ثقافة و فن

حسن نجمي يحل ضيفا كريما على النسخة الفرنسية لمجلة “زمان” بقبعة الباحث في فن العيطة (الجزء الثاني)

أحمد رباص ـ تنوير
على مستوى السؤال الرابع، ذكرت مجلة “زمان” الفرنكوفونية ضيفها بأن البعض يربط ظهور مصطلح “الشيخات” بفترة الحماية الفرنسية في المغرب، قبل أن تسأله عن حقيقة هذه الواقعة.
في البداية، قال حسن نجمي إن ذلك ليس دقيقاً، منبها إلى أن هذه الفترة قامت بشكل أساسي بإضفاء الطابع الرسمي على التسمية، من خلال تصنيفها ضمن الأنشطة المهنية المسجلة. لقد ظهر تنظيم المهن في ذلك الوقت، وكذلك الإحصاءات بجميع أنواعها، وكل ذلك كان يهدف إلى ضمان مراقبة أفضل للتراب الوطني. لكن الجانب السلبي هو حدوث خلط مؤسف بين الأنواع.
لنأخذ مراكش كمثال. في الزنقة المعروفة باسم «عرصة الحوتة» بالقرب من ساحة جامع الفنا، حيث كان الناس يأتون عادةً لاستئجار الشيخات لإقامة الأعراس وإحياء الحفلات، قرر الباشا الكلاوي تجميع الشيخات والمومسات في فضاء واحد. ما كان يهمه هو اقتطاع جزء من دخلهن كضريبة. وقد تناول بول باسكون في كتابه «الحوز» هذه المسألة بالتفصيل.
ومع ذلك، كان لهذا القرار العبثي عواقب وخيمة. فمن ناحية، خلق أو عزز الخلط بين هاتين الفئتين من النساء. ومن ناحية أخرى، وكما أسرّ لي شخصياً أحد شيوخ العيطة القدامى من منطقة الرحامنة، قرر العديد من الفنانين، شيوخاً وشيخات، مقاطعة مراكش. فظلوا قابعين في قبائلهم أو كانوا يتنقلون، حسب الطلب، مباشرة من قرية إلى أخرى. وبذلك تضرروا في قوتهم اليومي، فضلاً عن تعرضهم لوصمة عار غير عادلة. والمؤسف أن هذا الوضع استمر عملياً حتى فجر الاستقلال.
لطالما طمس الخلط بين “الشيخات” و”المومسات” صورة فن العيطة. فما هي، في الواقع، النظرة التي كان المجتمع المغربي يحملها لهذا التراث، وبالأخص تجاه الشيخات؟
بهذه الصيغة، جاء السؤال الخامس، وفي ما يلي جواب ضيف المجلة:
كان هذا الخلط دائماً حجة مريحة، وحتى الباحثون المتميزون – اسمحوا لي بهذه العبارة – وقعوا في هذا الفخ. إنه أمر مؤسف، لكنه لا يأتي من فراغ. فالمشكلة تكتسي بعداً أكبر، فهي ذات طابع سوسيولوجي، بل أنثروبولوجي.
غالباً ما تساوي النظرة أو الصورة النمطية التقليدية بين “الشيخة” و”المومس”. وذلك ببساطة لأن الأولى تستخدم جسدها، وتُبرز مفاتنها وبطنها… وأغتنم الفرصة هنا لأذكر أنه في الحضارات الإنسانية القديمة، كان إبراز البطن احتفاءً بـ “الولادة”، وبالتالي بالحياة. وهذا لا يحمل أي دلالة قدحية، بل على العكس من ذلك. فالرقص هو بحد ذاته سرد متكامل، حيث إن الخطوات والحركات تحاكي الحياة الاجتماعية وترويها بطريقتها الخاصة. وهذا هو الحال أيضاً في المغرب، سواء بالنسبة إلى الرجال أو للنساء. فعندما ترخي الراقصة شعرها مثلاً وتجعله يتطاير مموجاً، فهي بذلك تحاكي الفرس. وحتى الآلات الموسيقية تتبنى نفس المنطق، حيث تُصنع معظمها من جلود الحيوانات: مثل الطعريجة والبندير، إلخ.
وخلاصة القول، إن اختزال هذا التراث الرائع في قصة مزعومة عن الدعارة هو أمر ظالم وتعسفي. إنه شكل من أشكال “الحُگرة” التي انتهى “المخزن” نفسه إلى تبنيها في مرحلة معينة. فقد استوعبت الدولة الوصمة الاجتماعية وأضفت عليها طابعاً رسمياً، وذلك في إطار ثقافتها القائمة على المنع والرقابة والضبط الصارم للأفراد. وحتى يومنا هذا، ما زلنا نعاني من عواقب ذلك. فالبعض مستمر في الاحتكام إلى الدين لأجل “تحريم” الغناء، سواء كان نسائياً أو رجالياً. في حين أن القرآن الكريم والأحاديث النبوية لم يُحرّما الغناء أبداً، لا بصوت المرأة ولا بصوت الرجل.
وصولا إلى السؤال السادس، وبعيدا عن الدافع الديني، طلبت المجلة من ضيفها أن يدلها على أصل هذه “الحگرة”، وأن يقول لها ما إذا كان حكم المجتمع خاضعا لمؤثرات خارجية.
أجاب حسن نجمي بأن “الحگرة” الموجهة، خصوصًا إلى فئات اجتماعية معينة مثل الشيخات أو السكان القرويين الذين ينادى عليهم بـ«العروبية»، يعود إلى تحولات تاريخية وثقافية عميقة، تتجاوز الأسباب الدينية.
في هذا السياق، أشار الأستاذ الباحث إلى التأثير الكبير لسقوط الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر، وما نتج عنه من هجرة جماعية للنخب الأندلسية نحو المغرب والمغرب الكبير.
استقر أفراد هاته النخب في عدة مدن مغربية كفاس، مكناس، الرباط، سلا، وجدة، تطوان، ومراكش. منهم من اندمجوا في الهياكل الإدارية والسياسية، ومنهم من أصبحوا قضاة، وأمناء (جامعي ضرائب)؛ أي أنهم غدوا مؤثرين بشكل كبير في المجتمع.
ولم يهمل ضيف المجلة في جوابه الإشارة إلى الإسهامات الثقافية والاجتماعية للأندلسيين، حيث جلبوا معهم معارفهم وثقافاتهم وقواعدهم، خاصة ما تعلق منها بمجالات الطهو، اللباس، والاجتماع.
من الأمثلة على إسهاماتهم: الخبز الدائري، النورية (نظام مائي)، والطقوس مثل الزواج الأندلسي مع الهدايا. وقد تبنت المحاكم السلطانية هذه التأثيرات، مما غيّر أنماط الحياة الحضرية.
ومن العواقب الاجتماعية التي ترتبت عن مجيء الموريسكيين إلى المغرب ظهور تراتبية طبقية، ورفض نموذج ثقافي واجتماعي جديد، أدى إلى تقليدهم في الملبس والغناء وأسلوب الحياة.
خلق هذا التغيير تباينات وتراتبيات اجتماعيًة على حساب أنماط الحياة والأعراف القروية؛ الشيء الذي أدى إلى صور نمطية ازدرائية مستمرة تجاه الأمازيغ والعروبيين وغيرهم. ورغم قبول ثقافة النساء الموسيقيات عمومًا، عانت الشيخات اللائي يغنين العيطة من وصم خاص.
باختصار شديد، لم يكن هذا النمط من “الحگرة” في المجتمع المغربي نابعا فقط من رفض ديني، بل هو نتاج تأثير تاريخي كبير مرتبط بوصول النخب الأندلسية بعد سقوط الأندلس. غيّرت هذه النخب المعايير الثقافية والاجتماعية، مما خلق تراتبية تفضل القواعد الحضرية الأندلسية على التقاليد القروية والأمازيغية، وأدى إلى ازدراء اجتماعي مستمر وصور نمطية تمييزية، خاصة تجاه الشيخات والسكان القرويين.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى