كان علينا أن ننتظر 14 سنة حتى تختمر الحكاية في دماغ عزيز هناوي، عضو المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية ونائب رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، حكاية اختراق عوفير برونشتاين، مستشار رابين، لمؤتمر حزب العدالة والتنمية.
وكان علينا أن ننتظر ست سنوات كاملات ليخرج علينا بمعادلة رياضية لا يمكن أن تجد لها حلا، فلا هي تقول بمساواة التعبيرين الرياضيين ولا هي تقول بالتفاضل، “العثماني وقّع التطبيع ولم يطبع”.
في الحكاية التي سردها عزيز هناوي، أنه كان على علم باختراق عوفير برونشتاين لمؤتمر العدالة والتنمية، والشخص الذي قام بذلك عضو في الحزب بفرنسا. هناوي لم يدخر جهدا في الاتصال بالمعنيين بالأمر، بل أجرى تحقيقا شخصيا رفقة شخص آخر غادر الدنيا، ووصل إلى النتيجة التي يُصرح بها الآن: عوفير برونشتاين اخترق الحزب وقيادة الحزب لا علم لها بذلك.
أولا، هو عذر أقبح من الزلة والذلة، لأن حزبا كان حينها يتوفر على ربع البرلمانيين ويقود الحكومة ويتولى وزارة الخارجية، ولا يعرف ضيوف مؤتمره، المؤتمر الذي حضره خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حما/س، التي كانت حينها في جو قريب من دول التطبيع وفي الجهة المعادية لسوريا.
ثانيا، لماذا سكت هناوي كل هذه المدة؟ ألم يكن الأجدر به أن يبادر إلى طرح هذه المعطيات حينها؟ لم يبق الموضوع داخليا حتى يكتم هناوي هذا السر، ولكن كان قضية رأي عام. وبرونشتاين بنفسه صرح لراديو مارس أن قيادة العدالة والتنمية تعرف أنه فرنسي إسرائيلي وأنه كان مستشارا للقيادة الصهيونية، ولم تقم قيادة الحزب الإسلامي بالرد.
حاصل القول أن من اكتشف لعبة النضال متأخرا، تمرس جيدا على قلب الحقيقة. وقد انتظرنا سنوات لكي يحبك قصة خيالية ويبحث عن ضحية فلم نسمع منه هذا الاعتراض خلال كل هذه السنوات.
هناوي هو الرجل الذي انتدبه الحزب لكي يمحو صورة التطبيع عن نفسه. بالنسبة لبرونشتين، فهو معروف ومستشار سابق لرابين، وهناوي يصور قيادة الحزب كأنهم مساكين تم توريطهم.
ولكن لماذا لم نسمع هذه القصة الجديدة الا بعد مرور سنوات في حين أن مناهضة التطبيع تتطلب توضيحات فورية مثل هذه القصة.
لكن هناوي ايضا سيسكت سنوات بعد امضاء أمين عام حزبه على وثيقة التطبيع، وسيؤلف قصصا دونكيشوتية مثل هذه القصة ليبين بأنه ضد العثماني. وقد شاهد الرأي العام المغربي بأن حزب العدالة والتنمية لم يحتج بل دافع باستماتة على العثماني واعتبروا ذلك موقفا وطنيا، بل بنكيران نفسه قال لو كنت انا لفعلت نفس الشيء.
ولا يتعلق الأمر هنا بصواب الموقف أو خطئه، كما يذهب إلى ذلك هؤلاء، ولكن تحريف الوقائع كما جرت.
هناوي يأتي دائما متأخرا ليغسل آثار التطبيع عن حزبه. وهذا ما يفسر سبب الضخ الاعلامي والصراخ الذي يقوم به حول فلسطين ليموه على الرأي العام بأنهم في مقدمة النضال ومناهضة التطبيع.
هناك سؤال يتعلق بالتوقيت الذي يأتي دائما متأخرا ليخلق قصة متشابهة دائما وهي التضحية بشخص من داخل الجماعة، بينما القرارات هي قيادية، وقد رأينا هجوم اعضاء الحزب على كل من انتقد العثماني امضائه على التطبيع، كما رأينا استعداد وزراء من الحزب لزيارة الكيان.
لم نسمع صوت هناوي يوم حصلت زيادة في التبادل التجاري في عهد حكومة حزبه مع الكيان، وفي علاقة قائده بمكناس في صفقة فلاحية مع الكيان، ومع فضيحة برونشتاين ومع توقيع العثماني…
هناوي يقوم بمهمة مزدوجة، هي أولا حبك قصص متأخرة لغسل آثار التطبيع عن حزبه، والصراخ لإيهام المغاربة وكذا الراي العام في الخارج بأن الحزب مناهض للتطبيع. التناقض واضح، لماذا لم يستقل المناضل صاحب الصراخ من الحزب لو كان بالفعل مجنونا بالقضية الفلسطينية، ولماذا لم نشهد غضباته المسرحية في عين الحدث.
والسؤال هو كم من الجهد كلف انجاز قصة كهذه عن قضية لن ينساها الرأي العام المغربي مهما حاول هناوي ان يغطي عليها بالصراخ ولو كان الثمن تزكية إنتخابية. فالمشكلة عند هناوي ورفيق دربه ويحمان انهم يستغبون الراي العام ويكثرون من المزايدات والادعاءات. ما الذي كان سيحصل لو اي حزب سياسي فعل ما فعله حزب العدالة والتنمية؟ كم سيكون طول لسان هناوي فورا على ذلك؟
لماذا ازداد نشاط هناوي هذه الأيام لمحو صورة حزبه؟ ربما الانتخابات. فالقضبة الفلسطينية هي هنا ليست قضية كفاح مارسه المغاربة قبل مولد هذا الحزب، ولكنها تحولت مع حزب العدالة والتنمية إلى لعبة انتخابية.
يركبون كل الأحداث ولما يصلوا إلى الحكومة يعتبرون أنفسهم مرفوع عنهم القلم. ونتذكر حين حصل التوقيع لم يخرج هناوي ولا رفيقه للاحتجاج، خرج فقط الشيخان عبد الرحمن بن عمر وسيون أسيدون، رحمه الله، وقلة من المناضلين.
هناوي اليوم هو مسؤول التنظيف في حزب وقّع التطبيع ولكنه غير مطبع، وهي المعادلة الرياضية التي اخترعها هناوي هو ورفيقه، حيث هربوا إلى الأمام لأن الراي العام لم يقتنع بتبرير الموقف.
العثماني غير مُطبع فلماذا وقّع؟ كل تبريرات بنكيران لا قيمة لها. فالنقيض ليس هو الخطأ ولكن قد يكون “التكامل” بتعبير إدغار موران، الذي غادر الدنيا أمس. وخير تعبير عن ذلك رفض عبد الرحيم بوعبيد للاستفتاء. وتفسير محمد اليازغي له في الوثائقي عن هذا القائد الوطني هو دليل ما ذهبنا إليه. كان رفضا للطريقة التي تم تقديمه بها إلى المغاربة. لا يمكن أن تقول أي النقيضين كان خطأ ولكن ما وصل إليه الملف اليوم هو تجسيد لـ”التكامل”.
وزراء من العدالة والتنمية حينها لم يخفوا قدرتهم على الذهاب إلى “إسرائيل”. لم يحتج هناوي ورفيق دربه وما اللذان يقيمان الدنيا على كارتونة تمر في سوق بعيد.
وهناك لفتة مثيرة، تتعلق بتجميد عضوية حزب العدالة والتنمية في مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، التي يشغل عزيز هناوي عضوية سكرتاريتها الوطنية بل كاتبها العام. وأيضا لن تفيد المعادلات الرياضية هنا: هناوي، القيادي في العدالة والتنمية يُجمد عضوية حزب العدالة والتنمية ويبقى هو كاتبا عاما، وهو اليوم وكيل لائحة الحزب في سلا.
دليلنا على أن محاربة التطبيع عمل وظيفي وليس مبدئي هو ربطه بدعم هؤلاء للقضايا المتعلقة بمواجهة “إسرائيل” وأمريكا. لا يمكن لهناوي أن يبرر موقفه وموقف حزبه وحركته الأم من محور المقا/ومة وتجريمه لقادتها مثل الحاج قاسم. عقود من التكفير والتشنيع.
الأدهى والأمر أن هناوي ولى كبر الدفاع عن سقوط “سوريا الأسد”، وبقي متشبتا بذلك حتى بعد أن اتضح أن الأمر يتعلق بمؤامرة كونية خصوصا بعد تصريحا حمد بن جاسم، وكشفه عن ملايير الدولارات التي تم صرفها في هذه المهمة. وبعد تمكين هيئة تحرير الشام من السلطة بدمشق قام الجولاني بما هو أفظع من التطبيع. حوارات مفتوحة مع الكيان الأزرق في أدربيجان وباريس. السكوت النهائي عن الجولان. توقيع وثيقة باريس التي تمنح العدو مساحة أمنية بمقدار الأراضي التي احتلها عقب التمكين الدولي للجولاني. لم نسمع كلمة واحدة من هناوي وويحمان بأي قُبّعة من القبعات التي يرتدون.