوات المراقبة، وكأننا أمام سباق تقني لا نهاية له، فهذا الجهاز الجديد الذي يثم تسويقه على أنه الحل النهائي، يتحدث عنه الكثير من المرشحين مند اليوم الأول للامتحان على أنه فشل في رصد محاولاتهم للغش، هكذا تتحول العلاقة إلى صراع وتحد متبادل إلى مالانهاية.
وإذا صح فشل هذا الجهاز في رصد الوسائل الإلكترونية المستعملة في الغش، فإن ذلك يفتح المجال لمساءلة وزارة التربية والتعليم عن قراراتها واختياراتها، لأنه من الأكيد أنها مكلفة اقتصاديا، حيث من المرجح أنه عقدت صفقات لاقتناء هذه الأجهزة وتوظيفها.
في ظل هذا الوضع، السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تستطيع التكنولوجيا أن تحل محل التربية في محاربة الغش؟
قد تنجح هذه الأجهزة في كشف هاتف مخبأ أو سماعة إلكترونية دقيقة، لكنها لن تستطيع أن تزرع قيمة الصدق. وقد تمنع عملية غش داخل قاعة الامتحان، لكنها لن تستطيع أن تبني ضميراً أخلاقياً يرفض الغش حتى في غياب المراقب.
ثم إن الغش ليس ظاهرة معزولة عن المجتمع، فالتلميذ يتشرب يومياً ما يراه حوله من قيم وممارسات فحين يلاحظ أن النجاح لا يرتبط دائماً بالكفاءة، وأن التحايل يجد أحياناً طريقه إلى مختلف مجالات الحياة، يصبح من الصعب إقناعه بأن الامتحان وحده يجب أن يخضع لمنطق النزاهة الصارمة.
لقد اختزلت المنظومة التعليمية- في كثير من الأحيان- قيمة التعلم في النقطة والشهادة. وأصبح النجاح هدفاً في حد ذاته، بغض النظر عن الوسائل المستعملة لتحقيقه. وهنا تكمن إحدى جذور المشكلة. فحين تفقد المعرفة قيمتها، يصبح الغش بالنسبة للبعض مجرد وسيلة مختصرة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
إن أخطر ما يكشفه مشهد أجهزة كشف الغش ليس انتشار الغش نفسه، بل تراجع الثقة في قدرة التربية على إنتاج مواطن مسؤول. فحين تصبح الآلة حارسة للأخلاق، يحق لنا أن نتساءل عن جدوى الدور التربوي الذي يفترض أن تقوم به المدرسة والأسرة والمجتمع.
لا أحد يعارض حماية نزاهة الامتحانات، ولا أحد يدعو إلى التساهل مع الغش، لكن الاقتصار على الحلول التقنية يظل معالجة للنتائج أكثر من معالجة للأسباب، فالمعركة الحقيقية ليست مع الهواتف والسماعات الإلكترونية، بل مع ثقافة تجعل الشهادة أهم من المعرفة، والنتيجة أهم من الجهد، والنجاح أهم من الاستحقاق.
خلاصة القول، قد تتمكن أجهزة كشف الغش في أحسن الأحوال، منع عشرات وربما مئات المحاولات للغش خلال امتحانات الباكالوريا، لكنها لن تستطيع أن تصنع الضمير، لن تبني مجتمعاً قائماً على النزاهة والاستحقاق، ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كيف نكشف الغشاشين، بل كيف أخفقت المدرسة والمجتمع في جعل الغش أمراً مرفوضاً أخلاقياً قبل أن يكون ممنوعاً قانونياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى