وجهة نظر

“كرموسة” أردوغان: التناقض بين تركيا و”إسرائيل” داخل منظومة السيطرة الأمريكية-إدريس عدار

كتبت صحيفة معاريف “الإسرائيلية”، يوم 22 من الشهر الجاري، “إن تركيا تُعد تهديدا أكبر وأكثر خطورة على إسرائيل من إيران، في ضوء امتلاكها ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي الناتو، ووصولها إلى نحو 80% من الاكتفاء الذاتي في صناعاتها الدفاعية”.
العبارة تلقفها الإعلام المؤيد لأردوغان وسارت بذكرها الركبان. لم يبق موقع رقمي ولا صحيفة ورقية ولا قناة إلا ونقلتها.
بعدها قال أردوغان: “إن المنطقة نجت من مخطط تدميري كارثي كان يستهدف أمنها واستقرارها. وأن التلاحم والوحدة بين شعوب المنطقة من أتراك وأكراد وعرب وفرس نجح في إحباط لعبة دموية وخبيثة لم تتضح كل أبعادها بعد”.

فرضيتان يمكن اختبارهما لمعرفة هل يمكن التسليم بهما أم أن أردوغان وجد نفسه ضحية غروره بأن يكون سيد المنطقة؟
كيف يمكن أن تكوت تركيا أخطر على “إسرائيل” من إيران؟
في إيران مزاج عام داعم لفلسطين، ومنذ 1979 تعتبر الأراضي المقدسة خيارا لدى الدولة والشعب، بل قبل ذلك بكثير، وهناك تمازج بين الطرفين، وكان أول وزير دفاع بعد الثورة مصطفى شمران مقاتلا في حركة فتح، وأول دعم قدمته للفلسطينيين كان مقر السفارة الإسرائيلية الذي أصبح في ملك منظمة التحرير الفلسطينية إلى يوم الناس هذا.

استمر الدعم متواصلا لكل حركات المقاومة، ولم تنقطع الصلة بالمنظمة إلا بعد أن فضّل ياسر عرفات، رحمه الله، الحضن العربي زمن الحرب ضد إيران. يعني أن فلسطين جزء من وجدان وكيان ومنظومة هذا البلد.

أما تركيا فيختلف فيها الأمر. طبعا لا ينفي وجود تيار شعبي مهم يساند فلسطين. لكن أردوغان ورث علاقات قوية مع إسرائيل، غير أنه لم يقم بتحجيمها بل زادت في وقته. أردوغان زار الكيان الأزرق ووضع إكيليل زهور على قبر هرتزل أو مجسما لقبره بالقدس المحتلة.

عندما كانت غزة تتعرض للتدمير الشامل من قبل الكيان الإسرائيلي، ظلت العلاقات بين الطرفين على أحسن ما يرام، وكان مسموحا لأردوغان بلعن الكيان. استمرت العلاقات التجارية، التي خففت عنه أعباء كبيرة خلقها إغلاق الملاحة في وجه السفن الإسرائيلية من قبل اليمن.

ومن طرائف هذه القضيىة أن تركيا أعلنت مرتين قطع العلاقات التجارية، بما يعني أن الأمر ليس صحيحا.

المرة الأولى كانت يوم 3 ماي 2024، حيث أعلنت وزارة التجارة التركية أن أنقرة أوقفت جميع الصادرات والواردات من وإلى إسرائيل اعتبارا من 2 ماي 2024. لكن يوم 29 غشت 2025، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للمرة الثانية أن أنقرة أنهت جميع علاقاتها التجارية مع إسرائيل، في خطوة وصفها بأنها تأتي احتجاجاً على الحرب في غزة..وكانت صحيفة جيروزالم بوست نقلت عن مسؤول إسرائيلي قوله إن “تركيا سبق أن أعلنت في الماضي قطع علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، لكن العلاقات استمرت رغم ذلك”.

هذا فيما يتعلق بأردوغان، غير الجاد فيما يقول.
أما من حيث الوضع العملي فهل يمكن أن يشكل أردوغان خطورة على إسرائيل؟

إسرائيل تعتبر قلعة متقدمة للولايات المتحدة الأمريكية. والحروب التي دارت هي حروب أمريكا. وتركيا عضو في حلف الناتو وفيها قواعد أمريكية. هل تسمح أمريكا لتركيا بمهاجمة إسرائيل وهي موجودة فوق أراضيها؟ هل يسمح الناتو بذلك؟

أقصى ما يمكن أن يقع بين الطرفين هو صراع على مغانم سوريا، ففي الوقت الذي كان يعتقد أردوغان أنه بالمساعدة على تسليم سوريا لمنظومة السيطرة الأمريكية سيصبح الآمر الناهي، لكن إسرائيل تبحث عن الحدود الأمنية وليس الحدود الآمنة، ولهذا رغم تسليم الجولاني بكل ما تريده إسرائيل هذه الأخيرة لا تريد توقيع اتفاقية سلام ملزمة، ولكن تريد أن تبقى فوق الأرض حتى تبعد حدودها الأمنية عن الجولان.

لقد ساهم أردوغان بشكل كبير في التحولات التي عرفتها سوريا، حتى انتقلت من موقع ممانع إلى موقع وظيفي لفائدة إسرائيل، عبر قطع خط إمداد المقاو/مة واعتقال قادتها ومنع أي نشاط فوق الأراضي السورية.

دعم الجولاني هو دعم واضح للمشروع الأمريكي الصهيوني. خدمة لا تقدر بثمن..ومرة قال ترامب بأنه كلف صديقه أردوغان بوضع الجولاني رئيسا لسوريا، ولم يعقب الرئيس التركي بل حرك فمه بطريقته المعهودة وكأنه يقول له “حشمتينا”. وأعاد ترامب القول بأنه هو من وضع الجولاني على رأس سوريا. فدعم هذا الأخير دعم للمشروع الصهيوني.

فكيف تكون تركيا خطرا؟ وكيف يزعم أردوغان أنه ساهم إلى جانب العرب والفرس والكرد في وقف شلال من الدم؟

قد يقصد عدم الذهاب في المشروع الأمريكي الذي كان يقضي بتحريك أكراد إيران وتسليحهم قصد إحداث التغيير في إيران أو السيطرة على جزء من الأراضي. ليس كرما فعل ذلك أردوغان، وإلا لن تنجو منطقة كردية واحدة من ذلك. خاف من أن تنقلب ضده.

يقول المغاربة مثلا بليغا: آش دخّل “كرموستك” في الشريط؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى