ثقافة و فن

الحدود كسقف للعقوبة : تأصيل المرجعية الإسلامية لفلسفة العقوبات البديلة

   أحمد المهداوي
في دراسته الموسومة بـ”هل يُمكن الحديث عن العقوبات البديلة في مجال الحدود الشرعية والتي عليها إجماع بأنها مقدرة ولا يمكن تغييرها”، يُعيد الدكتور محمد الناصري، أستاذ الفكر الإسلامي بجامعة مولاي سليمان-المغرب، في محاولة فكرية وتجديدية رصينة، إعادة قراءة منظومة العقوبات في الفقه الإسلامي، وتحديداً في مجال الحدود من منظور معاصر يستوعب فلسفة العقوبات البديلة.
وتنطلق الدراسة من إشكالية غياب المرجعية الإسلامية في الأدبيات الدولية والوطنية الداعية للعقوبات البديلة، الشيء الذي حذا بالباحث إلى تقديم تأصيل شرعي يثبت أن الإسلام سباق لهذا التوجه، إذ يوضح في بداية دراسته إلى أن “موضوع العقوبات البديلة للحدود الشرعية في الإسلام، موضوع على قدر كبير جداً من الخطورة من جهتين: الأولى لتعلقه بحقوق الناس وحرياتهم، والثانية لما يكتنف موضوع الحدود الشرعية من إشكالات”، والوعي بهذه الإشكالات -حسب اعتقاده- “هو الذي حدا بكل من المجلس الوطني لحقوق الإنسان في رأيه حول مشروع قانون العقوبات البديلة، ورئاسة النيابة العامة في دليلها الاسترشادي لقضاة النيابة العامة حول تنفيذ العقوبات البديلة، إلى عدم ذكر المرجعية الإسلامية ضمن المرجعيات الدولية الداعية إلى اعتماد العقوبات البديلة والتشجيع على العمل بها”.
وتجدر الإشارة، قبل العرض لقراءة في دراسته، أنه سبق للدكتور محمد الناصري التطرق لموضوع الحدود الشرعية في الإسلام من خلال بحثين: الأول كان عنوانه: مصطلح الحدود الشرعية من ضيق الفهم الفقهي إلى سعة الدلالات القرآنية، والثاني جاء موسوما بإشكالية مفهوم الردة من الحكم بقتل المرتد إلى أسبقية الحق في الاختلاف، والبحثان معاً جاءا في أزيد من ستين صفحة، وقد تم نشرهما في كتابه “في نقد مقولات التطرف الديني”.
ويرى الدكتور الناصري أن هناك حاجة ملحة للانتقال بمصطلح الحدود من ضيق الفهم الفقهي الذي حصرها في قوالب جامدة إلى سعة الدلالات القرآنية، ومن خلال تتبعه لدلالات الحدود الشرعية عند الفقهاء، وأئمة المذاهب الأربعة، عرف الحدود بأنها عقوبات بدنية شرعها الله لمكافحة الجريمة وصيانة المجتمع، وحفظ ضروريات حياة الإنسان واستقراره، على أنه يربط إقامتها بشروط وضوابط دقيقة للغاية؛ مثل الاحتياط التام، وإسقاطها بالشبهة، بل والعدول عنها إلى عقوبات تعزيرية ضمن قوانين الدولة بما يحقق العدل. ويؤكد الباحث أن القصد الأسمى من الحدود في القرآن هو “التهذيب لا التعذيب”، مستدلا بحديث نبوي أخبر فيه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أنه قد غُفر له لمجرد صلاته مع الجماعة، مما يشير ويؤكد على أن إقامة الحد ليست غاية في ذاتها.
وهنا يقدم الدكتور الناصري أطروحة مركزية مفادها أن الحدود هي سقف العقوبة وليست عقوبة يُؤخذ بها دائماً، وهذا يعني أن النص الشرعي وضع حداً أقصى للعقاب، وللدولة الحق في أن تعاقب بما تراه مناسباً لدرء الجريمة وتحقيق الأمن، وصولا إلى حد العفو إذا أمن المجتمع عدم تكرار الجريمة، هذا الفهم يفتح الباب واسعاً أمام العقوبات البديلة دون الصدام مع النص لأن الغاية الأساس هي الإصلاح وضبط الأمن، وليست التشفي أو الهدم.
ويركز الباحث، في هذا الصدد، على أصلين شرعيين من شأنهما التقليل من اللجوء للعقوبات الغليظة؛ أولا التوبة، حيث يرى الدكتور الناصري أن التوبة مقدمة على العقوبة، وهي تسقط الحدود إذا كانت قبل القدرة على الجاني باتفاق الفقهاء في جريمة الحِرابة وبقياس بقية الحدود عليها، فباب المغفرة والإنابة والإصلاح أوسع من باب العقوبة والتشهير. ثانياً درء الحدود بالشبهات، ويؤكد الباحث أن الشريعة لم تكن يوماً متشوفة لإقامة الحدود، فهذه الأخيرة إنما هي أدوات للضبط الاجتماعي وليست غايات تعبدية صلبة، ولقد أمر الشارع بطلب والتماس أي مخرج للمسلم لدرء الحد عنه، خلافاً لما يفعله ويتقيد به الغلاة في هذا العصر من تسرع في إقامة العقوبات التي هي في أصلها من اختصاص القضاء حصراً وليست موكولة بيد العامة.
وفي دراسته لملف الردة، يخلص الدكتور الناصري إلى نتائج حاسمة؛ حيث يقرر أن الآيات القرآنية التي تحدثت عن الردة توعدت المرتد بعقاب أخروي يتحدد في (حبوط العمل، الحرمان من الهداية الإلهية، والخسران في الآخرة مع اللعنة والخلود في النار)، ولم تذكر قط أي عقوبة دنيوية، وبذلك يطرح قضية الردة كنموذج للمراجعة الفقهية، ويُخرجها من دائرة الحدود الدنيوية، معتبراً أن مسألة الإيمان والكفر هي علاقة قلبية بين العبد وربه، وأن العقوبة الدنيوية لا تُفرض إلا إذا تحولت الردة إلى جريمة خروج على النظام العام أو طعن في ضوابط وثوابت تحفظ الحرية الفكرية والأمن المجتمعي.
وعلى هذا يستعرض الدكتور الناصري كيف أن العقوبات البديلة موجودة بالفعل في صلب التشريع الإسلامي، كما في الكفارات (تحرير رقبة، صيام شهرين، إطعام ستين مسكينا)، حيث تتحول هذه البدائل إلى عقوبات أصلية بنص القرآن، مما يجعل منها، حين تصاغ في إطار قانوني منضبط، صورة عملية للسياسة القضائية، وتتجلى منافع هذا التوجه “البديلي” في ثلاثة مستويات؛ فعلى مستوى الفرد يعاد تأهيله بالعمل النافع بدلا من عزله في السجون، ويعيش أثر الحديث الشريف: “التائب من الذنب كمن لا ذنب له”، على المستوى المجتمعي الاستفادة من تحويل المذنب من عبء إلى شخص منتج، أما على مستوى الدولة فتمكن منفعة هذا التوجه في تخفيف العبء عن كاهل الدولة، وذلك بتخفيف اكتظاظ السجون، وتقليل الأعباء المالية، وتعزيز صورة الدولة ككيان يحترم القانون الدولي والإنساني.
خلاصة القول، إن الدكتور محمد الناصري، في دراسته هاته، يقدم رؤية إنسانية مقاصدية للشريعة، تحولها من نظام عقابي محض إلى نظام تربوي إصلاحي، وهي دعوة صريحة لمراجعة المفاهيم الراسخة حول الحدود لتتواءم مع فلسفة العقوبات البديلة المعاصرة، مؤكدة أن روح الإسلام تنحاز دائماً إلى الستر، العفو، والإصلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى