وجهة نظر

الانتخابات.. موسم عودة الغائبين

أعترف أن أكثر ما يثير استغرابي مع كل محطة انتخابية هو ذلك التحول المفاجئ الذي يصيب بعض المرشحين. فبعد خمس سنوات كاملة من الغياب، والصمت، والابتعاد عن هموم الناس وقضاياهم، يعودون فجأة إلى الواجهة وكأنهم لم يغادروا أبدا. يطرقون الأبواب، ويصافحون المواطنين، ويملؤون الفضاء العام بالوعود والشعارات، وكأن الذاكرة الجماعية لا تحتفظ بشيء من سنوات الغياب الطويلة.

طوال مدة الولاية الانتخابية، نادرا ما نرى هؤلاء بين المواطنين. لا نجد لهم أثرا في الدفاع عن القضايا المحلية، ولا في تتبع المشاريع المتعثرة، ولا في الإنصات إلى مشاكل الشباب والعاطلين والمهنيين وسكان الأحياء الهامشية. تمر السنوات واحدة تلو الأخرى، بينما يظل المواطن ينتظر من يمثله ويعبر عن انشغالاته داخل المؤسسات المنتخبة.

لكن ما إن تقترب الانتخابات حتى يتغير المشهد بالكامل. تعود الوجوه نفسها، وتبعث الوعود ذاتها، وتستعاد الخطابات التي تتحدث عن التنمية والتشغيل وتحسين الخدمات. فجأة يصبح المواطن محور الاهتمام، وتصبح مطالبه أولوية قصوى، رغم أنها ظلت لسنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام.

إن هذه الظاهرة لا تسيء فقط إلى صورة العمل السياسي، بل تساهم أيضا في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فالممارسة السياسية الحقيقية لا تختزل في موسم انتخابي عابر، ولا في حملة دعائية تستمر بضعة أسابيع، بل تقوم على الحضور المستمر والتواصل الدائم وتحمل المسؤولية طيلة مدة الولاية.

أنا مثلا لا أبحث عن مسؤول يزورني كل خمس سنوات، بل عن منتخب يرافق قضايا مجتمعه كل يوم. لا أريد من يتذكر المواطن عندما يحتاج صوته، بل من يتذكره عندما يحتاج الدعم والترافع والحلول. فالتمثيلية ليست امتيازا موسميا، وإنما التزام أخلاقي وسياسي يمتد من اليوم الأول للانتخاب إلى آخر يوم من الولاية.

ومع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يبقى السؤال مطروحا بإلحاح: هل سنواصل مكافأة الغياب المتكرر، أم سنبدأ في محاسبة من اختفى خمس سنوات كاملة وعاد فقط عندما اقترب موعد صناديق الاقتراع؟

إن الديمقراطية لا تقاس بعدد الملصقات الانتخابية ولا بحجم الوعود الموزعة خلال الحملات، بل بمدى وفاء المنتخبين بالتزاماتهم طوال سنوات المسؤولية. أما الذين يستيقظون كل خمس سنوات، فقد حان الوقت لأن يدركوا أن ذاكرة المواطنين أصبحت أقوى مما يعتقدون.

نعيمة ايت إبراهيم

تطوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى