. أربع محطات متساكنة للذاكرة
الآن وبعد ان عرضنا، بقراءة خاصة، للمسار السانكروني للدار ولمقهى دار المغرب- فرنسا، خصوصا، من المستحب ان نتناول عرضا دياكرونيا لأهم وأقوى المحطات التي إعتملت في كافيتيرا الدار، ولو عرضا، خصوصا، حتى نتمكن من إستخلاص بعض دروس التاريخ المشترك للطلبة وعابري السبيل المقيمين أو “النزلاء بالقوة” بالدار بين فرنسا والمغرب، حينها وإلى الآن. وسننهج نفس المغاربة التي إعتمدناها في الجزىء الأول من هذا العمل/ القراءة السريعة، لمتن تاريخي مشترك إتخذ الذاكرة، في إستمراريتها وقطاءعها وإحتمال نهضتها، اليوم، موضوعا له.
وقد يبدو العالم غير خاضع لترتيب وتصنيف، إذ هو مشتت ومنفلت، وأمام ترابط ظرفي لا يخضع لمبدىء قار ولا لمنظومات تراتبية، وحيث يبدو كنمو متفرع ونظام تعددي وتراتب عشوائي وإنقطاعات متوقعة ومصاءر من غير ذاكرة وخراءط جغرافية بلا تاريخ ( بنعبد العالي ع. مرجع سابق..)، خاصة لما تقف الدار -عموما- عن العمل والحركة والحياة، رحلة وليست إستيطانا، بالرغم من طول مدة الإحتلال السكني وتدهور المباني أو الإضراب عن الطعام، مما يجعلك تفكر في الأشياء وبين الأشياء كخط وليس كنقطة، كعمارة صحراء….( فرضية عمل، بصيغة أخرى).
لقد واكب وعاش وعشب وخمر المقهى السفلي بدار المغرب/ الكافيتيريا أربع محطات متداخلة للذاكرة:
لا يمكن أن تنسينا زخرفة سقف الصالون المغربي ولا الباب الكبيرة الأثرية المجددة، على التوالي سنة 1982 و 2006، أن دار المغرب منشأة كولونيالية الأصل، بنيت على يد المهندس البير لاباراد، لكنها لعبت دورا مهما في إحتضان وتشكيل الوطنية المغربية الناشءة، منذ الخمسينيات/ 1953 إلى نصف الثمانينات. لقد كانت مكانا مسيرا ذاتيا تقريبا، إذ هي المقر الرئيسي لأوطم الممانع والمعارض البديل والمهيمن على الدار، حينها، من أجل وطن الغد، الذي لم يكن يراه في الأفق إلا إشتراكيا، او هكذا كان يقدم نفسه، مختبرا تقدميا فعليا يستقبل المغاربة و المفكرين الفرنسيين ولاجءي العالم.
وقد إستفاذ القاطنون المغاربة وأطر الدار، عموما، من وضع ملتبس، صعب وحرج في آن بين 1953 و 1956، مما صعب عملية التدشين وأرجأها أكثر من مرة إلى حين، ليبلور الحضور المختلط بالدار تصورا ل”وطن سياسي مغربي” يحمل طموح وهم الحركة الوطنية بالداخل، بل والشروع في تأسيس لبنات الدولة الوطنية تحت مظلتي الوطن والملكية، خاصة بعد رجوع محمد الخامس من المنفى ( 1953- 55).
غير أن هذا التوازن الهش مالبث أن إنكسر بطلاق بين ماكان يعرف بالوطنية الملكية، من جهة، والوطنية الشعبية، من جهة أخرى ( 1962/63)، مما أثر بلا شك على مواقف وميول المقيمين بالدار وحفز النقاش في كل مكان، أوله المقهى.
وقد إنحاز المقيمون، آنذاك، إلى إختيار “مركزية الشعب”، ساعد في هذا الميل العام لقوى التحرر الوطنية في العالم، بالعمل على إعطاء محتوى كوني-شعبي- عصري ( بل وإشتراكي!) للوطن، تمثل في المواقف الجذرية لأوطم المعارضة لإختيارات القصر، ما كبد قيادييها ومناضليها إتباع خطوط المنافي التي لا بداية لها ولا نهاية، منافي هاربة وخارجة، ضدا على الثقافة المحافظة التي يبتغيها الملك-الشاب، آنذاك، مما اعتبر خيانة صريحة للوطن ولتطلع المغاربة العميق.. وبعد فشل الإضراب عن الطعام بالدار، سيأتي إغلاقها، مما يعتبر قطيعة حقيقية وكبيرة في الزخم الذي كانت تعرفه.
وبعد التوافق حول المسألة الصحراوية وسط السبعينات ونهاية حظر أوطم نهايتها، وتعبيرا عن الانفتاح النسبي للمجال السياسي بالمغرب، تم فتح الصالون المغربي- المقهى، من جديد، وتمثل تجديد- تزويق- مغربة البناية ( 1982)، ليتحول إهتمام وفعل المقيمون من “موقع المقاوم” إلى موقع آخر، التفكير والفعل الذي سيسمح بظهور “وطن مواطن” ممكن، في المدى المتوسط، في إطار ملكية دستورية حقيقية، وقد لعب الصالون المغربي والمقهى والساحة دور الأغورا السياسية والاجتماعية- الثقافية للدفع أماما باختيار المغرب المنتقل/ الإنتقال الديموقراطي..!
لكن الموت الإكلينيكي لأوطم، بعد المؤتمر السابع عشر، وإبتداء من 1984، جعل مجلس القاطنين يحل محل مجالس أوطم، ليتم التركيز فقط على الأنشطة الثقافية، وليتم دعوة مجموع أبهات وإطارات الحركة الإسلامية -حينها- للمحاضرات ونقاشات منظمة من طرف مجلس القاطنين.
ومنذ النصف الثاني من عشرية الثمانينات، إستطاع أول الطلبة الإسلاميين إختراق مبكر إنتخابي ونزيه لمجلس القاطنين/1995. وقد يكون قد تعطل نسبة لنجاح الثورة الأيرانية الإسلامية الفتية/ 1979، وكذا دخولها في تطاحن الإخوة- الأعداء المبكر مع العراق الشقيق، العلماني- السني وسقوط هذا الأخير، على إثر الحرب الثانية الماكرة عليه ..ليتوج بركوب حزب العدالة والتنمية على الطموح الملتبس لحركة 20 فبراير المجيدة.
لقد حصل ذلك أيضا نتيجة السياسة التربوية المتبعة من طرف الدولة المغربية( التعريب المتسرع، تدمير المدرسة العمومية، ترسيم الأمازيغية وخطر تقويضها، توسيع التعليم الخصوصي، مهاجمة الفلسفة والفكر النقدي والدفع بالتعليم الإسلامي الجامعي في ما يعرف بالدراسات الإسلامية،..)، مما يكاد ينتج شخصية مغربية متناقضة ( عروبيون، امازيغيون، فركفونيون،…. )، أصبح من اللازم ان تجمعهم ثوابت الوطن- المواطن والأمة المغربية المعاصرة الواحدة.
هكذا إنقلب بالتدريج التوازن السابق المكتسب، ومن مختبر تقدمي منذ الستينات، تحولت الدار وروافدها إلى مختبر للتقليدانية الدينية، لا يحد منها إلا تدخل الإدارة اللبق او الأرعن وما تبقى من عناد اليساريين في الساحة، ليتم العمل الإسلاموي على تحويل ما داد عنه اليسار طويلا، دون تبيأته، بالذات: الوطن المغربي المواطن، إلى الدعوة لأمة مغربية، قد تتسع لمفهوم إسلامي عريض وطويل، وليتحول الصالون المغربي إلى محراب- حرم- ملاذ، وكذا إعادة تهيئة الفضاء التحتي ليصبح مسجدا للصلاة.
وتجدر الملاحظة إلى أنه ما لبث مجلس القاطنين ان تكسر، تباعا لإحتلال سكني كبير للدار دام ما يقرب إحدى عشر شهرا…كما يمكن إعتبار مرحلة الإهمال التي ألمت بالدار ،عموما، وكذا التجديد في ما بعد، بين 2002 و 2006، بمثابة “قطيعة جيلية” كبيرة بالنسبة للقاطنين الجدد، بما يعني ذلك ضياع ماضي وذاكرة الدار وذاكرة من مروا وعبروا من هناك… .
والحال أن نقص فضاءات التنشءة، مع توقيف الريسطو- المطعم والكافيتيريا والحمام والمكتبة ( 2008- 2011)، وخاصة غياب مشاريع ثقافية للقاطنين، تباعا، دمر معنى الكومونة/ المجموعة البشرية- الطلابية، عكس ما كانت قائمة عليه، سنوات التسعينيات. وبالرغم من أن مكان الدار لم يكن داءما على أحسن حال، لكنه كان مليءا بالحيوية. وإذا كان قد ربح بالشكل والرفاه والتنميق بعد إصلاح وضبط 2008، فإنه لم يبرح أن أصبح مكانا للنوم المريح والسعيد، وعلى الإدارة أن تبادر لتنشيطه، من عدمه، وعلى مجالس القاطنين المنهك ان يجدوا توازنا جديدا معها/ الإدارة، وان يسترجعوا الذاكرة المفقودة، لفهم الماضي من أجل بناء المستقبل، حفاظا وإستثمارا وحتى إنتهازا لمكان جميل تم بناؤه و الإعتناء به من أجل الجيل المغربي الجديد.
. فكرتان مهمتان: من التسيير الذاتي إلى التدبير التشاركي و التعاقب الإيديولوجي بين اليسار والإسلاميين في بهوات الدار وتأطير السلطة/ ضبط ومراقبة الإدارة …
وفي الختام، فكافيتيريا الدار، التي كانت في قبو، على الهامش، وليس في الصورة، حتى ينالها حقها من التزويق، عدا ملصقات الطلبة والقاطنين المبعثرة، هنا وهناك، وكانه لم يكن يراد لها أن تلعب أي دور مهم يذكر، مهملة، عدا الترفيه والتفاهة والرتابة والنقاش البزنطي وإحتساء المشروبات والسجاير والدخان والنميمة واللغط، أو محرما مرتبا مبتذلا ومراقبا للصلاة، ولعله كان أهم منعطف إيديولوجي بين نخب مغربية متأسلمة- مستعربة واخرى مستغربة..
أو هو كان المجال لتجريب والتدرب على التدبير الذاتي أو التشاركي الجيد، أكان منذ إنبثاق الفكرة لدى المستعمر، في عشرينيات القرن الماضي/ 1920، إبان عنفوانه وخلطه مكارم تكوين الأطر الأهلية بمهمات الأنسنة والتحضير المحدود، بتجميع سلس وتكوين تقنيين وسيطيين ومتوسطين مهذبين و آخرين قياديين طيعة وعلى المقاص، لتنمية التأخر على جميع المستويات و لإعادة إنتاج النظام الكولونيالي العام، أو مع التحولات اللاحقة التي عرفتها العلاقات الدولية بعد ذلك، فإشكالات التنمية الموقوفة والتبعية والعولمة لاحقا، اليوم، خاصة بين فرنسا والمغرب وباقي العالم، وفي المغرب بالذات.
عكس ما كانت تنتظره الإدارة، لقد كانت الدار وربيبتها-المقهى ،عن حق، مخبأ ومختبرا وفرانا تطبخ فيه أولى “شهيوات/ أطباق” الأنشطة الجمعوية، وتزرع فيه ترسيمات البرامج الثقافية والفنية التي ستطلع تدريجا أو على حين غرة إلى فوق، وتسطع إلى السطح والعلن، نهارا جهارا، بعد ذلك، وإن هي طبعا لم ولن تكن -قيمة وجدلا وشخصيات علمية- في مستوى وأهمية الندوات والقامات والرجالات التي مرت من هنا، من الدار، هاربة أو قاصدة، وإن كانت الفكرة/ الحدس الأولي لهذا السيمنار أو لتلك الندوة تكون قد إنبثقت على قارعة الطريق إلى الشقق أو إلى الصالون او على طاولة الأكل بالمطعم او في المقهى، تماما كعشب ينساب بين الأماكن غير المغروسة، على الحافة، لا يبالي، ينسلت بين الشقوق وفوق الرصيف ومن داخل الأحجر لا يزول بقطع جدوره وإنما لأنه من النوع الذي يفيض على الحدود المرسومة. سلفا، ويتدفق ليملىء الفراغات، بالذات…
إنها القلق الوجودي الذي ينتابك في كل مكان، حيث ما رحلت وإرتحلت، ليس بعيدا ولكن خارجا، فقط، فكرة/ تفكير يلازمك هاربا، وحيث ما توسدت ولو حجرة وإفترشت الأرض وإلتحفت الفضاء السماء (جبران خليل في جميل ما غنت فيروز: أعطني الناي وغني من نثر الرومانسية السوداء الساخرة والقاتلة… )، أو عبثا ومنزويا معزولا وباردا مرتعشا، تنتظره الفجر والوعود الشمس وجلبة القاطنينات…
هي حدوسات نزقة لا تستشيرك وخطوط قد تأتي في الليل الدامس والمنام المطبق والصمت الرهيب، وليست نقط، مصاءر بينية لا ماضي لها ولا مستقبل، لكنها لم تكن -قطعا- هبلا أو هلوسة أو عبثا أو بدون معنى، مجرد طفيليات مزعجة، اللبلاب- لواية ( بالدارجة المغربية!) قد تخنق النبات المهندس بعناية ما، وقد تعرف إختلالات مالية وغيرها في التدبير، وقد يكون لها بليغ الأثر على التاريخ المغربي الراهن، حيث يتساءل الطلبة -وغير الطلبة- المغاربة والمعارضين والمثقفين والأجانب وعابري السبيل والمحتلين للمكان….، عن قلق الوجود-هنا والأن، في الدار والمغرب والعالم/ الدازاين ( هايدغر.. )، عن الملتقى الأصيل، عن الاعتناء الضروري والواجب بالنخب الشابة، بناة الوطن والأمة، اليوم وغدا…..
وأنا اتذكر وضعا عشته لشهور كعابر سبيل/ ملازم بالحي الجامعي ظهر المهراز- فاس، طور البناء، متى إستلقيت للراحة والنوم على “كرطون مقوى” أو “بونج مقوى”، لا فرق، عند التعب والإنهاك أو ليلا صامتا قاتلا يعجنه الخوف والمواجهة عند المداهمات….- إلى حين قد يدوم لأجل غير مسمى مع وعود الإدارة المؤجلة و المتكررة للسكن والتجاوب مع الملف النقابي المطلبي- تحت منضدة صماء-خرسانة، خصصت أصلا لعمل وتحصيل الدرس وعكف الطلاب في الشقق..!!
(…) لا يسعني إلا أن أتذكر بحب كبير وأهدي لكل النزلاء بالقوة-رفقاءي آنذاك في الساحة ومنهم من بقينا جميعا على درب الكفاح ( المكافح جريدة الطلبة لاوطيم، أنوال، 8 مارس، الفلاح، …) من أجل الجامعة والمعرفة والعلم والتكوين النقابي-السياسي- الثقافي الموازي، و كذا من اجل المواطنة والديموقراطية ببلادنا…، نثرية جميلة للنبي جبران، تختلط فيها الرومانسية السوداء والدعوة للهروب من ماديات الحياة والعيش الكريم على حافاتها الدنيا إلى جمال الطبيعة والبساطة والموسيقى والجمال والهدوء والمصالحة مع الذات، وحتى مشاكستها ومقارعة الرفاق والإخوة في الساحة الطلابية مع سخرية الاقدار المرة والأوضاع الإجتماعية الصعبة للطلبة، آنذاك/ أطر وكفاءات الدولة اليوم (نثرية كما اقرؤها وأراها و أأولها وألوي يدها.) وحيث الناي صوت الروح والأنين وحيث الحرية أعظم من بذخ القصور وابعد من طعم النفاق السعيد:
أعطني الناي وغنِّ
فالغنا سرُّ الوجود
وأنينُ الناي يبقى
بعد أن يفنى الوجود
هل إتخذتَ الغاب مثلي
منزلاً دون القصور
فتتبعتَ السواقي
وتسلقتَ الصخور
هل تحممتَ بعطر
وتنشفتَ بنور
وشربتَ الفجر خمراً
في كؤوسٍ من أثير
هل جلستَ العصر مثلي
بين جفناتِ العنب
والعناقيدُ تدلَّت
كثرياتٍ من ذهب
هل فرشتَ العشب ليلاً
وتلحفتَ الفضا
زاهداً فيما سيأتي
ناسياً ما قد مضى
أعطني الناي وغنِّ
وأنسَ داءً ودواء
إنما الناس سطورٌ
كتبتْ لكن بماء…..( جبران خليل جبران/ المجموعات النثرية)
ع. الواحد حمزة، كاتب فرع تمارة للإشتراكي الموحد، عضو المجلس الوطني للحزب.